قراءة في قصيدة في رحاب الحسين للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

عين نيوز

أغسطس 29, 2020 - 17:04
 0
قراءة في قصيدة في رحاب الحسين للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد
بدون وصف

د. حسين القاصد

ليوم القيامة يبقى السؤال

هل الموت في شكله المبهم

هو القدر المبرم اللا يردّ

أم خادم القدر المبرم

خروج من النص إلى عمق النص.. لم يتقنه شاعر مثل ما فعله عبد الرزاق عبد الواحد.. فالبيتان كما هما يبدوان لا علاقة لهما بقصيدته ( في رحاب الحسين) لكنهما في الوقت نفسه جوهر القصيدة ومرتكز الاحتدام النفسي لدى الشاعر.. الذي هرب من الحسين ليطرح سؤاله المذهل هذا..

سلام عليك حبيب النبي

وبرعمه طبتَ من برعم

دلالة أنهمُ خيروك

كما خيروه ولم تثلمِ

ولعبد الرزاق تفرد خطير في تناول الحسين فهو الشاعر الوحيد الذي كتب في ميلاد الحسين لا في استشهاده لكن كيف له أن يتخلص من لحظة استشهاده؟

ولد الذي دمه أعز دمٍ جرى

لولا أبوه تبارك اسمك ياعلي

لقد استدعى لحظة استشهاده محتفلا بولادته.. استعان بشهادته على ولادته.. أما ( تبارك اسمك ياعلي) فاقسم لو قالها أي شيعي لكفّروه فورا..

أفكلما ذكر الحسين تقطعت

أحشاؤنا وجعا وصحنا ياااا علي

عاطفة مجنونة في هذه القصيدة التي مطلعها :

هتف البشير فقبل ابنك ياعلي..

…..

في قصيدته ( في رحاب الحسين) يقول :

وما دار حولك بل أنت درت

على الموت في زردٍ محكمِ

فمسّك من دون قصدٍ فمات

وأبقاك نجماً من الأنجم

….

حين هم الشمر بذبح الحسين في مسرحية الحر الرياحي..

يسأل الشمر عن الحسين في لحظة الذبح…

أما قال شيئا؟

بلى..

لماذا

لماااااااااذا

……….

لماذا.. جعلها عبد الرزاق عبد الواحد سوطا يجلد به الشمر نفسه إلى أخر ما يقال على هذه الأرض.

-٢-

سأقف عند المقطع الأول وهو قصير جدا..

يحاول الشاعر أن لا يكتب قصيدته كتابةً فقط بل يمارسها ويعيشها؛ فهو يبدأ في حالة تناص مثيرة مع طقوس الزيارة.. فيدخل للضريح وكأنه يقرأ نص الزيارة المعلق في باب الضريح ويطلب العفو عن مقدمه وهي تشبه ( أتأذن لي بالدخول يا ابن بنت رسول الله)

قَدِمتُ .. وَعَفْوَكَ عن مََقدَمي

حَسيراً ، أسيراً ، كسيراً ، ظَمي

ثم يشرح حالته بل يشكو حاله بثلاث سينات متوالية شكلت ايقاعاً متوترا وانكسارا نفسيا وتقرباً بمشترك ( الظمأ)..

حسيرا.. أسيرا.. كسيرا.. ظمي..

ماذا يريد من الحسين؟

قدِمتُ لأ ُحرِمَ في رَحْبَتَيْك

سَلامٌ لِمَثواكَ من مَحرَم ِ

إنه يحج من الاختناق إلى رحبتين عظيمتين.. لكن من هو الحسين عند عبد الرزاق عبد الواحد؟

فَمُذْ كنتُ طفلاً رأيتُ الحسين

مَناراً إلى ضوئِهِ أنتَمي

طيب.. إنه رآه منذ طفولته وانتمى إلى ضوئه ( ألم يجدك ضالاً فهدى) لكن.. ماذا بعد؟ فهو رآه وانتمى إلى ضوئه.. ألا يكفي؟

ومُذْ كنتُ طفلاًوجَدتُ الحسين

مَلاذاً بأسوارِهِ أحتَمي

لم تكفه رؤيته والانتماء إلى ضوئه لأنه خائف جدا ولعل من يتابع معجم عبد الرزاق عبد الواحد يجده يرتعش خوفا على الرغم من فحولة شعره وفخامة إلقائه.. لذلك عليه أن ( يجده) ليحميه لا أن يكتفي برؤيته..

١. رآه وانتمى إلى ضوئه

٢. وجده واحتمى بأسوارِهِ وهنا جعله وطناً.

لكن، ماذا بعد؟

وَمُذْ كنتُ طفلاً عرَفتُ الحسين

رِضاعاً.. وللآن لم أ ُفطَمِ !

هنا يصل إلى اليقين التام.. رأى ثم وجد.. لكن ليس كل من تراه وتجده لك أن تعرفه..

إن هذا التسلسل في معرفة الحسين لحد وجدانه.. أوصل الشاعر إلى اليقين التام.

وأحسب أن التكرار الذي مارسه عبد الرزاق عبد الواحد سواء كان داخل البيت مثل تكرار الإيقاع بين الياء والسين والراء ( حسيرا أسيرا كسيرا) أو تكرار صدر البيت مع تغيير فعل التعارف ( رأيت.. وجدت.. عرفت) مع الإبقاء على صدر البيت مكررا ثلاث مرات توازي السينات والياءات والراءات وتنوين النصب.. التي تكررت في المطلع ثلاث مرات تشكل إضافة اسلوبية ودخولا ايقاعيا يشد المتلقي..

مازال الشاعر في باب الحسين..

-٣-

مازال الشاعر خائفاً لكنه يحاول أن يرفع صوته كي يبدد الخوف؛ وكيف له أن يرفع صوته وهو مازال في الباب ويوشك أن يدخل الضريح.. هاهو يدخل الضريح بارتجاف مطرز بالتعويض فهو في حضرة من بأسواره يحتمي.. ومثل كل زائر، عليه أن يبدأ بالسلام :

سلامٌ عليكَ فأنتَ السَّلام

وإنْ كنتَ مُخْتَضِِباً بالدَّمِ

أمان مرعب.. ممن يخاف الشاعر؟ إذا كان في حضرة السلام؟ إنه الصراع الداخلي والشعور بالتقصير.. وهذه المرة يخاف الشاعر من الحسين لا من غيره ( وإن كنت مختضبا بالدم)

فهو يستجديه الكبرياء :

وأنتَ الدَّليلُ إلى الكبرياء

بِما دِيسَ مِن صَدرِكَ الأكرَم ِ

على الرغم من الخيل التي داست صدره الأكرم.. فماذا يريد شخص سليم لا خيل تطارده ولا سيوف تهدده؟ لا شيء سوى الأمان فالشاعر خائف جدا.. وهاهو يقولها للحسين ثانية.. فبعد أن احتمى بأسواره حين كان طفلاً.. هاهو يلوذ به وهو المحمي من السلطة وبالسلطة.. إنه الخوف من الحسين وحده، هذه المرة :

وإنَّكَ مُعْتَصَمُ الخائفين

يا مَن مِن الذَّبح ِ لم يُعصَمِ

بدأ يطمئن وسيحلق في سماوات شموخ الحسين.. وكأن الحسين أعطاه الأمان لينشد شعره لذلك بدأ يتغنى بشجاعة الحسين تاركا الخوف الذي في داخله خارج أسوار الضريح :

لقد قلتَ للنفسِ هذا طريقُكِ

لاقِي بِهِ الموتَ كي تَسلَمي

– ٤ –

لقد سبق الجواهري الخالد، عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته العينية ( آمنت بالحسن) وأحسب أن عبد الرزاق حاول أن يجاري الجواهري فركب البحر نفسه ( المتقارب) لكنه اختار الميم بدلا من العين كي يفلت من شباك الجواهري ويفلت من معيار علي بن أبي طالب النقدي حيث اشترط أن يجمع الشعراء زمان واحد وغرض واحد ثم مال إلى ( أحسنهم نادرة وأسبقهم بادرة) والجواهري أسبق من عبد الرزاق لكن عبد الرزاق وإن سار على خارطة طريق الجواهري الا انه استطاع أن يكتب بوجدانه لا بوجدان الجواهري فإذا كانت عينية الجواهري تكاد تسمع منها طبول الحرب وهي قصيدة ثورية لم تخلُ من الخطاب اليساري الثوري.. فإن عبد الرزاق دخل إلى الحسين من طقوس الجنوب المشحونة بالعاطفة ؛ فهو مازال يمارس طقوس الزيارة مع آل الحسين.. فبينما يقول الجواهري :

وأن تطعم الموت خير البنين

من الأكهلين إلى الرضع

نجد عبد الرزاق عبد الواحد مازال في طقس الزيارة :

سلامٌ على آلِكَ الحوَّمِ

حَوالَْيكَ في ذلك المَضرَمِ

وَهُم يَدفعونَ بِعُري الصدور

عن صدرِكَ الطاهرِ الأرحَمِ

ويَحتضنونَ بكِبْرِ النَّبِّيين

ما غاصَ فيهم من الأسهُمِ

سلامٌ عليهم..على راحَتَين

كَشَمسَين في فَلَكٍ أقْتَمِ

تَشعُّ بطونُهُما بالضياء

وتَجري الدِّماءُ من المِعصَمِ !

نعم، قد نرى الشاعرين في منطقة واحدة ولا غرابة في ذلك؛ لأن الحادثة واحدة، لكن عاطفة عبد الرزاق وحاجته للتعويض جعلته يتفوق على الجواهري لأن الجواهري حمل الحسين نشيدا بينما جاء عبد الرزاق محتاجا منكسرا لائذا ليجد في الشعر تعويضا.. ألم يكن الشعر تعويضا للمتنبي عن كل خيباته؟

انظر هذه الالتفاتة الذكية حيث يحتاج الشاعر شجاعة السيدة زينب:

سلامٌ على هالَةٍ تَرتَقي

بلألائِها مُرتَقى مريَمِ

طَهورٍ مُتَوَّجةٍ بالجلال

مُخَضَّبَةٍ بالدَّمِ العَندَمِ

تَهاوَت فَصاحةُ كلِّ الرجال

أمامَ تَفَجُّعِها المُلهَمِ

فَراحَت تُزَعزِعُ عَرشَ الضَّلال

بصوتٍ بأوجاعِهِ مُفعَمِ

لا أظن شاعرا وقف عند السيدة زينب مثلما فعل عبد الرزاق؛ واقول :لا أظن لأن الأرض ولود وقد يكون قد فاتني خطاب فاق خطاب عبد الرزاق عبد الواحد في السيدة زينب.. فالسبية التي استشهد أخواها وحملت أطفال أطفال الحسين مضرجين بدمائهم.. كانت هي الملكة لكن بماذا متوجة؟ بالجلال الذي ألجم يزيد وتهاوت فصاحة جميع من في قصره أمام فجيعتها لتزعزع عرشها بصوتها المزلزل وهي ترتقي بلألائها مرتقى مريم.

لكن الأرض لا تستحيي :

ولو كان للأرضِ بعضُ الحياء

لَمادَت بأحرُفِها اليُتَّمِ !

ثم تحدث انعطافة غريبة حين يخاطب الشاعر الإمام العباس

ويا سيّدي يا أعَزَّ الرجال

يا مُشرَعاً قَطُّ لم يُعجَمِ

ويا بنَ الذي سيفُهُ ما يَزال

إذا قيلَ يا ذا الفَقارِ احسِمِ

تُحِسُّ مروءَ ةَ مليونِ سيفٍٍ

سَرَتْ بين كَفِّكَ والمَحْزَمِ !

هناك روايتان، إحداهما تقول إن أعز الرجال ( العباس) لم يسبق له أن يشترك في معركة قبل الطف، والثانية تؤكد اشتراكه في صفين، والشاعر اختار الأولى بدليل قوله ( يا مشرعا قط لم يعجم) يا سيفا لم يجرب في معركة سابقة.. لكنك ابن علي صاحب ذي الفقار لذلك تذكر علياً لتحس مروءة مليون سيف تسري بين كفك ومحزمك.. ولعل منح السيف صفة المروءة هي من الوصف الرائع المذهل وأحسب أن الشاعر أراد بها مروءة ذي الفقار والا من أين للسيوف مروءة وهي أدوات قتل وذبح؟

لكن كسر أفق التوقع مع المقدس يتجلى بوضوح لا يخلو من بعض الإساءة فمن الصعب أن تعيّر العباس بأبيه وسيفه بذي الفقار.. أقول : من الصعب من الجرأة على المقدس لكن لدى الشاعر يختلف الأمر ومع مافيه مما يخدش المشاعر الا انها جرأة شعرية يريد بها الشاعر النموذج الأعظم كي يعوضه عن نقصه ويطفيء خوفه؛ انظر ماذا يقول للعباس:

وتُوشِكُ أن..ثمَّ تُرخي يَدَيك

وتُنكرُ زَعمَكَ من مَزْعَمِ

فأينَ سيوفُكَ من ذي الفَقار

وأينَكَ من ذلكَ الضَّيغَمِ ؟ !

حوار غريب وكأن الشاعر يخاطب نفسه لا العباس لكي يحصل على الاطمئنان فالعباس استشهد والشاعر مازال خائفا وسيلوذ بأعظم من يلوذ به الخائفون :

عليُّ..عليَّ الهُُدى والجهاد

عَظُمتَ لدى اللهِ من مُسلمِ

وَيا أكرَمَ الناسِ بَعدَ النَّبيّ

وَجهاً..وأغنى امريءٍٍ ٍمُعدَمِ !

مَلَكتَ الحياتَين دُنيا وأ ُخرى

وليسَ بِبَيتِكَ من درهمِ !

فِدىً لِخشوعِكَ من ناطقٍ

فِداءٌ لِجوعِكَ من أبْكَمِ !

لقد وصل الشاعر إلى علي واطمأن وسيعود للحسين ليكلمه ويشكو إليه حاله ويفصح :

قَدِمتُ ، وعفوَكَ عن مَقدَمي

مَزيجاً من الدّمِ والعَلقَمِ

وَبي غَضَبٌ جَلَّ أن أدَّ ريه

ونَفسٌ أبَتْ أن أقولَ اكظِمي

إلى أن يصل لذروة الشكوى فيقول :

لَئِن ضَجَّ من حولكَ الظالمون

فإنّا وُكِلنا إلى الأظلَمِ

وإن خانَكَ الصَّحبُ والأصفياء

فقد خانَنا مَن لهُ نَنتَمي!

بَنو عَمِّنا..أهلُنا الأقرَبون

واحِدُهُم صارَ كالأرْقَمِ !

تَدورُ علينا عيونُ الذِّئاب

فَنَحتارُ من أيِّها نَحتَمي!

لهذا وَقفنا عُراةَ الجراح

كباراً على لؤمِها الألأمِ

فَيا سيّدي يا سَنا كربلاء

يُلأليءُ في الحَلَكِ الأقتَمِ

تَشعُّ مَنائرُهُ بالضّياء

وتَزفُرُ بالوَجَعِ المُلهَمِ

ويا عَطَشاً كلُّ جَدْبِ العصور

سَيَشربُ من وِرْدِهِ الزَّمزَمِ

سأطبَعُ ثَغري على مَوطِئَيك

سلامٌ لأرضِكَ من مَلْثَمِ !

الشكوى وإن كانت موجهة من السلطة ويشرح فيها خذلان العرب للعراق لاسيما أن القصيدة ألقيت ١٩٩٥ في ذروة الحصار؛ لكني أجد أن هذه الشكوى تصدق الآن أكثر لأن البيتين :

وإن خانك الصحب والأصفياء

فقد خاننا من له ننتمي

بنو عمنا.. أهلنا الأقربون

واحدهم صار كالأرقم

نعم يا عبد الرزاق. نعم يا أبا خالد ونحن في أيام الحسين..

تدور علينا عيون الذئاب

فنحتار من أيها نحتمي

بل من أيّنا نحتمي؟ !!

حسين القاصد

٢٨ / ٨ / ٢٠٢٠

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0