حوكمة الإعلام النيوليبرالية والهياكل التنظيمية لـ X وMeta

قراءة في الاقتصاد السياسي للمنصات الرقمية

فبراير 21, 2026 - 00:23
 0
حوكمة الإعلام النيوليبرالية والهياكل التنظيمية لـ X وMeta

محمد أحمد مرتضى

عين للأنباء – تقرير تحليلي

لم تعد سياسات تنظيم المحتوى في منصات التواصل الاجتماعي مجرد قرارات تقنية داخل شركات خاصة، بل باتت انعكاساً مباشراً لمنظومة إعلامية نيوليبرالية تعيد توزيع السلطة من الدولة إلى السوق. ففي هذا الإطار، لا يعني تقليص الرقابة غياب الحوكمة، بل إعادة تشكيلها بما يخدم تراكم رأس المال ويعزز منطق الربحية.

تحوّل السلطة التنظيمية

تجسّد منصات مثل X وMeta Platforms هذا التحول بوضوح. فكلتاهما تبني أنظمة حوكمة داخلية معقدة، بينما تتحفظان تجاه الرقابة الخارجية الملزمة. وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب، إلا أن الهيكل العام متشابه: مواءمة حرية التعبير مع مصالح المعلنين والمستثمرين.

تشير أدبيات الاقتصاد السياسي إلى أن تحرير الإعلام غالباً ما يؤدي إلى تركّز الملكية وتعميق سيطرة الشركات على المجال العام. وفي البيئة الرقمية، يظهر ذلك من خلال التنظيم الذاتي والخوارزميات ونماذج تحقيق الدخل.

X: السوق كمنظّم للخطاب

تعتمد منصة X على خطاب معلن يركز على حرية التعبير، مع أدوات مثل الاشتراك المدفوع (X Premium) ونظام “ملاحظات المجتمع” القائم على التعهيد الجماعي. غير أن آليات التضخيم الخوارزمي، التي تظل تفاصيلها غير معلنة، تؤدي عملياً إلى ترتيب هرمي للخطاب يتأثر بدرجة التفاعل والعائد الاقتصادي.

وبذلك، يتحول ما يبدو كتحرير للنقاش إلى إعادة تنظيم وفق منطق السوق، حيث تُكافأ المحتويات المثيرة للجدل بفضل اقتصاد الانتباه، وتصبح الحوكمة سلعة ضمن نموذج اشتراكات وإعلانات.

Meta: تكنوقراطية مؤسسية

في المقابل، طورت Meta نموذجاً بيروقراطياً أكثر تعقيداً، مع معايير مجتمع مفصلة وأنظمة كشف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مجلس رقابة مستقل نسبياً يعمل بإجراءات شبه قضائية.

ورغم الطابع المؤسسي للمساءلة، يبقى تنظيم المحتوى مرتبطاً عضوياً بـسلامة العلامة التجارية وثقة المعلنين. فإزالة المحتوى الضار لا تحمي المستخدمين فحسب، بل تحمي أيضاً مصادر الإيرادات، ما يجعل الحوكمة جزءاً من استراتيجية إدارة المخاطر.

تقاطع السوق والسيادة

تشترك المنصتان في سمات هيكلية رئيسية:

  • الاعتماد على التنظيم الذاتي بدلاً من الرقابة الحكومية المباشرة.

  • دمج الحوكمة في أنظمة خوارزمية مبهمة تؤثر في الرؤية العامة.

  • ربط حرية التعبير بـحوافز اقتصادية قائمة على الاشتراك أو الإعلان.

ومع ذلك، لا تعمل هذه المنصات خارج الإطار القانوني. فهي تتفاوض مع تشريعات مثل قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الامتثال غالباً ما يعزز موقعها الاحتكاري، نظراً لقدرتها المالية على استيعاب المتطلبات المعقدة مقارنة بالمنافسين الأصغر.

منصات كدول إعلامية

تعمل هذه الشركات ككيانات شبه سيادية، تمارس سلطة عابرة للحدود على الخطاب العام وتدفق المعلومات، لكنها في الوقت نفسه خاضعة لضغوط الأسواق المالية وتوقعات المستثمرين. تتبدل سياسات المحتوى أحياناً استجابة لمخاطر السمعة أو انسحاب المعلنين، ما يجعل الحوكمة مرتبطة بتقلبات رأس المال العالمي.

بين السوق والمساءلة

لا يكمن التحدي اليوم في ثنائية “تنظيم أو عدم تنظيم”، بل في التوتر بين حوكمة موجهة نحو السوق ومساءلة ديمقراطية حقيقية. فسواء عبر نموذج السوق المفتوحة الذي تتبناه X، أو النموذج التكنوقراطي المؤسسي لدى Meta، يبقى التنظيم جزءاً من بنية المنصة ويخدم في جوهره استدامة النمو والربحية.

ومع استمرار توسع هذه المنصات كبنى تحتية أساسية للحياة العامة، سيظل سؤال من يحكم الفضاء الرقمي؟ مفتوحاً على جدل سياسي واقتصادي يتجاوز حدود التكنولوجيا، ليصل إلى صميم النظام الدولي للإعلام في عصر النيوليبرالية.

#حوكمة_الإعلام #النيوليبرالية #X #Meta #الاقتصاد_السياسي

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0