رؤية لمهنة المحاسبة في عام 2026 وما بعده

مهنة المحاسبة

يناير 23, 2026 - 20:57
 0
رؤية لمهنة المحاسبة في عام 2026 وما بعده

طلال أبوغزاله

على امتداد رحلتي المهنية الطويلة في خدمة مهنة المحاسبة، شهدتُ تحولها اللافت من تخصص يقوم على مسك الدفاتر يدويًا إلى مهنة تقف اليوم في طليعة الابتكار التكنولوجي.

وبصفتي مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة طلال أبوغزاله (TAG.Global)، والرئيس السابق لفريق الخبراء الحكوميين الدوليين المعنيين بـ المعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ (ISAR) التابع لـ الأمم المتحدة، وأحد قادة الجمعية العربية للمحاسبين القانونيين، كرّستُ مسيرتي المهنية لتطوير معايير المحاسبة الدولية وضمان تطور المهنة بما يواكب عالمًا سريع التغير.

لقد أحدثت الثورة الرقمية نقلة نوعية رفعت المحاسبة من وظيفة مسانِدة إلى ركيزة استراتيجية في قيادة الأعمال. فقد أتاحت الحوسبة السحابية الوصول الفوري إلى البيانات المالية، مما مكّن من اتخاذ قرارات بسرعة ودقة غير مسبوقتين.
وأصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في العمليات المالية، عبر أتمتة الإجراءات المعقدة، وكشف المخالفات، وتعزيز الكفاءة. كما حوّلت تحليلات البيانات الضخمة المحاسبين إلى مستشارين موثوقين قادرين على استخلاص الرؤى الاستراتيجية من كمّ هائل من المعلومات.

في عام 2026، لم يعد المحاسبون محصورين في دور حفظ السجلات، بل أصبحوا مهندسي استشراف، يوظفون التحليلات التنبؤية لتوقع المخاطر، وتحديد الفرص، وتقديم المشورة بشأن تخصيص الموارد.
وقد حلّت مكان صورة المحاسب التقليدي صورة نخبة من المهنيين العاملين عند تقاطع المال والتكنولوجيا، يسهمون في رسم مستقبل المؤسسات.

غير أن هذه الفرص تصاحبها مسؤوليات جسيمة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أكدتُ على الأهمية البالغة لـ أمن المعلومات في حماية البيانات المالية، التي تُعد اليوم من أثمن أصول المؤسسات.
ويتوجب التعامل مع حمايتها بذات مستوى اليقظة المخصص لحماية الثروات المادية، عبر بناء أنظمة مرنة قادرة على مواجهة التهديدات السيبرانية، بما يحفظ الثقة المؤسسية.

كما تُسهم التقنيات الناشئة، مثل سلسلة الكتل (البلوك تشين) والعملات الرقمية، في إعادة تشكيل المشهد المحاسبي. فقد عززت البلوك تشين الشفافية والأمان في التقارير المالية، وقلّلت من مخاطر التلاعب، وسهّلت عمليات التدقيق.
وفي المقابل، باتت الأصول الرقمية جزءًا من الميزانيات العمومية، ما يفرض إتقان أساليب تقييم جديدة والتعامل مع أطر تنظيمية دولية معقدة.

وفي السياق ذاته، أصبح الإفصاح عن الاستدامة مسؤولية محورية، حيث يُكلَّف المحاسبون بقياس والإفصاح عن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG)، ومساعدة الشركات على مواءمة أعمالها مع أهداف الاستدامة العالمية.

لقد حظيت المحاسبة البيئية باهتمامي منذ عقود، ولا سيما في عام 1999 حين قدتُ إعداد تقرير دولي بعنوان «المحاسبة والإبلاغ المالي للتكاليف والالتزامات البيئية»، بالتعاون مع خبراء دوليين وتحت مظلة الجمعية العربية للمحاسبين القانونيين (ASCA)، وبالتشاور مع الأمم المتحدة وISAR.

إن مستقبل المحاسبة مشرق، وقد تطور ليغدو شراكة تكاملية بين الخبرة البشرية والذكاء التكنولوجي. ويتعيّن على المحاسبين تبني التعلم المستمر، وإتقان تحليل البيانات، والأمن السيبراني، ومهارات التواصل، ليظلوا عناصر لا غنى عنها في هذا العصر الجديد.

لم يعد دورنا مقتصرًا على توثيق الماضي، بل بات يتمثل في توجيه المستقبل، وصون النزاهة، وتحقيق النجاح المستدام للمؤسسات حول العالم.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0