بيت المدى يستذكرالكاتب الموسوعي الذي جمع بين الفلسفة والفن..محمدمبارك مفكّرتنويري انشغل بخطاب العقل

عين نيوز

نوفمبر 11, 2016 - 18:01
 0
بيت المدى يستذكرالكاتب الموسوعي الذي جمع بين الفلسفة والفن..محمدمبارك مفكّرتنويري انشغل بخطاب العقل
بدون وصف

الرحيل لا يتسبب بالألم أو الخسارةً للراحلين، ويصبُّ بوجعه في صدور أؤلئك الذين ينتظرونهم أو يراقبونهم من بعيد أو قريب، وهو لم يجرب لحظة الخوف ،لأنه لم يكن يخاف الموت إذا الموت حضر، فكيف له يُبالي بالرحيل عن هذه الحياة، وهو الخالد والباقي بما تركه من أثر، ومنجز، أدبي وثقافي وفكري وموسوعي، على رفوف مكتبه الشخصية، وبين طيات الكتب، وعلى السطور، وبين امتزاجات الحروف والتصاقها، وداخل صفحات الصحف ويومياتها.
الموسوعي محمد مبارك، ترك أثراً في كل شيء حتى على جدران المسارح، فكان كاتباً وأديباً ومسرحياً وناقداً وقد جمع العديد من المجالات الفكرية والثقافية وأجاد بها فاستحق منا الذكر الدائم والاستعادة، وكمحاولة ورغبة دائمة لاستذكاره واستعادته أقام بيت المدى في شارع المتنبي ضمن منهاجه الاسبوعي في استذكار الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية العراقية، جلسة خاصة لاستذكار منجز محمد مبارك بحضور عدد كبير من النقّاد والكتّاب والمثقفين العراقيين.

 العقل بين المدينة والصحراء
استعادة واستذكار المثقف يشكل حضوراً لحضارتنا وثقافتنا، هذا ما أكده الناقد والكاتب علي حسن الفواز خلال افتتاحه لجلسة استذكار الراحل محمد مبارك، وقال الفواز "نستعيد من خلال هذه الجلسة رمزاً ثقافيا غائبا وهو حاضر في الوجدان." حين يكون المثقف حاضراً من خلال أثره سنقوم  بإعادة ترسيمه هذا ما أشار إليه الفواز مضيفاً  "إن النسيان الثقافي هو أخطر على الأمة من أي شيء آخر وكل أمة تنسى أثرها الثقافي تتعرض للنسيان السريع، وبهذا نرى أوروبا بدأت تستعيد أرسطو وأفلاطون، وهذا الإصرار على إعادة الرموز بقيمتها الفكرية والثقافية دليل على حضور الامم، لأننا اليوم بلا ظل ولا أثر وحين نلتفت للوراء نجد أشباحاً." يسعد الفواز باستذكار مبارك بوصفه مثقفاً مهماً وناقداً مهماً وعقلانياً مهماً، هذه العقلانية تخلو من الثقافات الشرقية وتتحسس منها بحكم التوصيف الديني والمثيولوجي وكأن العقل هو العدو، فاليوم يجب ان نستعيد المثقف المفكر، والمبدع والمبتكر، لأن المثقف والعقل هم من يجعلانا نعمل على تطوير ذواتنا.
ويؤكد الفواز" حديثنا عن محمد مبارك يجب ان يعتبر تقليدا ويجب ان نحيّي كلّ من اشتغلوا على مفهوم العقل، فمبارك كتب عن الأدباء والشعراء والمثقفين  ولم يتحدث عن ثقافتهم فحسب  بل تحدث عنهم وعن مدنهم لأن العقل لا ينشأ بالصحراء بل ينشأ بالمدينة ويتأثر بها ."

لعب دوراً كبيراً ثقافياً
الدور الذي لعبه مبارك كونه مسؤولاً ثقافياً في تلفزيون بغداد آنذاك كان مهماً وكبيراً إضافة الى مشاركته وحضوره في عدد من المؤتمرات المهمة ثقافياً ،هذا كله مكنّ العراق من إيصال فلسفته بين الشرق والغرب ،هذا ما اشار اليه الكاتب المسرحي والاكاديمي عقيل مهدي، واضاف "اهتمّ مبارك ايضاً بالشخصية العراقية والمثقف العراقي".
وعن شخص الراحل ذكر مهدي قائلاً "محمد مبارك إنسانيّ وطيب وتقدمي وقدم الكثير للثقافة وقاد مجلة الاقلام بشكل إبداعي، هذا الرجل كان خسارة حقيقية لنا،لانه تنويري وصاحب خطاب فلسفي وهو ايضا فنان وله باع كبير في تطوير الخطاب التفزيوني وله أعمال مسرحية وله وجهات نظر متقدمة جداً ."  مُضيفاً "  كنا نجلس معه جلسات مطولة ولا يمكن نسيان هذا الرجل الذي شكل حضوراً كبيراً في الذاكرة  رغم الترسبات التي نمر بها اليوم، وسوء فرز المثقف الحقيقي عن غيره."

محاصر من قبل السلطة والأدباء
الحديث عن المفكر والاديب محمد مبارك لاتسعه جلسة ولا كتاب فهو رجل ملك العديد من الانساق الفكرية والادبية والفنية في حياته. الناقد والكاتب مؤيد البصام يشير إلى أهمية الحديث عن الراحل وصعوبة اختصار هذا الحديث. ويضيف البصام " لا أُثني على منجز مبارك  ،لأنه صديقي لآخر لحظة نحن في علاقة متواصلة.
 وعن شخصية مبارك يقول البصام" اضافة لما تتميز به شخصية مبارك الادبية والفكرية إلا انه كان متواضعاً ويستمع ويساعد الناشئين وكان حاداً في المفاصل التي تسيء سياسياً وادبياً وعملنا في جريدة القاسم المشترك ،ومما قاله " كل شيء ممكن التهاون به إلا القضايا الفكرية" ولم يحاصره النظام  فقط بل حتى الادباء حاصروه."
ويذكر البصام موقفاً مع مبارك ويقول " أذكر أنه كان عليه ان يلقي محاضرة عن العقلية العربية وكان الحضور 5 فقط، ولم يحضر اي شخص من اللجنة التنفيذية او المركزيه او هيئات الاتحاد، وهذه نقطة سلبية بأن  شخصاً بهذه العقلية بما يمتلكه من فكر لاتحضر في محاضرته  الهيئة الادارية التي  يجب ان تملأ القاعة ،لكنهم كانوا يقصدون الإساءة إليه، لانه يمتلك إمكانات كبيرة وهائلة ."

مبارك وجبرا
الشخصية الموسوعية التي تميز بها مبارك أثارت إعجاب الكثير من الكتّاب والمفكرين منهم الكاتب شكيب كاظم الذي أكد " أن مبارك يُعدّ ركنا من اركان الثقافة " المعاصرة " على مدى اكثر من اربعة عقود فلقد كتب في الفلسفة والفكر والنقد بركنيه النظري والتطبيقي فضلا عن المسرح وأعني هنا المسرح الفكري وما زالت في الذاكرة مسرحيته  عن المتنبي والثانية عن والي العراقينِ أي" الكوفة والبصرة"  وأعني به الحجاج بن يوسف الثقفي."
وعن كتاباته النقدية يروي لنا كاظم حادثة أدبية  تجمع جبرا إبراهيم جبرا ومبارك، ويقول "أن لمبارك كتابات نقدية، لافته للانتباه منها دراسته القيمة لرواية " صيادون في شارع ضيق " التي كتبها جبرا إبراهيم جبرا وقد يعيب الناقد محمد مبارك على جبرا كتابه وروايته هذه بالانكليزية فجاءت لغته باهتة ولن تكون الانكليزية منه مهما بلغ فهمه لها وعلمه بها إلا عدّها لغة ثانية لا ترقى الى اللغة العربية، ويرى مبارك أن جبرا لم يتهيأ بهذه الرواية بكامل مواجيده وصوره الحيّة لأنه اختار ان يكتبها بالانكليزية."
المنحى السسيولوجي لمبارك
رغم أن مبارك عُدّ من الكتّاب الموسوعيين الذين اسهموا في الكثير من الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية في العراق فهو يمتلك اكثر من اهتمام ، إلا أنه بالاساس  كاتب ومفكر وناقد يركز على المنحى السسيولوجي والايدولوجي، هذا ما اشار اليه الناقد فاضل ثامر مؤكداً أن "  مبارك بقي مخلصا لهذا المنهج " السسيولوجي والايديولوجي "في جميع فترات حياته."
وأضاف " كان مبارك إعلاميا مرموقا وناجحا وقد شاركنا أنا وهو في تحرير جريدة القاسم المشترك، حيث طلب منا ان يكون أحدنا رئيس تحرير والآخر مدير تحرير وأدرنا الجريدة بروح من التعاون ."  
 وأشار ثامر "لقد أنجز مبارك عدداً من الكتب في شرح الكثير من المدارس الفلسفية وأطلعني على عدد من كتب مهمة لم تنشر بعد، وكان يحاول ربط كل شيء بهذا الإطار الفلسفي، وهو شخصية جادة في تعاملها مع الاشياء وفهمها، وقد كتب مجموعة من المسرحيات ايضاً، وكانت اكثرها مستلهمة من الحياة والمجتمعات العربية والاسلامية وكانت حوارية أكثر مما هي دراماتيكية".

العقل ماهيّة المجتمع
الكاتب نجاح هادي كبّة فضّل أن يكون الحديث عن مبارك بعيداً عن الجوانب الفكرية والثقافية مُتخذا الجانب العام من حياته، يقول كبة " سأسرد بعض الاشياء العامة عن مبارك الذي ولد في الحلة في زقاق صغير ودخل الكتاتيب ولتفوقه حصل على زمالة دراسية في مصر وحصل على الليسانس  في الادب الانكليزي ومارس العديد من الدراسات الادبية والثقافية .وبعد ثورة 14 تموز 1958 ومنذ ذلك التاريخ يقرأ الباحثون ما يعمله مبارك  الذي بذل جهدا للوصول الى الرموز الثقافية المشعة، له العديد من المؤلفات ، إضافة الى كتاباته المسرحية مثل الإنسان والقضية والشاعر والصعلوك، وله كتاب من القطع المتوسط في علم الاجتماع لفهم شخصية الفرد العراقي ."
وعن علاقة مبارك بالنقد الفلسفي والادبي يقول كبة "استطاع مبارك  أن يمزج أكثر من فلسفة في تعامله مع النصوص الادبية، لذلك نلاحظ ان نقده الادبي فسيولوجي جمالي، وهو ناقد من جيل الستينيات، وكان يناقش مفاهيم فلسفية واجتماعية ووجودية وهو يرى ان العقل هو ماهيّة المجتمع، هذا ما جعله يتّبع أُسلوباً نقديّاً منطقيّاً ."

القلم لا يشترى
عن عائلة الراحل وأصدقائه تحدث السيد علي العلّاق ذاكراً موقفاً شهده شخصيا مع الراحل، يقول العلاق " بدأت معرفتي بمبارك عند الثانية عشرة من عمري وكان صديق والدي وعمل معه في السياسة، بعد عودته للعراق .إنه عطاء لا ينضب من النصائح والدروس والمعرفة، ومن خلال علاقتي به تعرّفت إلى الكثير من أفراد الوسط الأدبي ." وأضاف العلاق " كان مبارك رمزاً وإنساناً وكان قلمه حراً ولم يخضع لأي سلطة، وقد كُرّم بسيارة برازيلي في الثمانينيات عند عودته من مهرجان دمشق ،وقد رفضها ثم كُرّم ايضا بشقة ورفض تسلمها، فسألته لماذا؟ قال :لا أُريد أن يشترى قلمي وفكري  وبقي على نهجه ورفض أية مكارم ."

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0