رهان الدولة والسلاح والشراكة.. بغداد تعيد رسم علاقتها مع واشنطن في مرحلة ما بعد التحالف
زيارة رئيس الوزراء العراقي الى واشنطن
وكالة عين للأنباء – واشنطن
تسعى الحكومة العراقية إلى تثبيت معادلة جديدة في علاقتها مع الولايات المتحدة، تقوم على إنهاء الاعتماد الأمني المباشر، وتعزيز الشراكة الاقتصادية، وترسيخ احتكار الدولة للسلاح، في وقت تتجه فيه مهمة التحالف الدولي في العراق إلى نهايتها المقررة أواخر أيلول/سبتمبر المقبل.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أن القوات الأمنية العراقية أصبحت قادرة على تولي مسؤولية حماية البلاد بعد انتهاء مهمة التحالف، مشدداً على أن حكومته ماضية في حصر السلاح بيد الدولة، وكاشفاً عن تسلم السلطات العراقية كميات من الأسلحة من بعض الفصائل المسلحة.
ويأتي هذا الموقف في توقيت حساس، إذ يمثل ملف السلاح أحد أكثر القضايا تعقيداً في المشهد العراقي، سواء على المستوى الداخلي أو في إطار الحوار مع واشنطن، التي تربط استقرار العراق بترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية على القرارين الأمني والعسكري.
وأكد الزيدي أن الحكومة ستواصل التعامل مع القوى التي تختار الانخراط في العملية السياسية ضمن الأطر القانونية، في إشارة تعكس مساعي بغداد لإدارة التحولات الأمنية دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، مع المحافظة على التوازنات السياسية التي تحكم المشهد العراقي.
ما بعد التحالف... اختبار لقدرات الدولة
يشكل انتهاء مهمة التحالف الدولي أول اختبار عملي للعقيدة الأمنية العراقية منذ سنوات، إذ تراهن بغداد على جاهزية قواتها لقيادة الملف الأمني بصورة مستقلة، فيما تؤكد واشنطن استمرار التعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية.
وفي المقابل، أبقت الإدارة الأميركية ملف الفصائل المسلحة في صدارة أولوياتها، إذ دعا وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث الحكومة العراقية إلى تأكيد سيادتها عبر نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، محملاً إياها مسؤولية أكثر من 600 هجوم استهدف القوات والمصالح الأميركية خلال السنوات الماضية.
ورغم هذا التباين، اتفق الجانبان على أن القوات العراقية وقوات البيشمركة ستتوليان قيادة عمليات ملاحقة تنظيم داعش بعد انتهاء مهمة التحالف، في مؤشر على انتقال العلاقة الأمنية من الوجود العسكري المباشر إلى نموذج الشراكة والدعم الفني.
الشراكة الاقتصادية تتصدر جدول الأعمال
وبموازاة الملف الأمني، حملت زيارة الزيدي إلى واشنطن بعداً اقتصادياً واضحاً، إذ أعلن أن هدفها يتمثل في بحث مستقبل العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والصناعة والتعليم والصحة.
وبحسب معلومات حصلت عليها وكالة عين للأنباء من مصادر مطلعة، فإن الزيارة مرشحة لأن تسفر عن توقيع أكثر من 18 اتفاقية تغطي قطاعات النفط والطاقة والاستثمار والتعليم والصحة والصناعة، بما يعكس توجهاً نحو توسيع الشراكة الإستراتيجية بين بغداد وواشنطن.
كما يجري بحث إنشاء صندوق تنموي في أحد المصارف الأميركية لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة، في إطار رؤية حكومية تستهدف استقطاب رؤوس الأموال وتحويل عائدات النفط إلى أدوات تمويل طويلة الأمد للمشاريع الإستراتيجية.
وتزامنت هذه التحركات مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الأسبوع المقبل سيشهد الكشف عن شراكة نفطية كبيرة مع العراق، إلى جانب صفقات تجارية وصفها بالكبيرة، ما يعزز التوقعات بأن تشهد العلاقات الاقتصادية بين البلدين توسعاً غير مسبوق.
رسائل وحدة داخلية
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، حرص الزيدي على توجيه رسالة بشأن العلاقة مع إقليم كوردستان، مؤكداً أن الإقليم "جزء من جسدي"، في تعبير يعكس تمسك الحكومة بوحدة البلاد، بالتزامن مع استمرار الحوار بين بغداد وأربيل بشأن الملفات العالقة.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقديم صورة عن تماسك الجبهة الداخلية، بالتوازي مع التحولات الأمنية والإقليمية التي ترافق مرحلة ما بعد التحالف الدولي.
إعادة الإعمار بوصفها أولوية
وأشار رئيس الوزراء إلى أن العراق تكبد خسائر تجاوزت 400 مليار دولار نتيجة الإرهاب، مؤكداً استمرار العمل لإعادة ما تبقى من النازحين إلى مناطقهم، مع التركيز على مشاريع الإعمار والتنمية.
كما دعا رجال الأعمال العراقيين في الولايات المتحدة، ولاسيما أبناء الجالية المسيحية، إلى الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والصناعات النفطية، والمساهمة في إعادة إعمار مناطق سهل نينوى، في إطار مساعي الحكومة لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية.
قراءة في المشهد
تعكس زيارة الزيدي إلى واشنطن تحولاً في طبيعة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة، إذ لم يعد الملف الأمني وحده محور الحوار، بل بات جزءاً من مقاربة أوسع تشمل الاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل مرتبطاً بقدرة بغداد على تحويل تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة إلى خطوات عملية، وإدارة التوازن بين متطلبات الشراكة مع واشنطن وتعقيدات المشهد السياسي الداخلي، بالتوازي مع استثمار الاتفاقيات الاقتصادية المرتقبة في تحقيق نمو مستدام يعزز استقرار البلاد بعد مرحلة امتدت سنوات من الحرب على الإرهاب.
#العراق #واشنطن #علي_الزيدي #الولايات_المتحدة #التحالف_الدولي #حصر_السلاح #الاستثمار #الاقتصاد #وكالة_عين_للأنباء
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





