دماء السودان على رمال الذهب والبحر الأحمر: صراع داخلي أم حرب نفوذ دولية؟

فصل دموي جديد في دارفور

نوفمبر 8, 2025 - 12:12
 0
دماء السودان على رمال الذهب والبحر الأحمر: صراع داخلي أم حرب نفوذ دولية؟


عين للأنباء – الخرطوم

تتواصل مأساة السودان على وقع التقارير المروّعة عن مجزرة مئات المدنيين في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، عقب سيطرة قوات الدعم السريع المتمردة عليها الأسبوع الماضي، في واحدة من أبشع حلقات الصراع الذي أودى بحياة أكثر من 150 ألف شخص خلال عامين ونصف من حرب تمزّق البلاد.

ورغم أنّ الحرب تُقدَّم إعلاميًا كصراع بين جنرالين متنافسين – عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) – إلا أن خلف الستار تتشابك خيوط قوى إقليمية ودولية، تسعى كل منها إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي في هذا البلد الثري بالموارد والموقع.

السودان.. بوابة الجغرافيا وميدان النفوذ

يحتل السودان موقعًا حيويًا بين الشرق الأوسط وأفريقيا، ويسيطر على 500 ميل من ساحل البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. كما يملك احتياطيات ضخمة من الذهب والأراضي الزراعية، وهو المنتج الأول عالميًا لـ الصمغ العربي المستخدم في الصناعات الدوائية والتجميلية.

وتنبع من أراضيه نحو 400 ميل من النيل الأزرق، ما يجعله عنصرًا محوريًا في دبلوماسية المياه التي تربط مصر وإثيوبيا والقرن الأفريقي. ولهذا، فإن السيطرة على السودان لا تعني فقط السيطرة على موارده، بل على التوازن الإقليمي بأسره.

هدنة رباعية تحت ضغط المجازر

أمام تصاعد الإدانات الدولية عقب مذبحة دارفور، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على هدنة إنسانية بدعم من "الرباعية" الدولية – الولايات المتحدة، الإمارات، مصر، والسعودية – في محاولة لوقف نزيف الدم.

لكنّ التحليلات السياسية تشير إلى أن هذه الدول الأربع ليست مجرد وسطاء، بل أطراف غير معلنة في الصراع، لكل منها أجندته الخاصة، ما يجعل الهدنة أقرب إلى مسرح سياسي من كونه اتفاقًا قابلًا للحياة.

الإمارات.. الذهب مقابل البنادق

تواجه الإمارات العربية المتحدة اتهامات متكررة بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والتمويل، عبر شبكة من الشركات المرتبطة بعائلة حميدتي والمقيمة في دبي.
وقد فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) عقوبات على عدة شركات مرتبطة بالجنرال المتمرّد، متهمةً إياها بتهريب الذهب لتمويل شراء السلاح.

ورغم نفي المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش لهذه الاتهامات ووصفها بـ"الأخبار الكاذبة"، إلا أن تقارير أممية وصحفية – منها صادرة عن لجنة خبراء مجلس الأمن – وصفت تلك المزاعم بأنها “موثوقة”.

ويرى مراقبون أن أبوظبي تسعى من خلال دعمها غير المباشر لحميدتي إلى تأمين نفوذها الاقتصادي في السودان، خصوصًا في قطاع التعدين والموانئ على البحر الأحمر، وضمان التحكم في سلاسل الذهب الإفريقية التي تموّل مشاريعها في القارة.

القاهرة.. هواجس النيل ومخاوف الديمقراطية

أما مصر، فتقف خلف البرهان باعتباره الضامن لـ"الجيش النظامي" ولبنية الدولة السودانية التقليدية.
وتبرّر القاهرة دعمها بضرورات الأمن القومي ومخاوف انهيار السودان على حدودها الجنوبية، خاصة مع تصاعد أزمة سد النهضة الإثيوبي التي تهدد حصتها من مياه النيل.

لكنّ دعم مصر ليس مطلقًا، إذ تواجه قيودًا اقتصادية وسياسية بسبب اعتمادها على المساعدات الإماراتية والسعودية، كما تخشى من تدفق مئات آلاف اللاجئين السودانيين إلى أراضيها، ما يفاقم أزمتها الداخلية.

ويرى محللون أن القاهرة تسعى أيضًا إلى منع قيام نظام ديمقراطي في الخرطوم قد يشجع المعارضة المصرية أو يربك التوازن الإقليمي.

الرياض.. حارس البحر الأحمر

تحافظ السعودية على خطاب الحياد، لكنها تدعم البرهان دبلوماسيًا، وتشارك واشنطن في جهود الوساطة.
وتعتبر المملكة استقرار السودان جزءًا من أمن البحر الأحمر، الذي يمثل ركيزة أساسية في مشروع التحوّل الاقتصادي السعودي (رؤية 2030)، لكونه ممرًا تجاريًا رئيسيًا.

ويشير دبلوماسيون إلى أنّ الرياض تتحرك ببراغماتية حذرة؛ فهي لا تريد خسارة شراكتها مع الإمارات، ولا استفزاز القوى الغربية، لكنها في الوقت نفسه ترى في السودان بوابة استثمارية ضخمة ومجال تنافس مع القوى الإفريقية والآسيوية.

روسيا.. بوابة موسكو إلى أفريقيا

من خلف الستار، تتحرك روسيا بثقلها العسكري والاقتصادي، ساعية لترسيخ نفوذها عبر مجموعة فاغنر التي زودت قوات الدعم السريع بالصواريخ والمرتزقة من ليبيا وسوريا وأفريقيا الوسطى، مقابل امتيازات في تعدين الذهب السوداني.

وفي الوقت نفسه، يتفاوض الكرملين مع البرهان للحصول على قاعدة بحرية في بورتسودان على البحر الأحمر، في خطوة تعدّها واشنطن تهديدًا استراتيجيًا لممراتها البحرية ونفوذها في القرن الأفريقي.

ويؤكد باحثون أن موسكو تنظر إلى السودان كـ"مفتاح للتمدد الروسي في أفريقيا"، خصوصًا بعد تراجع نفوذها النسبي عقب تمرد فاغنر ومقتل زعيمها يفغيني بريغوجين.

 حرب الوكلاء أم صراع الوجود؟

الواقع الميداني يكشف أن الحرب السودانية تجاوزت الصراع الداخلي لتتحول إلى ميدان حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، تتصارع على الذهب والموانئ والنفوذ السياسي.
فكل طرف – من الخليج إلى موسكو – يرى في السودان قطعة شطرنج ضمن لعبة أكبر لإعادة رسم خريطة النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويقول الخبراء إن الدم السوداني أصبح العملة الصامتة التي تُموَّل بها صفقات السلاح والذهب، في بلد فقد مؤسساته، وتحوّل إلى ساحة استنزاف بشرية واقتصادية لصالح القوى الخارجية.

وبين حميدتي وبرهان تتطاير الرصاصات، لكن خلفهما تتصارع عواصم إقليمية ودولية على من يمسك بخيوط الخرطوم.
وكلما تعثرت المفاوضات واشتعلت المدن، تعمّقت جراح السودان الغارق في دوامة دم وذهب.

التحليل الأبرز أن الحرب لن تنتهي بمنتصر عسكري، بل بمفاوض سياسي تفرضه موازين الخارج لا الداخل.
فالسودان اليوم ليس مجرد دولة تنهار، بل ساحة صراع مفتوح على مصير أفريقيا والعالم العربي معًا.

#السودان #دارفور #قوات_الدعم_السريع #حميدتي #البرهان #الإمارات #السعودية #مصر #روسيا #فاغنر #الذهب #البحر_الأحمر #عين_للأنباء

المصدر: cnn

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0