الذكاء الاصطناعي والهجرة العالمية… بين الكفاءة والمخاطر الحقوقية

السلطة والخصوصية والمساءلة وحقوق الإنسان

يناير 12, 2026 - 21:24
 0
الذكاء الاصطناعي والهجرة العالمية… بين الكفاءة والمخاطر الحقوقية

ترجمة عين للأنباء

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة نظرية؛ بل أصبح قوة محورية في إدارة الهجرة، يعيد تشكيل سياسات الدول بشأن دخول المهاجرين وإقامتهم واستبعادهم. إذ أدت النزاعات المتصاعدة، والتغير المناخي، والتحولات الديموغرافية، وسياسات التأشيرات الصارمة إلى تعقيد عبور الحدود، ما دفع الحكومات لاعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي لمعالجة هذه التحديات. ورغم ما توفره هذه التقنيات من كفاءة واتساق، تظل قضايا السلطة والخصوصية والمساءلة وحقوق الإنسان محور نقاش مستمر، ويعتمد مستقبل إدارة الهجرة على كيفية تشغيل هذه الأدوات والتحكم فيها.

إدارة الهجرة وفق المعايير الدولية

تعرف المنظمة الدولية للهجرة إدارة الهجرة بأنها مجموعة القوانين والسياسات والمؤسسات والإجراءات التي تحدد كيفية تنظيم حركة الهجرة. وتتضح أهمية هذه القرارات في تحديد فرص الوصول إلى الأمان، والحفاظ على التماسك الأسري، وتأمين الفرص الاقتصادية للمهاجرين.

اليوم، تؤثر الأنظمة الآلية والخوارزميات بشكل مباشر على هذه القرارات، بدءًا من فحص طلبات التأشيرة وحتى التحقق من الهوية البيومترية على الحدود، ما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الآليات اليومية لمراقبة الهجرة.

كفاءة وفعالية

تزعم الحكومات أن الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة الأنظمة المرهقة، إذ يساعد على معالجة أعداد ضخمة من الطلبات، وتقليل تراكمها، وتحديد الطلبات الاحتيالية أو غير المكتملة.
على سبيل المثال، تستخدم كندا أنظمة خوارزمية لدعم موظفي الهجرة في إدارة المخاطر وتحديد الأولويات، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي لتوسيع أنظمته الرقمية للحدود عبر مشاريع مثل نظام الدخول/الخروج ونظام ETIAS لتصاريح السفر. ويؤكد مركز البحوث البرلمانية الأوروبية أن هذه التقنيات تحسن اتساق وكفاءة العمل، خصوصًا عند التعامل مع أعداد كبيرة من الطلبات.

كما يسهم الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بأنماط الهجرة عبر تحليل البيانات الضخمة المتعلقة بالصراع، والعوامل الاقتصادية، ومخاطر المناخ، ما يمكّن من تطبيق الإنذار المبكر والتأهب الإنساني بشكل أكثر فعالية. وقد استخدمت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الذكاء الاصطناعي لتحسين تسجيل اللاجئين، وتقديم الخدمات، وتحديد هوية المفقودين، مثبتة فعالية التكنولوجيا ضمن أهداف الحماية في إطار أخلاقي.

مخاطر التحيز وانتهاك الحقوق

مع توسع دور الذكاء الاصطناعي، تظهر مخاطر كبيرة. فكثيرًا ما تُصور الخوارزميات على أنها موضوعية، لكنها في الواقع تعكس التحيزات السابقة وتفضيلات المصممين. وقد تؤدي أنظمة اتخاذ القرار الآلية إلى تعزيز التمييز العرقي والقومي والاجتماعي، خصوصًا عند تدريبها على بيانات مرتبطة بسياسات تمييزية. وهذا قد يلحق ضررًا كبيرًا بطالبي اللجوء من دول الجنوب العالمي، حيث تلعب الجنسية، والعمر، وتاريخ السفر دورًا رئيسيًا في تقييم الطلبات.

إضافة إلى ذلك، تمثل الشفافية تحديًا رئيسيًا، إذ غالبًا ما تُدار هذه الأنظمة كـصندوق أسود، خصوصًا تلك التي تطورها شركات خاصة، مما يصعّب على المتقدمين فهم أو الطعن في نتائج القرارات. وقد تُصبح قرارات الرفض الآلية نهائية، ما يثير مخاوف حول الإجراءات القانونية الواجبة وحقوق المهاجرين في بلاد أجنبية.

مراقبة الحدود والقيود الرقمية

يحوّل استخدام تقنيات التعرف على الوجوه، والطائرات المسيّرة، والكاميرات الحرارية، والبيانات البيومترية الحدود إلى فضاء إلكتروني محصّن. ويرى المعارضون أن هذه الأدوات تعزز الموقف الأمني تجاه الهجرة، وتحوّل المهاجرين من أصحاب حقوق إلى تهديدات.

كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى شركات الطيران وأصحاب العمل والجامعات والمنصات الرقمية، حيث تحدد من يُسمح له بالمرور أو الدراسة أو العمل. وقد أدت بعض التجارب، مثل استخدام المملكة المتحدة تقنية التعرّف على الصوت في اختبارات اللغة للطلاب الدوليين، إلى ترحيل المتضررين، ما يعكس هشاشة حقوق المهاجرين أمام الأنظمة الرقمية.

الذكاء الاصطناعي كأداة وليست بديلاً

لا يمكن تجاهل الذكاء الاصطناعي؛ إذ لطالما أثرت التحيزات البشرية على قرارات الهجرة. ومن خلال شفافية التصميم وإدارة مسؤولة، يمكن الحد من التعسف، والكشف عن مخاطر الاتجار بالبشر، ووضع سياسات قائمة على الأدلة. والأهم من ذلك، تكملة الحكم البشري بدل استبداله، خصوصًا في القرارات المتعلقة بالحقوق والحماية.

إطار مستقبلي مسؤول

لتعزيز إدارة الهجرة عالميًا، يتطلب الأمر وضع إطار قانوني شامل يستند إلى القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان، بما في ذلك:

  • عمليات تدقيق مستقلة للخوارزميات،

  • إشراك العنصر البشري في اتخاذ القرار،

  • إطار مساءلة شفاف يتيح وصول المتضررين للعدالة.

ويشمل هذا الإطار القطاع الخاص، الذي يلعب دورًا محوريًا في إدارة الهجرة، إلى جانب التعاون الدولي، بالاستفادة من وثائق مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لليونسكو والمناقشات حول الحوكمة الرقمية للأمم المتحدة.

الرهان على إنسانية الهجرة

يبقى السؤال مطروحًا: هل سيستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز السيطرة والحدود الرقمية الانتقائية، أم لدعم تنقل إنساني وعادل قائم على حقوق الإنسان؟
ستواجه السياسات المستقبلية تحديًا مزدوجًا: حماية حقوق المهاجرين والفئات الضعيفة، وضمان إدارة هجرة شفافة ومتقدمة تحافظ على كرامة الإنسان بدل تعميق أوجه عدم المساواة العالمية.

#الهجرة_الرقمية #الذكاء_الاصطناعي #حقوق_الإنسان #إدارة_الهجرة #التقنيات_الحديثة #حوكمة_رقمية

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0