فنزويلا… بداية الربيع الأميركي
الهيمنة المباشرة
الكاتب/ رسل جمال
لم يكن الهجوم الأميركي الأخير على فنزويلا حدثاً عابراً في سجل الصراعات الدولية، بل لحظة كاشفة لوجه الاستعمار حين يخلع أقنعته الدبلوماسية ويرتدي بزّة القوة العارية. فاختطاف رئيس فنزويلا وزوجته أمام أنظار العالم، وبصمتٍ دولي ثقيل، لم يكن سوى إعلان رسمي بانتهاء مرحلة الوصاية غير المعلنة، والدخول في طور الهيمنة المباشرة، حيث لم تعد السيادة أكثر من كلمة تُستعمل في الخطب ولا تُحترم في الميدان.
سقوط الأقنعة
حاولت الولايات المتحدة طيلة السنوات الماضية تسويق تدخلها في فنزويلا تحت عناوين جاهزة: “حماية الديمقراطية”، “إنقاذ الشعب”، “مواجهة الاستبداد”. غير أن المشهد الأخير أسقط هذه السرديات دفعة واحدة، وأعاد تعريف الصراع بوصفه صراعاً على الموارد لا على القيم. فعندما تُختطف القيادة السياسية لدولة مستقلة بالقوة العسكرية، وتُدار البلاد من خارج حدودها، فإننا لا نكون أمام دعم سياسي، بل أمام احتلال بصيغة حديثة.
نفط وهيمنة
لم تكن السيطرة الأميركية على آبار النفط الفنزويلية وناقلاته تفصيلاً جانبياً في هذا المشهد، بل جوهره الحقيقي. فالنفط، هذا الذهب الأسود، كان ولا يزال المحرّك الخفي لكل “الرسائل الإنسانية” التي تُطلقها واشنطن. لقد وضعت يدها على مصادر الطاقة بفعل السلاح، وصادرت القرار الاقتصادي، وحوّلت الدولة إلى ساحة مفتوحة للشركات العابرة للقارات، وكأن التاريخ يعيد نفسه بوسائل أكثر فجاجة وأقل خجلاً.
ذروة الغطرسة
اللحظة الأكثر رمزية جاءت حين انتهى الأمر بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى إعلان نفسه حاكماً لفنزويلا، في سابقة لم يعد فيها الاستعمار بحاجة إلى وكلاء محليين أو مسميات رمزية. إعلان كهذا لا يعبّر فقط عن نزعة فردية متغطرسة، بل عن عقل سياسي يرى العالم ملكية خاصة، والدول الضعيفة حقولاً قابلة للاستثمار بالقوة.
ربيع الهيمنة
ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن سياق أوسع، هو سياق “الربيع الأميركي”؛ ربيع لا يشبه ربيع الشعوب، بقدر ما يشبه عواصف الهيمنة. ربيع لا يزهر حرية، بل يخلّف فوضى، ويعيد رسم الخرائط وفق مصالح القوة الأعظم. يبدأ بشعار، وينتهي بدبابة، يبدأ ببيان، وينتهي بخطف رئيس دولة.
تحذير مفتوح
فنزويلا اليوم ليست وحدها في هذا الامتحان، لكنها النموذج الأوضح لما قد تواجهه الدول التي تمتلك ثرواتها ولا تمتلك مظلة حماية دولية حقيقية. وما لم يُكسر هذا النموذج، فإن الاستعمار الحديث سيواصل توسعه، لا بجيوش تقليدية فحسب، بل بإرادة سياسية ترى في العالم الثالث ساحة مفتوحة للتجريب والنهب.
وهكذا، لا يكون ما حدث مجرد فصل في أزمة فنزويلية، بل افتتاحية لمرحلة دولية جديدة، تُكتب فيها السيادة بالحبر، وتُمحى بالقوة. مرحلة عنوانها الأوضح: حين يزهر “الربيع الأميركي”، تذبل سيادة الدول.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
1
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





