هل الحرب في أوكرانيا حرب من أجل أوروبا؟

بين الأمن والمسؤولية

فبراير 21, 2026 - 00:47
 0
هل الحرب في أوكرانيا حرب من أجل أوروبا؟

عين للأنباء – تحليل سياسي

الأستاذ ألكسندر كوستيوك

أعاد مؤتمر ميونيخ للأمن فتح ملف شائك يتجاوز حدود كييف وموسكو: هل الحرب في أوكرانيا حرب أوروبية بامتياز؟ أم أنها نزاع إقليمي ينعكس فقط على أمن القارة؟
سؤال يلامس جوهر الهوية الاستراتيجية الأوروبية، ويكشف تناقضاً عميقاً بين الخطاب السياسي والواقع الجيوسياسي.

جذور الفراغ

منذ مطلع التسعينيات، حذّر مسؤولون غربيون من مخاطر ترك فراغ أمني بين أوروبا الشرقية وأوكرانيا.
عام 1993، أشار وزير الخارجية الأميركي آنذاك إلى أن توسع الناتو شرقاً دون إشراك أوكرانيا سيخلق منطقة رخوة قد تستغلها موسكو.

وبالفعل، توسع الحلف لاحقاً، فيما بقيت كييف خارج المظلة الأطلسية، لتتحول إلى خط تماس استراتيجي بين روسيا والغرب.

أوروبا المستفيدة

ألمانيا، التي تحدث وزير دفاعها في التسعينيات عن ضرورة وجود منطقة عازلة شرقاً، استفادت عملياً من نقل التهديد بعيداً عن حدودها.
أما بولندا، فقد دخلت الناتو، بينما بقيت أوكرانيا خارجه، رغم التحذيرات المبكرة من شخصيات مثل الرئيس البولندي آنذاك.

المحصلة: الفراغ الأمني انتقل شرقاً… وتكلفته تُدفع اليوم في أوكرانيا.

ثمن التأجيل

بعد نهاية الحرب الباردة، خفّضت دول أوروبية إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، ووجهت الموارد نحو الرعاية الاجتماعية والسياسات الداخلية.
وبحسب تقديرات متداولة، وفّرت القارة أكثر من 1.5 تريليون يورو من موازنات الدفاع خلال عقود.

لكن هذا "السلام المريح" انهار مع الغزو الروسي، لتجد أوروبا نفسها أمام سؤال وجودي:
هل كانت مستعدة لتحمل مسؤولية أمنها دون الاعتماد الكامل على واشنطن؟

تصريح ميونيخ

أثار رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر جدلاً واسعاً بتصريح اعتبر فيه أن استمرار الحرب قد يصب في مصلحة أوروبا.

تصريحٌ فُسّر على أنه اعتراف ضمني بأن إطالة أمد الصراع تمنح القارة وقتاً لإعادة بناء قدراتها، لكنه في الوقت ذاته يضع أوكرانيا في موقع رهينة استراتيجية.

معادلة واشنطن

تبنّت إدارة جو بايدن نهجاً تدريجياً لدعم كييف، عُرف إعلامياً باستراتيجية "غلي الضفدع"؛ أي تصعيد محسوب لتجنب مواجهة مباشرة مع موسكو.

غير أن عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي غيّرت الحسابات، إذ يعارض إطالة الحرب، ما يضع أوروبا أمام اختبار استقلال قرارها.

انقسام أوروبي

في باريس، يدعو إيمانويل ماكرون إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الكرملين.
بينما يفضّل زعيم ألماني محافظ بارز التشدد والمضي في دعم عسكري طويل الأمد.

الانقسام لا يتعلق فقط بوسائل إنهاء الحرب، بل بتعريف هدفها السياسي:

  • هل الهدف هزيمة روسيا عسكرياً؟

  • أم الوصول إلى تسوية تفاوضية؟

  • أم احتواء الصراع دون حسم؟

ساحة نفوذ

وصف زبيغنيو بريجنسكي أوكرانيا سابقاً بأنها ساحة صراع على النفوذ في أوروبا.
إذا صحّ هذا التوصيف، فإن الحرب تتعلق بمصير القارة بقدر ما تتعلق بحدود كييف.

فأمن أوكرانيا ليس مسألة تضامن فحسب، بل جزء من معادلة التوازن الأوروبي في مواجهة روسيا.

خياران حاسمان

أمام أوروبا اليوم مساران واضحان:

  1. استراتيجية التصعيد المنظم

    • دعم عسكري مكثف

    • هدف سياسي واضح

    • استعداد لتحمل مخاطر التصعيد دون ضمان دعم أميركي كامل

  2. استراتيجية التفاوض

    • اتصالات مباشرة مع الكرملين

    • تسريع انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي

    • إطلاق خطة إعادة إعمار شاملة

الاختيار بينهما سيحدد ليس فقط مستقبل أوكرانيا، بل أيضاً دور أوروبا العالمي.

سؤال الشجاعة

هل أوروبا مستعدة لحرب محتملة على أراضيها دون مظلة أميركية كاملة؟
الإجابة عن هذا السؤال تختصر الجدل بأكمله.

فالواقع أن القارة ما زالت تميل إلى انتظار القرار في واشنطن، رغم تكرار الدعوات إلى "الاستقلال الاستراتيجي".

خلف الأرقام

وسط الحديث عن خسائر روسيا وأوكرانيا، يبقى البعد الإنساني الأكثر إيلاماً.
كل رقم في بيانات الحرب يخفي وراءه حياة مدمرة وعائلة مفجوعة، وهو ما يضع القادة الأوروبيين أمام مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية.

خلاصة المشهد

الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع حدودي، بل اختبار لقدرة أوروبا على تعريف أمنها بقرار ذاتي.

إذا كانت القارة ترى أن الصراع يمس مصيرها، فعليها أن تتحمل كلفته السياسية والعسكرية بوضوح.
أما إذا كانت تعتبره حرباً بالوكالة، فستظل كييف تدفع الثمن الأكبر.

الأسابيع المقبلة قد تكشف أي الاستراتيجيتين ستتغلب داخل العواصم الأوروبية… لكن المؤكد أن مستقبل أوروبا يُكتب اليوم على أرض أوكرانيا.

#الحرب_الأوكرانية #أوروبا #روسيا #الناتو #ميونيخ

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0