مصير جماهير كردستان سوريا في مهب التحولات الإقليمية والدولية
قوات سوريا الديمقراطية
الكاتب: سمير عادل
انتفت الحاجة إلى الوكالة الحصرية في محاربة «الإرهاب – داعش» في سوريا، والتي كانت تُمنح إلى قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وذلك بحسب ما صرّح به مبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا توم باراك. وبذلك أُعيدت هذه الوكالة لتُمنح إلى وكيل جديد حصري للولايات المتحدة الأمريكية، هو حكومة الشرع حاليًا، أي الشخص نفسه الذي كان يُصنَّف ـ هو وجماعته ـ إرهابيًا وفق التصنيف الأمريكي سابقًا.
بمعنى آخر، من أُوكِلَت إليه مهمة محاربة أبو محمد الجولاني في وقتٍ ما، أصبح اليوم هو الجولاني نفسه، بعد أن غيّر اسمه وصورته السياسية ليكون «مؤهلًا» لحمل لواء محاربة الإرهاب، والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي في محاربة داعش.
رهان خاسر
إن خسارة قوات سوريا الديمقراطية لمعظم الحقول النفطية والمناطق الزراعية ومساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها في الرقة والطبقة، تعود أولًا إلى الرهان على التناقضات الدولية والصراعات بين القوى الإقليمية، وثانيًا إلى عجزها عن تجاوز أفقها القومي الضيق، عبر الرهان على المشاعر القومية الكردية بدل الظهور كحامل لراية الحرية والمساواة لجميع الفئات الاجتماعية في سوريا.
لقد أُتيحت لقوات سوريا الديمقراطية فرصة تاريخية للتحول إلى واحدة من أهم الحركات الثورية والتحررية، ليس في سوريا فحسب بل في عموم المنطقة، من خلال الدفاع عن دستور علماني غير قومي، والعمل على تثبيته وفرضه على دمشق. وكان بالإمكان أن تحشد، إلى جانب القوى الكردية، الجماهير في البلدان العربية، والحركة العمالية، وعموم الجبهة الإنسانية على مستوى العالم، بدل الارتهان الحصري إلى المشاعر القومية.
خسارة سياسية قبل أن تكون عسكرية
إن خسارة «قسد» للمناطق التي كانت تحت سيطرتها هي خسارة سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون عسكرية. فقد تحولت من قوات سورية ديمقراطية تضم في صفوفها جماهير واسعة من جنوب شرق سوريا، من الناطقين بالعربية والكردية والآشورية، إلى قوة ذات طابع قومي كردي شبه خالص، بعد انسحاب قطاعات واسعة من الناطقين بالعربية منها.
وقد نجحت القوى الحاكمة في دمشق في استغلال هذا البعد القومي، ودقّ إسفين داخل صفوف «قسد»، ما أدى إلى سحب "المكوّن العربي" منها، لتُترك في مواجهة البندقية القومية وحدها ضمن معادلة إقليمية ودولية معقدة.
مكتسبات مهددة
إن من أهم المكتسبات التي ينبغي الدفاع عنها في تجربة الإدارة الذاتية في المناطق التي طردت منها عصابات داعش والإرهاب بجميع اجنحته بفضل قسد، هي المساواة بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وتعريف الإنسان في هذه المناطق بهوية المواطنة، إلى جانب تطبيق قانون المساواة بين المرأة والرجل.
فقوات حماية المرأة لم تكن صدفة، بل ثمرة نضال طويل لـ الحركة النسوية، وكانت من أكثر القوى التي تصدّت للإرهاب وداعش، في وقتٍ كانت فيه هذه التنظيمات تُموَّل علنًا من الدولة التركية.
ثمن التحولات
إن جماهير سوريا اليوم تدفع ثمن هذه التحولات الإقليمية والدولية، وأصبحت هدفًا لإرهاب الحكام الجدد في دمشق، كما كان الحال مع الدروز في السويداء، والعلويين في الساحل، وكما أصبحت النساء هدفًا مباشرًا عبر القوانين القروسطية التي فُرضت ضدهن تحت مسمى «الإعلان الدستوري».
الأجندات الخارجية
إن السلام والأمان لن تنعم بهما جماهير سوريا ما دامت القوى السياسية التي تدّعي تمثيلها ترهن مصيرها لـ الأجندات الإقليمية والدولية، وخصوصًا الارتهان لدول مارقة ذات طابع استعماري وعنصري مثل إسرائيل.
خاتمة
لا شك أن من حق جماهير كردستان سوريا اختيار مسارها السياسي بحرية، لكن من الضروري النظر إلى واقعها اليوم بوصفه مرتبطًا بمصير جماهير السويداء والساحل والرقة والطبقة وسائر المناطق السورية، ضمن معركة واحدة من أجل العيش الكريم والمواطنة المتساوية.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





