كتب ملعونة.. عفريتٌ مرعبٌ يتسلل في أرجاء أوروبا
عين نيوز

ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة
علــي حســين
| 24 |
كان في الثلاثين من عمره حين قرر عام 1848 أن ينشر كتاباً سيصبح بعد سنوات الأكثـر مبيعاً وقراءة في العالم، وسيشعل الثورات في عدد من البلدان، وسيصر ادولف هتلر بعد 90 عاماً على أن يُحرق هذا الكتاب الذي كان يسميه"الافعى السامة"أمام عينيه في إحدى ساحات برلين، وكان البابا بيوس التاسع قد أصدر أمراً بأن يضع الكتاب على رأس قائمة الكتب الملعونة التي كان الفاتيكان يصدر بها قوائم منع بين الحين والآخر
قبل هذا التاريخ بعام واحد، حذر الفرنسي ألكسي توكفيل من ثورة بسبب الظلم الذي تتعرض له الطبقة العاملة :"انظروا إلى ما يجري في صفوف الطبقات العاملة..ألا ترون أن عواطفهم تحولت من سياسية إلى اجتماعية؟ ألا ترون إنه تنتشر في صفوفهم بالتدريج آراء وأفكار، لا تؤدي الى قلب هذه القوانين، وتلك الوزارة، أو حتى ذلك الحكم وحسب، بل إلى قلب المجتمع". كان توكفيل يستعد لنشر كتابه"النظام القديم والثورة"، والذي سيركز فيه على أن الديموقراطية تعزل الإنسان وتهبط بمستواه الخلقي، حائلة بينه وبين أن يتحمل مسؤولياته كافة. ومن هنا يتعين إضفاء طابع لامركزي على السلطة، وتحرير الصحافة وبقية المؤسسات والمشاريع الى الحد الأقصى، وجعل القضاء مستقلاً كل الإستقلال عن الحكومة، وبعد أيام تندلع الثورة في فرنسا، والتي سميت بربيع الثورات الأوروبية، وقبل هذا التاريخ بسنوات كتب بيار جوزف برودون الذي كان يعتبر نفسه واحداً من مؤسسي الاشتراكية المعاصرة :"إن الملكية هي السرقة".
كان كارل ماركس، ينظر الى نفسه على أنه أديب قبل أن يكون فيلسوفاً، أو عالم اقتصاد، وقد أخبر صديقه أنجلز وهما يضعان مسودات كتابهما الشهير"البيان الشيوعي"إن الكتاب رغم طابعه السياسي والثوري، فهو كتاب ميزته إنه يقترب من الأعمال الأدبية :"علينا أن نتطلع الى الشعراء والروائيين أكثر مما نتطلع الى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين، فمع الأدباء سنبصر جيدا دوافع الإنسان من أجل الحرية ومحاربته للظلم وسعيه الى المساواة والعدالة".
في عام 1842 يكتب ماركس أولى مقالاته السياسية بعنوان"الشيوعية"التي يعتبرها غرامشي فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الفلسفة المادية، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الأولى مفهموم الشيوعية ويُعيد أصولها الى الفيلسوف أفلاطون، في تلك السنة يعكف مع زميله انجلز على مراجعة كتب سان سيمون وتسحرهما مقولات برودن التي كان يوجهها ضد الملكية :"ما هي الملكية إنها ترفٌ مرفوضٌ".
ويرى ماركس عندئذ إن الاقتصاد أساس لكل العلوم الاجتماعية، ولاشيء يمكن الإفلات من قوانينه، فيقرر التصدي لاشتراكية سان سيمون الطوبائية ليبتدع الاشتراكية العلمية فيكتب :"إن الفعل الذي يبني المنظومات الفلسفية في دماغ الإنسان هو نفسه الذي يبني سكك الحديد بيد العمال"
ويذهب بعيداً فيقرر التصدي لمعلمه الأول هيغل، فينشر كتابه الشهير"نقد فلسفة هيغل في الحقوق"حيث يقترح قلب الجدل الهيغلي لوضعه على قدميه أي الانطلاق ليس من النظريات، وإنما من ظروف الحياة الواقعية ويصوغ لأول مرة فكرة أن الوظيفة التاريخية للبروليتاريا هي قلب الرأسمالية ويكرر على خلاف هيغل إن الدولة ليست هي التي تُسيِّر التاريخ، بل التاريخ هو الذي يُشكل الدولة، وإن الإنسان لا يتمكن من التحرر إلا بأفعاله وليس بنزوة مُحسن إو بإرادة دكتاتور متنور إذ لا يمكن للثورة أن تأتي إلا من خلال طبقة اجتماعية محررة بامتياز.
في الثامن من آب عام 1844 التقى كارل ماركس بفريدريك انجلز في إحدى مقاهي باريس، كان انجلز يصغر ماركس بعامين من أسرة تملك مصانع للقطن بالمانيا، كانت اهتماماته اقتصادية بالدرجة الأولى، هناك دار بينهما حوار استمر عشرة أيام، كل يوم يجلسان في المقهى منذ الصباح حتى المساء يناقشون أموراً عديدة من أهمها فلسفة هيغل وضرورة تطوير مفاهيمها عن الجدل، وآخر ما توصل اليه محبوبهما الفيلسوف الالماني فيورباخ، وقد أثمرت الحوارات بينهما الاتفاق على اصدار كتاب بعنوان"العائلة المقدسة"تسبب صدور نسخة منه بالفرنسية إلى طرد ماركس من باريس وانتقاله الى بروكسل، حيث يلحقه انجلز الى هناك ويستاجر منزلاً قريباً من منزل ماركس ويبدآن العمل سوية في كتاب جديد يصدر عام 1846 بعنوان"الايدلوجية الالمانية"، الذي رفضتخ العديد من دور النشر، فتكفل انجلز بمصاريف الطباعة، ويفسر ماركس أهمية هذا الكتاب :"كان انجلز قد وصل الى النتيجة التي وصلت إليها ذاتها، وعندما جاء للاستقرار في بروكسل عام 1845 قررنا عرض الاختلاف الأساس الذي كان يفصل تصوراتنا عن تصورات الفلسفة الألمانية، أعني قطع العلاقات مع ماضينا الفلسفي الخاص في الواقع.وحدث لهذا المشروع أن تجسد بشكل نقد للفلسفة ما بعد الهيجلية".
بعد"الايديلوجية الالمانية"يعثر ماركس على هدف جديد لنقده، هذه المرّة سيقرر الرد على كتاب"فلسفة البؤس"لبرودون في كتاب تهكمي يضع له عنوان"بؤس الفلسفة"وفي هذا الكتاب يتنبأ ماركس بزوال الطبقات المستغلة والجشعة وبزوغ عصر جديد :"هل يعني هذا إنه بعد سقوط المجتمع القديم، ستحل هيمنة طبقية جديدة تتلخص بسلسلة سياسية جديدة، كلا..فستعوض الطبقة الكادحة في خلال تطورها المجتمع القديم بشراكة ستستعبد الطبقات وصراعاتها ولن تكون هناك سلطة سياسية بمعنى الكلمة باعتبار أن السلطة السياسية هي بالذات الخلاصة الرسمية للصراعات في المجتمع المدني".
بعدها سيجتمع ماركس وأنجلز لوضع الصفحات الأولى من كتاب"البيان الشيوعي"ورغم أن الكتاب ينسب للاثنين معاً، فان انجلز كتب مسودته الأولى على شكل خمسة وعشرين سؤالاً وجواباً عن الشيوعية، وأعاد ماركس كتابته كاملاً، كان البيان الشيوعي يطبع في لندن، وجاهزاً للنشر بالألمانية حيث تنشر الكراسة دون ذكر لأسماء المؤلفين، فقد نسب البيان الى عصبة الشيوعيين، في شباط من نفس العام يسافر ماركس الى باريس وهناك يلقي محاضرة يعرض فيها تاريخ الثقافة الإنسانية باعتباره تاريخاً للايديولوجية، وللديانات والفلسفات والنظم القانونية المقنعة التي أظهرت نفسها على إنها حقائق كلية أو أزلية لسائر البشر، ويرى ماركس في محاضرته تلك إن جميع الافكار والقيم التاريخية الرئيسية تعمل على حماية المصالح الطبقية والدفاع عنها، وتحرص على إخفاء حقيقة الممارسات الظالمة وغير الإنسانية من قبل المجتمع المدني بحق الطبقات التي تتعرض للاستغلال..يصف جاك اتالي في كتابه ماركس أو فكر العالم البيان الشيوعي، بانه عمل عبقري ونتاج قدرات إبداعية وفكرية كبيرة وسياسية أضيف لها عنصر الإلهام والتخيل فيما يكتب إيسيا برلين :"لايمكن لأي حركة أو قضية سياسية أخرى في العصر الحديث أن تدعي إنها انتجت أي شيء يدانيه من حيث البلاغة أو القوة"..يفسر البيان الشيوعي التاريخ البشري على إنه تاريخ الصراعات الطبقية التي جرت وفق للقوانين الجدلية الضرورية وينتهي به كارل ماركس وانجلز الى أن العصر الحالي هو الوقت المحتوم لآخر الصراعات الطبقية الكبرى في التاريخ، بين الرأسماليين وطبقة العمال والشغيلة بوصفها آخر طبقة مستعبدة لم تنل حريتها :"ليس للبروليتاريين ما يخسرونه سوى أغلالهم وأمامهم عالم يكسبونه..ياعمال العالم اتحدوا".
*******
من هو الشيوعي؟ يحدد ماركس وإنجلز في بيانهما الشيوعي، معنى أن
يكون الإنسان شيوعياً:"لايعني أن يكون له رأي مختار من بين سائر الآراء، وفقاً لمصادفات التفضيل والإنتقاء والمناسبات ولا هو كذلك صفة موروثة أصيلة عند بعض الأفراد يكونون شيوعيين، كما يكون الإنسان أشقر أو أسمر، وهذا لايعني أيضاً أن يكون لدى الإنسان عزم على مداواة جميع الآلام البشرية بعاطفة توصي لتعميم الحب على البشر، أو بنزعة إنسانية طوباوية أو حلم كريم، أو باللجوء الى إنقلاب فجائي شامل يطرأ على الأوضاع. أن يكون الإنسان شيوعياً معناه من الناحية الجوهرية، اتخاذ موقف علمي من قضايا المجتمع.".
في النسخة التي صدرت بعد وفاة ماركس يضيف أنجلز ملاحظة لقراء البيان تتعلق بأهمية دراسة المادية التاريخية لفهم البيان الشيوعي:"إن الفكرة الرئيسية التي تهيمن على البيان الشيوعي، هي أن الانتاج الاقتصادي والبناء الاجتماعي الناتج عنه، يكونان حتماً، وفي كل عصر قاعدة التاريخ السياسي والفكري لهذا العصر، إن التاريخ كان وسيظل تاريخ الصراع بين الطبقات".
أصبح البيان الشيوعي فيما بعد أول وثيقة منهجية للشيوعية العلمية، وقد لخص فيه ماركس وأنجلز، مجمل المعارف الإجتماعية والإقتصادية والتجارب العلمية، ولم تبلغ النسخ التي طبعت في الطبعة الاولى من هذا الكراس الصغير سوى بضع مئات تنقلت من يد الى أخرى.
وسرعان ما يتحوّل البيان الشيوعي الى منهج للفلسفة الماركسية التي أصبحت الاتجاه الفكري الأبرز في القرن العشرين، حيث أمتد تأثيرها إلى كافة العناصر السياسية فضلاً عن الثقافية كالروايات والأفلام ووسائل الإعلام، والهيئات والمؤسسات الاجتماعية.. إنها الثورة الشيوعية التي يصفها ماركس وأنجلز في البيان الشيوعي:"الثورة الشيوعية هي القطيعة الأكثر جذرية عن علاقات الملكية المتوارثة".
كان للبيان تأثيراً مباشراً علي الثورات نفسها، فقد كانت قد اندلعت فعلياً بقوة عندما نشر الكتاب وكان لأحداث فرنسا أثرٌ في نشر الثورة إلى ألمانيا في الشهر التالي أكبر بكثير مما كان لأي كتاب آخرأن يفعل ذلك. وقد ابدى ب الثوريون أقصي ما بوسعهم من أجل ضمان قراءة واسعة للبيان الذي كان علي وشك الصدور في طبعة ثانية بحلول نيسان من نفس العام وهكذا تمّ شحن 100 نسخة إلى العمال الألمان في أمستردام في آذار، ثم أرسلت 1000 نسخة إلي باريس. وفي بداية نيسان أعطي الشيوعيون في باريس نسخاً من البيان لثلاثة أو أربعة آلاف من المهاجرين الألمان العائدين إلى وطنهم للانضمام للثورة. وفي آذار 1848 قامت صحيفة المهاجرين الالمانية بإصدار الكتاب في سلسلة من المقالات. وعندما عاد ماركس إلى كولون وزع البيان هناك، وفي أوائل 1849 صدر في سلسلة مقالات في الصحيفة اليسارية داي هورنيسه. وبدأت خطط طموحة لترجمته إلى لغات أخرى،. وبرغم المطالبة في البيان نفسه، وتوفرت ترجمة فرنسية منشورة عقب كومونة باريس في عام 1871. وكانت الترجمة الوحيدة المؤكدة في عام 1848 هي الترجمة السويدية. بينما صدرت الترجمة الإنكليزية الأولى في سلسلة في صحيفة الجمهوري الأحمر التي صدرها اليساريون في تشرين الأول 1850، وقد ترجمته الاشتراكية هليين ماكفرلين التي كتبت في تقديم البيان :"إن عفريتاً مرعباً يتسلل في أرجاء أوروبا". ومع انتعاش الاشتراكية عالمياً منذ ثمانينيات القرن 19 وما بعدها أنجزت الترجمات الهامة، بما فيها الترجمة الفرنسية التي قامت بها ابنة ماركس لورا لافارج والترجمة الإنكليزية المعتمدة التي التي تدخل فيها إنجلز.
يكتب لينين قائلاً :"إن البيان الشيوعي يجب أن يُترجم ويوزع بشكل واسع قدر المستطاع، لكي يتمكن العمال والقراء من تكوين فكرة عن مجمل التصورات عن مؤسسي الاشتراكية العلمية".
*******
في الخامس عشر من أيار عام 1818 يولد كارل هينريغ ماركس في مقاطعة غربي المانيا، في تلك السنة ينشر شوبنهاور كتابة الشهير"العالم كإرادة وتمثل"وهو الكتاب الذي أثار ضجة كبرى، وما يزال من أهم ما أنتجته الفلسفة الغربية في عصرها الحديث، الأمر الذي دفع مترجماً وباحثاً كبيراً مثل عبد الرحمن بدوي أن يخصص كتاباً عن شوبنهاور يكتب فيه :"كان حراً كأوسع ما تكون الحرية بإزاء السلطات الثلاث، فلم يحفل بالسياسة على الإطلاق. وإن كان نصيراً للنظام ولهذا أبغض الثورة التي قامت في ألمانيا عام 1848، لأن فيها إخلالاً بالنظام"، وفي السنة نفسها تظهر شخصية فرانكشتاين في الرواية التي وضعتها ماري شيللي، والتي ستؤثر كثيراً على ماركس المراهق، مثلما أثّرت به رواية والتر سكوت"ايفانهو"التي شغلته أسئلتها عن البطل الفرد أثناء فترة شبابه، وعندما يصبح عمره أربع سنوات توفي سان سيمون أول من آمن بفكرة التطور وإن المجتمع لا يثبت على حال وهي الفكرة التي ناقشها ماركس فيما بعد من خلال نقده لمبدأ سان سيمون القاضي بأن الاشتراكية والعدالة يمكن أن تتحققا على يـــد مستبد مستنير، ويُقال إنه ظل يمطر نابليون بالرسائل يناشده بأن يحقق العدالة الاجتماعية في أوروبا.
ولانعرف أشياء كثيرة عن طفولة كارل ماركس باستثناء اللمحات التي كتبتها ابنته إيليانور، كان غلاما قوياً، متين البنية، حيوي الذهن، ودون أن يكون كارل عبقرية مبكرة بكل معنى الكلمة، فقد اظهر منذ صباه المبكر ذكاء حاداً جداً، وتخبرنا شقيقته الكبرى إن كارل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره لكنه كان يتحدث مع أبيه عن الاخلاق والحرية وعن الله، وكانا يقضيان أوقاتاً طويلة يتناقشان حول أفكار فولتير وقصائد غوته، وفي تلك السن قرأ شكسبير، وأعجب بسيرفانتيس وحفظ مقاطع مطولة من إلياذة هوميروس.، وكان والده يأمل أن يستخدم ابنه مواهبه العقلية في خدمة الناس، أما أمه فقد كانت تأمل أن يساعد الحظ ابنها فيصبح صاحب مال وفير.
يدرس ماركس الشاب القانون في جامعة بون تنفيذاً لرغبة والده، لكنه يكتشف الفلسفة التي ستكون ميدانه الأساس ومعها يقول في رسالة الى حبيبته وزوجته"فيما بعد"جيني"، إنه وجد ما يبحث عنه أخيراً.. في الفلسفة يكتشف أستاذه الأول هيغل معلم الفلسفة الالمانية المطلق وسرعان ما ينضم الى جماعة الهيغليين الشباب، يكتب لوالده إنه يريد أن يترك القانون، فقد أحدث هيغل تقلباته في نفسه وهو يريد أن ينتهي من هذا القلق الذي يعيشه.:"لقد قرأت شذرات من فلسفة هيغل التي كان تناغمها الديالكتيكي الغريب والحاد لايروق لي، كنت أريد أن أغوص مرة أخرى في محيط هيغل". بعد عام يكتشف بالصدفة نصوص فيورباخ الاستاذ الذي طـُرد من الجامعة لأنه انتقد هيغل بقسوة، فيما ينكب ماركس على دراسة شتى الفلسفات يضع قواعد لدور الفيلسوف في المجتمع، هذا الفيلسوف الذي يجب عليه وهو يقول الحقيقة أن يُسهم في تغيير المجتمع.
وفي حين كان كارل ماركس يتنقل من النزعة العقلانية الى الرومانتيكية ثم الى الهيغلية، فان صديقه المقبل ورفيقه في وضع أسس الفلسفة المادية، فريدريك انجلز استطاع أن يصل الى نفس التصورات والمفاهيم ولكن عبر معاناة مع عائلته التي كانت ترى في الفلسفة والفكر نشاطاً عبثياً
ولد انجلز في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1820 في الشطر الصناعي من المانيا، وكان ينتسب الى عائلة من الصناعيين الكبار، وبخلاف عائلة ماركس ذات العقلية المتحررة، فان عائلة انجلز كانت ذات نزعة رجعية، وقد اضطر انجلز منذ سنوات شبابه الاولى للكفاح بضراوة ضد هذه العقلية التي لاترى في الحياة سوى المال، وعند بلوغ انجلز الرابعة عشرة ارسلته العائلة الى كلية البريفيدا والتي تعتبر انذاك من الكليات المتميزة، وشأن والد كارل ماركس، كان والد انجلز مع اعترافه بمزايا ولده، يحس بالصدمة لطبيعته المختلفة جذرياً عن اشقائه، وكان يخشى أن تؤدي هذه الاختلافات الى اضطراب روحه وخراب مستقبله.
ونظراً لأن إنجلز لم يكن يجد في عائلته تفهماً لرغباته في الدراسة والعمل والحرية الشخصية، فقد كان يحس بالعزلة وكان ينطوي على نفسه، وقد قالت امرأة عجوز كانت تقطن بالقرب من منزلهم، إنها شاهدته يسير في النهار حاملاً مصباحاً في يده قائلاً انه يفتش مثل ديوجين عن الحقيقة.
توفي ماركس في عام 1883 بعد أن كتب كتابه الشهير"رأس المال"ونقرأ في الطبعة التي صدرت من البيان الشيوعي بعد وفاة ماركس هذه السطور المؤرخة في تموز عام 1883 والتي كتبها أنجلز :"انني مضطر و آسفاه، لتوقيع مقدمة الطبعة الحالية وحدي.إن ماركس الإنسان الذي تدين له الطبقة العاملة بأسرها أكثر مما هي مدينة لأي إنسان آخر يرقد في مقبرة (هايغيت) وعلى قبره نبتت العشبة الأولى، وبعد موته لايمكن أن يطرح على بساط البحث - واليوم أكثر من أي يوم مضى - تعديل البيان الشيوعي أو إكماله".
أدرك انجلز منذ البداية تفوق ماركس العبقري، ولم يطمح الى لعب أي دور غير دور الشريك الثاني، غير إنه لم يكن مجرد مفسر لماركس، بل كان دائما معاوناً مستقلاً، ويملك قدرة فكرية مختلفة، ونجد ماركس يكتب بعد عشرين عاماً من لقائهم الأول :"أتعلم إنني أولاً وقبل كل شيء أتوصل الى الأشياء ببطء، وإنني ثانيا أتبع خطاك على الدوام".
فيما يكتب انجلز في وصف صديقه ماركس بانه :"موسوعة حية، مستعد للعمل في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، مليء بصفاء الذهن، سريع في الكتابة، ونشيط نشاط شيطان".
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





