مفاوضات إسلام آباد بين إيران وأمريكا.. أصعب جولة في تاريخ الصراع
فجوة شاسعة بين الورقتين الأمريكية والإيرانية
وكالة عين للانباء
وسط حالة من الترقب والحذر، تستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة واحدة من أكثر جولات المفاوضات حساسية في تاريخ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد ستة أسابيع من حرب إقليمية مدمرة أشعلتها ضربات منسقة شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران.
وتأتي هذه المحادثات -المقرر انطلاقها صباح السبت- بعد أيام من إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، في وقت تتعرض فيه تلك الهدنة لاختبارات مبكرة بسبب استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان، والخلافات بشأن تفسير بنود وقف إطلاق النار.
ويترقب العالم هذه المحادثات التي تأتي بعد أن خلّفت الحرب آلاف القتلى وأربكت أسواق الطاقة العالمية بشكل غير مسبوق، مع إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، الممر المائي الذي تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية في وقت السلم.
صراع مدمر غير معادلات المنطقة
اندلعت الحرب في 28 شباط 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي، واستهداف البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، فيما أعلنت إيران أن الهجمات أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 شخص خلال خمسة أسابيع.
وردت طهران بإغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي، مما تسبب في ارتفاع حاد لأسعار الطاقة، فقد قفز سعر خام برنت القياسي إلى حوالي 96 دولاراً للبرميل، مسجلاً زيادة بنحو 35% منذ بدء الحرب.
وحذّرت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن الحرب تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، قائلة: "لولا هذه الصدمة، كنا سنرفع توقعات النمو العالمي، لكن الآن، حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، نحن نتجه نحو خفض التوقعات".
جهود مكثفة أنقذت المفاوضات من الانهيار
كشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن الدور الباكستاني كان حاسماً في إنقاذ المفاوضات من الانهيار، ففي يوم الاثنين الذي سبق إعلان الهدنة، أبلغت واشنطن إسلام آباد برفضها الكامل للمقترح الإيراني المكون من 10 نقاط، مع بقاء يوم واحد فقط قبل الموعد النهائي الذي حدده الرئيس ترامب لقصف مواقع الطاقة الإيرانية إذا لم توافق طهران على إعادة فتح مضيق هرمز.
عندها، قامت باكستان بصياغة "مقترح جسري" أبقى على الكثير من المواقف الإيرانية، مع صياغة رأت إسلام آباد أنها ستكون أسهل على الولايات المتحدة قبولها.
وبعد تلقي المقترح يوم الثلاثاء، قبلته واشنطن بسرعة كأساس للمفاوضات، حيث أعرب أحد المسؤولين الباكستانيين لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن دهشته من السرعة التي وافقت بها واشنطن على المقترح، مشيراً إلى أنها تشير إلى مدى رغبة الولايات المتحدة في وقف إطلاق النار، رغم الخطاب الناري لترامب حول استعداده لقصف إيران وإعادتها إلى"العصر الحجري".
شبكة علاقات فريدة
تستند قيمة باكستان كوسيط إلى شبكة دبلوماسية واسعة وغير معتادة، فإيران كانت أول دولة تعترف بباكستان بعد استقلالها في عام 1947، ويتقاسم الجاران حدوداً بطول 900 كيلومتر وعلاقات تاريخية وثقافية ودينية عميقة، ويمثل سكان باكستان أكثر من 20 مليون مسلم شيعي، الذي يعد ثاني أكبر تجمع شيعي في العالم بعد إيران، وفي الوقت نفسه، أقامت إسلام آباد علاقات قوية مع واشنطن والرياض وبكين.
الوفد الأمريكي
يترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، في مهمة تعتبر الأعلى مستوى والأكثر حساسية في مسيرته السياسية، وينضم إلى فانس كل من المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وقد تولى ويتكوف وكوشنر إدارة المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والتي كانت جارية عندما اندلعت الحرب.
الوفد الإيراني
يتوقع أن يترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، ويُعرف قاليباف بأنه من المقربين للنظام، وقد لعب دوراً محورياً في إدارة الأزمة خلال الحرب.
صيغة المفاوضات
لم يقدم البيت الأبيض تفاصيل دقيقة حول صيغة المفاوضات - سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، حيث تشير تقارير إلى أن المفاوضات ستكون غير مباشرة، كما سيعمل الوسطاء الباكستانيون كوسطاء بين الوفدين في غرف منفصلة، ومع ذلك، أكد التلفزيون الرسمي الإيراني أن المفاوضات من المتوقع أن تكون مباشرة.
ورقتان متصادمتان وفجوة شاسعة
تتصادم على طاولة المفاوضات رؤيتان مختلفتان جذرياً لإنهاء الحرب: الورقة الإيرانية المكونة من 10 نقاط، والورقة الأمريكية المكونة من 15 نقطة.
المطالب الإيرانية
قدمت طهران مقترحاً شاملاً يتضمن:
-
السيادة على مضيق هرمز: الاعتراف بالسيادة الإيرانية على المضيق وفرض رسوم على السفن العابرة.
-
حق تخصيب اليورانيوم: الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.
-
رفع العقوبات: رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية والأممية، بما فيها تلك المرتبطة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية.
-
تعويضات الحرب: دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية.
-
انسحاب القوات الأمريكية: انسحاب جميع القوات الأمريكية القتالية من المنطقة.
-
وقف العمليات في لبنان: وقف شامل للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
-
تجميد الأصول الإيرانية: الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة خلال أسبوعين.
المطالب الأمريكية
تركز الرؤية الأمريكية على:
-
حرية الملاحة: ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل كامل وغير مقيد.
-
تفكيك البرنامج النووي: تفكيك كامل للقدرات والمنشآت النووية الإيرانية، ومنع التخصيب داخل إيران، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
-
تقييد الصواريخ الباليستية: تقليص قدرات إيران الصاروخية من حيث العدد والمدى والاستخدام.
-
قطع الدعم عن الوكلاء: إنهاء دعم إيران للجماعات المسلحة في غزة ولبنان واليمن.
دور صيني
كشفت تقارير إعلامية غربية عن دور صيني حاسم في إنجاح جهود الوساطة الباكستانية، ففي اللحظات الحرجة التي سبقت الإعلان عن الهدنة، كانت الآمال تتلاشى، لكن الصين تدخلت وأقنعت إيران بالموافقة على هدنة أولية، وقال مسؤول باكندي كبير مطلع على المفاوضات لوكالة فرانس برس شريطة عدم الكشف عن هويته: "في ليلة الهدنة، كانت الآمال تتلاشى، لكن الصين تدخلت وأقنعت إيران بالموافقة على هدنة أولية، بينما كانت جهودنا محورية، كنا نقترب من الفشل، لكن بكين نجحت في إقناع الإيرانيين".
وكان الرئيس ترامب نفسه قد صرّح لوكالة فرانس برس بأن الصين ساعدت في إقناع إيران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو ما أكده مسؤولون باكستانيون، كما قام نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بزيارة إلى بكين في نهاية آذار لإجراء محادثات مع وانغ يي، الذي أيد جهود الوساطة الباكستانية على أنها "تتماشى مع المصالح المشتركة لجميع الأطراف".
خلاف لبنان
الخلاف الأكثر إلحاحاً ويهدد انهيار المفاوضات حتى قبل أن تبدأ، فقد أصرت إيران على أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، حيث يتواصل القصف الإسرائيلي على حزب الله، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن "عقد محادثات لإنهاء الحرب مرهون بالتزام الولايات المتحدة بتعهداتها بوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وخاصة في لبنان".
في المقابل، نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب أن تكون الهدنة شملت لبنان، مؤكدين استمرار العمليات الإسرائيلية هناك، في حين صعّدت إسرائيل هجماتها على لبنان بعد إعلان الهدنة، حيث شنت أكثر من 100 غارة في 10 دقائق فقط يوم الأربعاء، مما أسفر عن إستشهاد أكثر من 300 شخص في ما وصفه مسؤولون لبنانيون بـ"المذبحة".
مضيق هرمز
كما اتهم ترامب إيران بعدم الوفاء بالتزاماتها بإعادة فتح المضيق، قائلاً في منشور على منصة "تروث سوشال": "إيران تؤدي عملاً سيئاً للغاية، بل يمكن القول إنه غير شريف، في السماح بمرور النفط عبر مضيق هرمز.. هذا ليس الاتفاق الذي لدينا".
وفي تطور مثير للقلق، أظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلة غاز طبيعي مسال تحمل علم بوتسوانا حاولت مغادرة الخليج العربي عبر طريق حدده الحرس الثوري، لكنها تراجعت فجأة صباح الجمعة.
انعدام الثقة
يُعد انعدام الثقة بين الطرفين العائق الأكبر أمام أي تقدم المفاوضات، فتجربة إيران مع الدبلوماسية الأمريكية كارثية، خاصة بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، ويخشى الإيرانيون من أن أي اتفاق جديد قد يتم تجاوزه بسهولة إذا تغيرت الإدارة الأمريكية.
ضغوط داخلية
في واشنطن، هناك ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة لإنهاء الحرب، حيث أعلنت إيران مقتل أكثر من 3000 شخص في الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، فيما قُتل 13 جندياً أمريكياً، وفي طهران، يواجه النظام تحديات في إقناع الشارع الإيراني، الذي يعاني من تبعات الحرب والعقوبات، بقبول أي تنازلات.
موقف إسرائيل
تُشكل إسرائيل ورقة ضغط إضافية على إدارة ترامب، فنتنياهو يرفض بشدة أي اتفاق لا يشمل تفكيكاً كاملاً للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، ويدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية في لبنان.
سيناريو التفاؤل
في أفضل السيناريوهات، قد يتمكن الطرفان من الاتفاق على إطار عام يشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل تدريجي، وتبادل الأسرى، وإطلاق مفاوضات فنية لاحقة حول القضايا الخلافية.
تمديد الهدنة
في سيناريو أكثر واقعية، قد يقرر الطرفان تمديد الهدنة لأسبوعين أو شهر إضافيين لإتاحة المزيد من الوقت للمفاوضات، مع إحراز تقدم محدود في القضايا الأقل خلافاً، أما في حال استمرار الخلافات حول لبنان ومضيق هرمز، قد تنهار المفاوضات تماماً، مما يؤدي إلى استئناف القتال بشكل أوسع، مع عواقب مدمرة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تترقب المنطقة والعالم مصير مفاوضات هي الأصعب في تاريخ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فالفجوة بين الورقتين الأمريكية والإيرانية لا تزال شاسعة، والخلافات حول لبنان ومضيق هرمز تهدد بانهيار الهدنة حتى قبل أن تبدأ المفاوضات رسمياً.
لكن في المقابل، هناك عوامل مشجعة: الرغبة الأمريكية الحقيقية في إنهاء الحرب، كما كشفت عنها السرعة التي قبلت بها واشنطن المقترح الباكستاني؛ والدور الصيني الفاعل في إقناع إيران بالحوار؛ والوساطة الباكستانية النشطة التي استطاعت تجاوز عقبات كانت تبدو مستعصية.
يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح هذه العوامل مجتمعة في تجاوز الفجوات العميقة والتوصل إلى اتفاق ينهي حرباً أدمت المنطقة وأربكت العالم، أم أن الصراع سيدخل مرحلة جديدة وأكثر دموية؟ الأيام القليلة المقبلة ستحمل الإجابة.
الوسوم:
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





