بغداد الرشيد أم الكاظمين؟

سرديات تاريخية

يناير 23, 2026 - 21:03
 0
بغداد الرشيد أم الكاظمين؟

عباس البخاتي

بعد ان كنا أسرى لسرديات تاريخية، لم يسمح لنا بالتثبت من حقيقتها، وعشنا لقرون مرغمين على قبولها، بالرغم من كثرة القرائن الدالة على زيفها، ها نحن اليوم نمتلك الحجة على نسف هذا التاريخ المزيف.

قداسة مصنوعة

بغداد الرشيد.. تلك العبارة التي ملأت الكتب، وتغنى بها الشعراء، وكانت التوصيف الأبرز في متون بيانات الأنظمة، التي ترى في خلفاء العباسيين كالمنصور والرشيد والمعتصم، عمالقة في تأريخ الامة، لكنها تغض الطرف عما تذكره مصادرهم نفسها، من انحلال وتهتك واسراف وظلم موجه للرعية، طوال قرون من حكمهم.

تصنيف المواطنين

هكذا الحال كانت في بغداد، من حيث تصنيف ساكنيها، فمن يؤمن برمزية هارون والمنصور، عُدَّ مواطناً من الدرجة الأولى، وله كافة الامتيازات، من حيث نمط المعيشة والسكن، والقرب من سلاطين الزوراء.

لكن من يعتقد برمزية من ظلمهم العباسيون، عُدَّ بنظر الأنظمة الحاكمة، مواطناً خارج نطاق التصنيف، وعليه ان يحبس الأنفاس، حين يمر بالأحياء الموالية للسلطة، وان لا يلتفت نحوها، فهنا بيت الزعيم وصهر القائد وسكرتير الوزير.. فهناك حتى الهواء مختلف، والساحات والطرقات كلها تختلف.

سقوط الرمز

سقط وريث بني العباس عام 2003، ومن كان يحذو حذوهم في اتخاذه لنفسه القاباً تضفي عليه شيئاً من القداسة الزائفة، عسى ان تغطي شيئاً مما علق بكيانه، من حظيظ وتفاهة وابتذال، فهو والكل يعلم تاريخه، الذي اختزله الراحل مظفر النواب بقوله:

صدام يا وسخ الدنيا برمتها
يكاد يخجل منك العار واللؤم
فيا ابن ألف أب نذل وواحدة
حليبها دون كل المرضعات دم

انكسار الهيبة

وبسقوط هذا اللقيط سقطت قداسة الرشيد، وأُهين كبرياء المنصور، فصارت الملايين تنادي باسم الضحية الأبرز لهارون، الا وهو الإمام الكاظم عليه السلام، وتلعن المأمون بقتله لحفيده الجواد.

إنها الحرية التي كنا نحذر من التفكير بها، ولو بأحلام اليقظة!
حرية كانت هبة الله لأهل العراق.

الحرية والعقيدة

استثمرها الزعيم العراقي الراحل عبد العزيز الحكيم، ليوظفها بخدمة الدين والعقيدة، حين توسط اتباعه وهو ينادي:
تاج تاج على الراس سيد علي السيستاني في مناسبة عاشوراء.

فمن هو السيستاني؟
إنه بنظر الرشيد وجواريه والمنصور وغلمانه، رجل عجوز رجعي، يتزعم حوزة رجعية، لا بد من استئصالها لكيلا تعيق الحركة التقدمية في العراق!

منع الشعائر

وماذا تعني تلك المناسبة، بنظر صدام وحزبه؟
إنهم يرونها سلوكيات شاذة، تتعارض مع العقل، وتشوه الصورة المثالية للدين الإسلامي، وهي جريمة يعاقب من يرتكبها بـ الإعدام والدفن حياً والثرم والسجن والتغييب والتسفير، وغيرها من فنون التعذيب المرعبة.

تحول المعادلة

بفضل الحرية التي قلنا إنها من هبات الباري لعباده، عادت تلك الممارسات، لتكون مادة محمية دستورياً، لأنها تعد أهم ركيزة في البنية العقائدية، لمواطنين كانوا خارج نطاق التصنيف.

وهاهم اليوم يملأون شوارع بغداد بعشرات الألوف، يهتفون بأعلى أصواتهم: لبيك يا حسين، الأمر الذي استدعى ان تدخل الأجهزة الأمنية حالة الانذار ج، لحماية المعزين، بعد أن كان واجبها سابقاً ملاحقتهم واعتقالهم.

والأدهى من ذلك أن تلك الشعارات، تطلق من مقرات رجال الدولة وقادتها وزعماء الفعاليات السياسية.

خاتمة

هذا يعني أن منهج الحكيم قد نجح في جمع الجماهير الحسينية في قلب العاصمة، ليكون النقيض التاريخي للقداسة المزيفة التي أُلصقت بـ بني العباس، وصرنا نشاهد أن بغداد اليوم هي بغداد موسى والجواد، أجداد الحكيم الذي ينتسب إلى آل محمد صلوات ربي وسلامه عليهم، بعد أن كانت بغداد الرشيد كما كانوا يزعمون زوراً وبهتاناً.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0