هل تجرؤ روسيا والصين على الرد بعد فنزويلا؟
عملية الحسم المطلق
الكاتب/ محمد النصراوي
في تمام الساعة الثانية فجراً من الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، انشق صمت كاراكاس بضجيج غير مسبوق في محيط القصر الرئاسي. لم تكن تلك مجرد غارة جوية، بل “عملية الحسم المطلق” التي نفذتها قوات دلتا الأميركية لانتزاع نيكولاس مادورو من فراشه، في مشهد بدا وكأنه مستلّ من أفلام الإثارة السياسية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه في الواقع أعاد صياغة قواعد اللعبة الدولية مع مطلع عام جديد.
وبينما كان مادورو يُساق مكبلاً إلى طائرة عسكرية متجهة نحو نيويورك، كانت الزلازل السياسية تضرب أروقة صنع القرار في بكين وموسكو، حيث لم يكن المعتقل مجرد حليف سياسي، بل حجر زاوية في استراتيجيات القوى العظمى لمنافسة النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي.
صدمة بكين
في الصين، ساد صمت مطبق في الساعات الأولى قبل أن ينفجر الغضب الدبلوماسي. فبكين، التي استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي عبر آلية “القروض مقابل النفط”، رأت في الاعتقال “قرصنة دولية” وضربة قاصمة لأمنها الطاقوي.
المسألة بالنسبة إلى شي جين بينغ لا تتعلق بمصير “ديكتاتور صديق”، بل بتهديد مباشر لمبدأ “عدم التدخل” الذي تتخذه الصين درعاً لحماية طموحاتها في تايوان وبحر الصين الجنوبي.
حسابات موسكو
في موسكو، كان وقع الخبر مختلفاً. فبينما وصف المندوب الروسي في مجلس الأمن العملية بأنها “عودة إلى شريعة الغابة”، بدت على الموقف الكرمليني مسحة من الواقعية القاسية.
يدرك فلاديمير بوتين أن إدارة ترامب الجديدة دشنت ما يمكن تسميته بـ “عقيدة دونرو”، وهي مزيج من مذهب مونرو الكلاسيكي وقوة ترامب الخشنة، ما يجعل المصالح الروسية في أميركا اللاتينية على كف عفريت، في وقت تنصب فيه أولويات موسكو بالكامل على جبهة أوكرانيا.
شتاء جيوسياسي
الأشهر المقبلة لن تكون مجرد معركة قانونية في محاكم مانهاتن، بل “شتاءً جيوسياسياً” بامتياز. يتوقع محللون أن يتحول ملف مادورو إلى ورقة مساومة كبرى في “صفقة القرن” الجديدة بين واشنطن والقوى الشرقية.
ومن المرجح أن تشهد الفترة بين الربيع والصيف ضغوطاً أميركية هائلة على ديلسي رودريغيز، التي تولت الرئاسة بالإنابة، لإجبارها على فك الارتباط الاستراتيجي مع بكين وموسكو، وطرد الخبراء العسكريين الروس والمستشارين الأمنيين الكوبيين، مقابل عدم توسيع العملية العسكرية.
حرب ناعمة
الصين، من جانبها، لن تقف مكتوفة الأيدي. تشير التقديرات إلى احتمال إطلاق “حرب استنزاف مالية”، عبر المطالبة الفورية بتسديد الديون الفنزويلية أو تجميد أصول شركات أميركية، رداً على احتمالية استيلاء شركات النفط الأميركية الكبرى على حقول كانت تديرها الصين في حوض أورينوكو.
التحليل المعمق يوحي بأننا أمام “حصار ناعم” متبادل، إذ ستسعى واشنطن لاستغلال سيطرتها على مادورو لانتزاع أسرار مالية واستخباراتية تتعلق بشبكات التهرب من العقوبات التي ربطت كاراكاس بـ طهران وموسكو، ما قد يقود إلى موجة جديدة من العقوبات العابرة للحدود.
مأزق إنساني
البعد الإنساني في هذه الدراما يبدو بالغ التعقيد. فبينما احتفلت الجاليات الفنزويلية في ميامي ومدريد بسقوط “الطاغية”، يعيش المواطن البسيط في شوارع كاراكاس حالة ترقب مشوب بالخوف.
فالمستقبل الذي كان مثقلاً بالفقر بات مهدداً بـ حرب أهلية أو فراغ أمني قد تستغله عصابات الكارتلات. ومحاكمة مادورو مرشحة للتحول إلى “سيرك سياسي” عالمي، بين دفاع يلوّح بعدم قانونية الاختطاف، وادعاء أميركي يسعى لربطه مباشرة بتهريب أطنان من الكوكايين.
صفقات محتملة
قد تجد موسكو في هذه الأزمة فرصة للمقايضة:
“اتركوا لنا شرق أوروبا، ونترك لكم أميركا اللاتينية”، غير أن هذا النوع من الصفقات يصطدم بتعنت بكين، التي لا تستطيع التخلي عن استثمارات بمليارات الدولارات في فنزويلا.
خريف التحولات
مع اقتراب خريف 2026، يُتوقع أن تدفع واشنطن نحو “عملية انتقال موجهة”، لا تسمح بانتخابات حرة قد تعيد إنتاج التيار التشافيزي، بل تفضي إلى حكومة تكنوقراط تضمن تدفق النفط إلى الأسواق العالمية وخفض الأسعار، وهو الهدف الاقتصادي غير المعلن لتحرك ترامب.
في المقابل، قد تتجه الصين وروسيا إلى تعزيز وجودهما العسكري في دول مثل كوبا ونيكاراغوا، ما ينذر بعودة أجواء الحرب الباردة إلى الكاريبي.
ما فعله ترامب باعتقال مادورو لم يكن مجرد عملية إنفاذ قانون، بل “طلقة البداية” في إعادة ترسيم حدود النفوذ العالمي. لقد أثبتت واشنطن أنها لا تزال تمتلك الجرأة – أو الوقاحة بنظر البعض – لتغيير الأنظمة بالقوة المباشرة حين تتعارض مع أمنها القومي.
الثابت الوحيد أن فنزويلا التي عرفناها طوال عقدين قد انتهت، وأن العالم يشهد فصلاً جديداً من صراع محتدم بين القطبية الواحدة الساعية للخلود، والأقطاب الصاعدة التي ترفض الانكسار.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





