عِلّة تراجع ترامب عن تهديده
البلطجة الأمريكية
الكاتب/ أسعد عبدالله عبدعلي
على مدار الأيام الماضية، انشغل العالم بما يحدث في الشرق الأوسط، حيث البلطجة الأمريكية في أبشع صورها، وتهديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بضربة صاروخية شديدة جداً، مع تلميحات بأنها قد تكون ضربة نووية. ومع ارتفاع حدة النباح الأمريكي، كان الجميع يتوقع تنفيذ الضربة في ليلة التهديدات وفتح باب جهنم على المنطقة. لكن فجأة تبدّل رأي ترامب في اللحظة الأخيرة. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تراجع ترامب عن تنفيذ الضربة العسكرية المباشرة ضد إيران؟ ولماذا دخلت إسرائيل على خط “طلب التأجيل” في هذا التوقيت الحساس؟ وما سرّ هذا الهدوء المريب؟
في قراءة سياسية متأنية، لا يبدو ما يجري مجرد تهدئة عابرة أو تراجع تكتيكي، بل أقرب إلى مرحلة انتظار محسوبة، تتقدّم فيها مبضع الجرّاح الاستخباري على صخب المدافع العسكرية؛ فليس كل هدوء نجاة، بل قد يكون استدارة نحو هدف خطير.
وهنا نطرح عدة أفكار تكون سبب تراجع ترامب عن تهديداته:
استراتيجية بلطجية
إن المتابع لسلوك الرئيس الأمريكي ترامب يدرك أنه لا يتحرك بمنطق السياسيين التقليديين، بل بمنطق “البلطجي” الذي يتقن فن الابتزاز السياسي ورفع سقف التهديدات إلى ذروتها القصوى. ففي الأيام الأخيرة تعمّد إرسال حزمة من الرسائل المتناقضة التي تبدو مشوشة؛ إذ تحدث عن انخفاض وتيرة القمع والقتل (كما يدّعي) في الشارع الإيراني، كنوع من “التلطيف” الظاهري، لكنه في الوقت ذاته أكّد أن “كل الخيارات العسكرية” لا تزال على الطاولة وبجهوزية تامة. هذا التناقض الصارخ لم يكن وليد الصدفة.
في طهران لم يُقرأ هذا السلوك على أنه تراجع أو ضعف، بل فُهم بوصفه التفافاً سياسياً خبيثاً يهدف إلى خلخلة التوقعات. ترامب يمارس الضغط النفسي لإرباك غرف صناعة القرار الإيراني؛ فالضبابية تترك الخصم في ترقّب دائم، قلقاً من المجهول، وعاجزاً عن بناء استراتيجية دفاعية واضحة، فـ “الحيرة تأكل الحسابات”.
الحقيقة أن تراجع نبرة التهديد المباشر لا يعني الانسحاب، بل إعادة توزيع للأدوار وتغييراً في التكتيك. نحن أمام مرحلة يُنقل فيها الملف من العلن المليء بالضجيج إلى السر المليء بالخطر. فترامب وفريقه يدركون أن الفعل الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج إعلامي، بل إلى دقة وهدوء، ليكون السكون غطاءً لضربة لا يُسمع صداها إلا بعد فوات الأوان.
طبخة سرّية
في الموازين السياسية، لا يُعرف عن الكيان الصهيوني ميله لتهدئة الأجواء أو كبح جماح القوة الأمريكية تجاه طهران. لذلك فإن دخول تل أبيب المفاجئ على خط طلب “تأجيل” الضربة فتح أبواب تساؤلات عميقة. فالتاريخ يؤكد أن إسرائيل لا تفرمل آلة الحرب إلا إذا امتلكت خطة بديلة تراها أكثر فتكاً وأقل كلفة من المواجهة الشاملة.
التفسير الأرجح أن التأجيل يهدف لكسب الوقت ومنح الضوء الأخضر لعمليات دقيقة صامتة، لا لتدمير معسكر أو مخزن صواريخ، بل لضرب مفاصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتغيير قواعد اللعبة من الداخل، واستهداف مستقبل النظام عبر هزّ أركانه الأمنية.
ما يجري في الكواليس هو عدّ تنازلي لنتائج عمليات غير مسبوقة تتجاوز البنية العسكرية التقليدية لتصل إلى رأس الهرم مباشرة. ويبدو أن الكيان يعمل ببرود وصمت ضد خصم كبير، بهدف مباغتة إيران بحدث زلزالي يقع فجأة دون مقدمات.
لكن القيادة الإيرانية ذكية وتفهم ما يجري، والمؤكد أنه لا يفوتها هذا الجانب من خبث الصهاينة.
حساب الكلفة
يشير التحليل السياسي إلى أن تراجع ترامب ليس خوفاً بمعناه التقليدي، بل نتيجة حساب ربح وخسارة معقّد وتغيير في استراتيجية المواجهة. فترامب، الذي يرفع شعار “أمريكا أولاً”، يريد تجنّب الحروب الطويلة والمكلفة. وهو يدرك أن الرد الإيراني—even لو كان انتحارياً—سيُلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية وحلفائها في الخليج، ويرفع أسعار النفط ويضرب الاقتصاد العالمي. لذلك يرى أن كلفة الضربة العسكرية المباشرة الآن أعلى من مكاسبها.
وتشير التقارير إلى انتقال واشنطن وتل أبيب إلى استراتيجية “الضربة الصامتة”؛ فالتراجع عن القصف الجوي قد يكون غطاءً لمنح الموساد وCIA الوقت لتنفيذ عمليات اغتيال أو تخريب داخلي، يراها ترامب أرخص وأكثر إيلاماً دون جرّه إلى حرب إقليمية مفتوحة.
يستخدم ترامب أسلوب الكرّ والفرّ؛ يهدد ثم يتراجع ليزرع الشك والارتباك، ويُبقي الخصم في حالة استنفار دائم تستهلك الأعصاب والموارد.
والقيادة الإيرانية مدركة لهذا التغيير، وتفهم حجم التهديد، ومؤكد أنها استعدّت لهذا السيناريو.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





