المعوقات والتحديات التي تواجه الجامعات العراقية

عين نيوز

ديسمبر 5, 2019 - 06:15
 0
المعوقات والتحديات التي تواجه الجامعات العراقية
بدون وصف

أ.د. محمد الربيعي

  الجامعات العراقية لا زالت تعاني اليوم من حصار كانت قد فرضته على نفسها منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي حيث أنها لم ترى في التغيير والإصلاح ضرورة لديمومتها وتحقيق لرسالتها، فرسالتها تكمن في تطوير الكم فقط، والنوايا الحسنة للقيادات الجامعية لا تجد مجالا او فرصا للتطبيق، أما أعضاء هيئاتها التدريسية فالغالبية منهم لا تمتلك المعرفة أو القدرة او الرغبة في إحداث التغيير، وتصطدم رغبتهم  في امتلاك المعرفة لأحداث التغيير بمعوقات كثيرة، أهمها عدم وجود أموال كافية، او برنامج ملائم لتدريبهم، او رؤى واضحة لعملية التدريب وبناء القدرات.

مركزية القرار

  من المشاكل التي تعاني منها الجامعات العراقية هي مركزية القرار الإداري، الذي يعد من أهم العوامل المشتتة للطاقات والأموال بالإضافة إلى افتقارها للعمل الجماعي والعمل المؤسساتي حيث يتميز الأكاديمي العراقي بالفردية في العمل خصوصا في البحث العلمي وينعكس تأثير العمل الفردي سلبا على الإنتاج المعرفي للجامعات العراقية وينأى بها عن اللحاق بالجامعات العالمية والحصول على مستويات مرضية في السلالم العالمية للجامعات.

  ومن مظاهر الأزمة التي تمر بها الجامعات العراقية هو الركود المزمن والضعف في تأمين حاجات الاقتصاد والمجتمع والتمنية، ولكي تتدارك الجامعات هذا الأمر بدأت بانتهاج سياسة خاطئة وغريبة عن وظيفة الجامعة، فبدلا من التركيز على وظيفتها الأساسية في نشر وإنتاج المعرفة بدأت بالاهتمام بإنشاء "مصانع" إنتاجية للمواد الغذائية وغيرها مما سيؤدي دون شك إلى حرفها عن أهدافها الأساسية في التعليم وتدريب المهارات والبحث العلمي الرصين ويدخلها في دوامة السوق وتذبذباته والمنافسة مع المنتجات المماثلة.

  ومشروع "الجامعة المنتجة" هذا شأنه شأن التعليم الموازي والدراسة المسائية لا يبدو انها درست دراسة مستفيضة وهي مشاريع وبرامج غريبة عن الجامعات العالمية حيث لا توجد مثيلاتها في هذه الجامعات، إنها أمثلة واضحة على الاعتماد على الذات والقدرات المحلية يؤدي إلى الانغلاق وإقرار إجراءات مبنية على أفكار محلية لم تتوفر الوسائل لدراستها في ظل استمرار الانغلاق الداخلي والابتعاد عن التجارب العالمية وعدم الاستفادة من تجارب الجامعات الغربية.

الاعتماد على الذات وعدم الاستفادة من الخبرات العالمية  

  إن سيادة عقلية الحصار تفرض الاعتماد على الذات والقدرات المحلية وتمنع الاستفادة من كفاءات الخارج او من العقول المتوفرة في الدول الغربية وتمنع حتى الاستفادة بما يوفره الانترنت ووسائل الاتصال بالخارج باكتساب المعرفة في ظل ضعف التواصل باللغات الأجنبية بحيث ان هذه العقلية لازالت تقف حجر عثرة أمام التعليم الذاتي، والسياسات الحالية لا تأخذ بنظر الاعتبار ان كثيراً من معارف وبيداغوجيات التعليم والتعلم وتقنيات البحث العلمي يمكن اكتسابها عن بعد ولا تستحق الجلوس في الصفوف الدراسية.

  إننا نحتاج إلى ثقافة تشجع كسب المعرفة وتنشر الحريات الأكاديمية وتربط الدراسات الأكاديمية بسوق العمل وتشجع، لا بل تفترض، المضي في متابعة التطورات العلمية وعدم التوقف بمجرد الحصول على شهادة الدكتوراه، او الترقية لدرجة الأستاذية، فالشهادة والترقية في الجامعات المتطورة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى القمة عن طريق الإبداع والابتكار، والقراءة والتتبع والاطلاع ضرورية للأستاذ الجامعي كما هي ضرورية للطالب، والأستاذ الذي يتوقف عن مراجعة احدث التطورات في علمه كمن يضرب رأسه بطلق ناري.

إدارة الجامعات

   من الواضح ان النظام الإداري الحالي يفرض على القيادات الجامعية ممارسات بيروقراطية غير مجدية مما يؤدي إلى إرهاقها بالأعمال الروتينية الإدارية، كما يفرض عليها أن تؤدي مهامها في تعليم وتدريب طلبة بأعلى المستويات إلا انه في نفس الوقت يمنعها من اختيار نوعية طلبتها (أي نوعية المدخلات) وفي اختيار أعضاء هيئة تدريسها ويعرقل اختيار البرامج والمناهج وأساليب التعليم والتعلم الملائمة وتنعدم فيه المبادرات البيداغوجية وتبني مشاريع تعليمية وبحثية جديدة أو تغيير النظم التقليدية في إدارة الجامعة والأطر التركيبية والحاجة إلى معارف ومعلومات حديثة عن التعليم الجامعي العالمي وفلسفته ورؤاه وأهدافه.

الاختلالات الوظيفية لنظام التعليم العالي

 

    يعاني التعليم العالي من اختلالات وظيفية نتيجة ضعف مستويات المدخلات، حيث يتم قبول طلبة البكلوريا الثانوية في الكليات على أساس النسبة المئوية لنتائج الامتحانات النهائية من دون الأخذ بنظر الاعتبار القابليات والمهارات الأخرى التي يتمتع او يفتقر اليها الطالب.

    وبما ان نظام التعليم لا زال يعتمد في معظمه على التلقين والحفظ واجترار المعلومات والذي من سلبياته هو اعتماده على أسلوب امتحاني يعطي أفضلية "للحفاظ" دون "المبدعين والمبتكرين"، ولان هذا النهج ألامتحاني يشجع على الدروس الخصوصية والواجب المنزلي ويفضل أسئلة تعتمد على حل واحد للمشكلة الواحدة، ولا يفضل الأسئلة ذات الإجابات المفتوحة، او الأسئلة التي تتطلب نقدا وتحليلا وتعبيرا مختلفا فأنه يؤدي الى إنتاج أعداد هائلة من المتفوقين الحاصلين على مجموع درجات تتراوح بين 90% الى 100%.

   وكنتيجة لهذه التخمة نرى بعض كليات الطب لا تقبل في صفوفها طلابا بمعدلات اقل من 99% في المرحلة الإعدادية، وهذا ما يجعل الطلاب يحفظون كتبهم حرفيا لتجنب أي خطأ مهما كان صغيرا او أي انحراف عما هو ملقن لهم مهما كان ضئيلا لان درجة واحدة قد تؤدي بهم إلى كلية ليست من اختيارهم.

    لا اعرف اي نظام تربوي في العالم يستطيع التمييز بين قابليات ومهارات طلبة تختلف درجاتهم ب 1% فقط، فكيف يمكن دفع طلبة على هذا الأساس لدراسة الهندسة دون الطب او العلوم دون الهندسة كما يحصل في نظامنا التربوي.

 

التلقين في المناهج الدراسية

    التلقين آفة غزت مناهج التدريس، فلم يعد للمدرس دور إلا النقل الآلي للمعلومات سواء عن طريق الإلقاء او الكتابة على السبورة، وهو مصيدة للطالب من ناحية جعله سلبيا أثناء الدرس، وحضوره الدرس لا يزيد ولا ينقص ولا يضيف جديدا على ما يوفره الكتاب المدرسي لغرض الحصول على أعلى الدرجات في الامتحانات.

    من المفيد هنا أن أذكر تجربة أجراها احد أساتذة الجامعة في الماضي أثبت فيها فشل أسلوب التلقين في إعداد متخصصين مهرة، طلب هذا الأستاذ من إحدى طالبات اللغة الانكليزية في كلية الآداب ان تستذكر مواضيع "ملزمته" التدريسية  المكتوبة باللغة الانكليزية والخاصة بكلية الطب، وان تتهيأ لإجراء امتحان في الموضوع مع طلبته في كلية الطب، بعد إجراء الامتحان ظهر من النتائج ان هذه الطالبة من قسم اللغة الانكليزية في كلية الآداب قد تفوقت على طلبته في موضوع تخصصهم الطبي، لماذا تفوقت هذه الطالبة على طلبة الكلية الطبية وفي درس لا علاقة لها به؟.

    هناك سببان لهذه النتيجة، أولها ان التدريس باللغة الانكليزية لطلبة ضعيفي التكوين في اللغة يفقدهم إلى درجة ما القدرة على فهم المادة العلمية مما يضطرهم إلى التركيز على حفظ المادة عن ظهر القلب واستذكارها كما استذكرتها طالبة اللغة الانكليزية، ولعل السبب الثاني في كون منهج التلقين لا يسمح إلا بأسئلة إمتحانية لتقييم قابليات ترديد المعارف وتسجيلها وتسميتها واستذكارها وتعديدها مما منح أفضلية لطالبة تعودت على الحفظ والترديد واكسبها ذلك قدرة لغوية استطاعت بها وفي ظل الزمن المحدد للامتحان من تكديس نسبة أعلى من المعلومات.

 

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0