الوباء الصامت يغزو مدينتنا
التلوث البصري
الوباء الصامت يغزو مدينتنا
التلوث البصري
بقلم: المدرس المساعد حسنين محمد عبدالحسين أبو شبع
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمحاربة تلوث الهواء والماء والتربة، يتسلل نوع آخر من التلوث إلى حياتنا اليومية دون ضجيج، لكنه يترك أثراً عميقاً على جودة حياتنا وصحتنا النفسية. إنه التلوث البصري، تلك الفوضى المنظمة التي باتت تشوّه المعالم الجمالية لمدننا وتحاصر أبصارنا أينما ولّينا وجوهنا.
ما هو التلوث البصري؟
التلوث البصري هو مصطلح يُطلق على أي عنصر مرئي يفسد المنظر العام ويحول دون الاستمتاع بالرؤية الطبيعية أو المعمارية المنسجمة. ولا يقتصر الأمر على أكوام النفايات فحسب، بل يمتد ليشمل الغابة العشوائية من اللوحات الإعلانية، والأسلاك الكهربائية المتدلية، والمباني المتهالكة أو غير المكتملة، والألوان الصارخة، وأثاث الشوارع غير المنظم، وحتى الإضاءة المبهرة التي تطمس معالم السماء ليلاً.
تداعيات التلوث
يرى الخبراء أن التلوث البصري ليس مجرد قضية جمالية ثانوية، بل هو اعتداء بصري يؤدي إلى نتائج نفسية وعضوية ملموسة، من بينها:
-
الإجهاد النفسي: إذ إن التعرض المستمر للفوضى البصرية يرفع مستويات القلق والتوتر لدى الأفراد.
-
تشتت الانتباه: فالغزارة العشوائية في الإعلانات تسبب تشتت الذهن، ولا سيما لدى السائقين، مما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث.
-
فقدان الهوية البصرية: حيث يؤدي إهمال التنسيق المعماري إلى ضياع الطابع التراثي والثقافي للمدن، ما يخلق جيلاً يعاني من ضعف الانتماء لبيئته.
المسؤولية المشتركة
إن مواجهة هذا الوباء الصامت تتطلب تكاتفاً بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني. فالقوانين والتشريعات التي تنظم وضع الإعلانات وتفرض معايير معينة للبناء تمثل الخطوة الأولى، لكنها لا تكفي دون وعي مجتمعي يدرك أهمية الجمال بوصفه حقاً إنسانياً أصيلاً. فضلاً عن أن أصحاب المناصب الإدارية المناط بهم المسؤولية تقع على عاتقهم مهمة ملامسة الذوق العام من خلال الدراسات والمقارنة واستفتاء النخب في ذلك.
ويقول مهندسو التخطيط العمراني إن العين هي مرآة العقل، فإذا ما اعتادت العين على القبح انعكس ذلك على سلوك الفرد وتفاعله مع المجتمع. لذا فإن استعادة التنسيق البصري في شوارعنا هو في الواقع استعادة لسكينتنا الداخلية.
خاتمة
إن محاربة التلوث البصري ليست رفاهية، بل هي ضرورة ملحّة للارتقاء بجودة الحياة. لقد حان الوقت لتكون الجمالية البصرية جزءاً لا يتجزأ من خطط التنمية المستدامة، لكي نعيد لمدننا روحها، ولأعيننا راحتها.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
2
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





