قضية للمناقشة: تطرّف مسيحي أيضاً

عين نيوز

يونيو 26, 2018 - 07:47
 0
قضية للمناقشة: تطرّف مسيحي أيضاً
بدون وصف


فريدة النقاش

اعتدنا أن نناقش التطرف الديني باعتباره شأناً إسلامياً فقط ، ولم تنتبه ـ إلا القلة ـ لوجود تطرًف ديني أيضاً في أوساط المسيحيين ، الذين بقوا دائما بعض ضحايا التطرّف الإسلامي ، إذ انصبت عليهم كراهية مخيفة من قبل التكفيريين الإسلاميين بإعتبارهم ـ أي المسيحيين ـ جماعة من الكفار في زعم هؤلاء التكفيريين الذين يستخدمون الدين ستاراً .
وقبل سنوات زارتني باحثة شابة كانت تعد رسالتها للدكتوراه عن الكنيسة المصرية كمؤسسة دينية محافظة ورجعية اجتماعياً شأنها شأن المؤسسات الدينية الإسلامية ، وكانت الباحثة تواجه صعوبات كثيرة في الوصول إلى المصادر ، وحين كانت تنجح في الوصول كانوا يقابلونها بتحفظ وحذر خوفاً من العقاب الذي يمكن أن تلحقه المؤسسة الدينية بهم .
وحين تذكرت ماقالته لي الباحثة أثناء حوار أجرته معي إحدى القنوات المسيحية عن التطرّف الديني والنزعات التكفيرية ، رد على المذيع بعنف وغضب سائلا : ما الذي تأخذينه على الكنيسة ، ولما تصنفينها بالمؤسسة الدينية المحافظة ، وانقطع الحوار بيننا منذ ذلك الحين .
وحين خرج فيلم " بحب السيما " إلى الجمهور ، أنفجر الغضب ضد صانعيه ـ رغم أن بعضهم مسيحيون ـ وكان بوسعنا في ذلك الحين أن ننتبه لما يدور في أوساط الكنائس المصرية ، ونتعرف على رؤيتها لطبيعة الصراع في المجتمع المصري الذي تراه دوائرها المتنفذة صراعاً دينياً في أحد تجلياته ، رغم الخطاب التسامحي المعد لصالح " الطبطبة " على مشاعر الجماهير المسلمة وطلب رضاها .
وتنفجر بين الحين والآخر أمور تدفع إلى صدارة الحياة السياسية والثقافية بهذه القضية المتجذرة في الواقع المصري والإسلامي عامة ، إذ يرى قطاع لا يستهان به من المسيحيين المصريين أنهم هم أصحاب البلد الأصليين ، وأن ما حدث في القرن السابع الميلادي كان غزواً عربياً يحمل الديانة الجديدة الخشنة والسلطوية والإستغلالية للحكام المسلمين الذين حكموا مصر بإسم الخليفة ونهبوا ثرواتها .
ومؤخراً قامت نائبة مسيحية في مجلس النواب المصري بإبراز هذا الوجه الخفي للتطرّف المسيحي حين طالبت باعتذار صحيفة " الدستور " لأنها نشرت مجموعة من الوجوه لرياضيين مصريين رسمها أحد الفنانين متتبعا خطى " وجوه الفيوم " وهي مجموعة من الوجوه معروفة في العالم أجمع كأيقونات مصرية لا علاقة لها بالمسيحية أو الإسلام ، وأصبحت هذه الوجوه جزءاً من التراث الإنساني العالمي ، ووجهت النائبة للجريدة والفنان تهمة إزدراء الأديان .
ورفض الزميل " محمد الباز " رئيس تحرير جريدة " الدستور " فكرة الاعتذار قائلاً " لن نستسلم للإرهاب الفكري فهذه قضية حرية إبداع" .
وبذل المثقفون التنويريون والعقلانيون جهودا جبارة ـ وإن متفرقة ـ لإلغاء نظام الحسبة ، وتحرير قانون العقوبات من مادة إزدراء الأديان ، والالتزام بباب الحريات في الدستور المصري ، ولكن النيابة المصرية واصلت قبول وتحريك دعاوي الحسبة ، ووجهت المؤسسات الرجعية الدينية تهمة إزدراء الأديان لمبدعين وجرى حبسهم فعليا ، وأصبحت هذه المواد القانونية باباً ملكياً لوأد تطلعات المبدعين في المهد ، وتكوين الرقيب الذاتي في داخلهم فضلاً عن تخويف المجتمع كله .
وحين دعا الرئيس " السيسي " لتجديد الفكر الديني ، ووصلت دعوته بعد ذلك إلى ذروة راديكالية حين طالب بما سماه " ثورة دينية " قفزت المؤسسة الدينية الرجعية على الدعوة وأدعت إنها مهمتها المقدسة ، ولم يصدقها أحد إذ بقيت ترسانة القوانين المقيدة للحريات كما هي وواصل المهووسون رغم دعوة الرئيس ـ توجيه تهمة إزدراء الأديان للمبدعين للتتوالى خسائر حركة التنوير ، ويصمت مبدعون ، وتتبدد مواهب بل وتسابقت القوى الرجعية والمحافظة التي تتستر بالدين لحماية الأوضاع القائمة ، والحفر عميقاً من أجل توطين التكفير والتعصب في المجتمع حتى قال أحد الروائيين أنني أشعر بعيون مائة مليون مصري تراقبني .
وجرى عبر تاريخ مصر الحديث استئصال قيم الحداثة والعلمانية أولاً بأول ، ونجح النشاط الرجعي الديني في خلق وهم التطابق بين العلمانية والإلحاد ، وتجريف المجتمع فكرياً وإفقاره ثقافياً ، بإفساح المجال في ظل القيود على الحريات لجماعات التكفير والتطرّف الديني المحمولة ، على أعناق الثروة النفطية الخليجية والدعوة الوهابية .
فماذا نفعل الآن ؟ وإذ تتحول الحداثة في مجتمعنا إلى مجموعة من الإنجازات المادية المعزولة عن منابعها الفكرية والثقافية ، وتتسع المسافة كل يوم أمام هذا المد الرجعي الذي يضرب أسس المجتمع الحديث ، تتسع هذه المسافة بين قيم الدولة الحديثة المدنية ، والديموقراطية العلمانية ، وبين قيم العصور الوسطى التي تتجذر في العقول ، وكأننا لم نغادر هذه العصور بعد ، رغم الجهود الفكرية والنضالية الجبارة التي بذلتها أجيال وأجيال في ارتباط عميق بالموجات الثورية المتعاقبة خلال ما يزيد على القرنين من الزمان ضد الاحتلال الفرنسي ثم الاحتلال البريطاني ثم الهيمنة الأميركية .
واللافت في هذه المسيرة الممتدة أن القوى الإستعمارية التي فرضت قبضتها على البلاد كانت تدفع بكل قوة في إتجاه هيمنة التطرف الديني ، وإضعاف العقل النقدي وتعصب من التوجهات العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسة .
وما أحوجنا نحن المثقفين إلى التوافق لإنتاج رؤية جديدة جماعية الطابع تستهدف تغيير هذا الواقع البائس ، وحتى لا نقع في أخطاء الماضي ، نحتاج إلى بناء جسور مع القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير إلى الأفضل ، فبدون هذه القوى ستصبح الجهود التي يبذلها المثقفون معزولة ومتناثرة ولنتذكر دائما قول " الكواكبي" الذي حذرنا من " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" دعونا ندير حياتنا الدينية ، ونجعل الأديان تحكم في الآخرة فقط "
دون ذلك سوف يبقى التطرّف إسلامياً ومسيحياً قابضاً على رقابنا ، ومعطلاً للإبداع.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0