قيم اليوم لا تسمح بوضع نافذة في فضاء مفتوح. .هل أسهم النقد المجامل في انحسار القصة القصيرة؟

عين نيوز

 0
قيم اليوم لا تسمح بوضع نافذة في فضاء مفتوح. .هل أسهم النقد المجامل في انحسار القصة القصيرة؟
بدون وصف


علاء المفرجي

شهد فن القص العربي ذيوعاً وانتشاراً في عقود مضت،سواء في العراق أم الوطن العربي، لكن بداية الألفية الثالثة شهدت تراجعاً ملحوظاً لفن القصة القصيرة،وازدهاراً لفن السرد الروائي،حتى أمسى من النادر أن تعثر على قصة قصيرة سواء في الدوريات أم الصفحات الثقافية، و ابتداءً من الأربعينيات كانت القصة القصيرة نوعاً أدبياً مهيمناً على مشهد الأدب العربي منذ أربعينيات القرن المنصرم حتى نهاية السبعينيات، أجيال واتجاهات وتجارب وتيارات غطت سماء الكتابة العربية وفتحت أمام كتّابها وقرائها على السواء بوابات الحداثة والتحديث.

وبرزت في الأدب العراقي اسماء مقرونة بانجاز إبداعي باهر في مجال القصة القصيرة فكانت (المملكة السوداء) لمحمد خضير، و(زليخة البعد يقترب) لجليل القيسي، و(لا تسرق الورد رجاءً) و)نساء من مطر( لعبد الستار ناصر.. وغيرها.
يتساءل القاص لؤي حمزة عباس،هل انحسرت القصة القصيرة بعد صدارة حقاً؟ وجفّت أنهارها بعد فيض؟ فالسؤال نفسه يبدو متناقضاً، مستجيباً لمكرالنقاد ومزاج الجوائز التي تعمل على هدم الذائقة العامة وإعادة تشكيلها،والتحكم بتوجيه الناشرين.. يقول القاص لؤي: " لن أوجه إجابتي للنوع القصصي وخصائصه النظرية، بقدر ما أفكر بالأسباب التي جعلت القصة القصيرة نوعاً أدبياً مهيمناً على مشهد الأدب العربي.. أجيال واتجاهات وتجارب وتيارات غطت سماء الكتابة العربية وفتحت أمام كتّابها وقرائها على السواء بوابات الحداثة والتحديث، فما الذي حدا مما بدا، ما الذي تغير في كتابة القصة القصيرة، وفي أساليب تلقيها ليكون التراجع نصيبها والإهمال حصتها؟"
ويلقي القاص حمزة عباس باللائمة على النقّاد " لو كُتبت اليوم قصص بوزن (بيت من لحم) أو (السلحفاة تطير) أو (القنديل المنطفئ) أو (القلعة والقارب) أو (النمور في اليوم العاشر)، وهي تكتب بلا شك، فهل تجد من يُعنى بها، ومن يشير إلى موهبة كتّابها؟"
ويرى إننا خدعنا بمقولات (الرواية فن العصر) و (زمن الرواية)، اللتان شغلتا النقاد فأسهموا بتوجيه الذائقة وحرف المزاج العام بعيداً عن القصة القصيرة.
ويشير الى أن الخلل ليس في النوع القصصي نفسه بل في أنظمة التوجيه والدعم والتلقي التي تعمل معظمها داخل الحيّز السوسيو- ثقافي، "فثمة مؤشر آخر على صواب ما أذهب إليه، إهتمام دور النشر العربية بإصدار مؤلفات القصة القصيرة ومختاراتها المترجمة على نحو واضح، مما يؤكد اهتمام القارئ وولعه باكتشاف عوالم قصصية جديدة، من هنا أقول: في الإجابة عن سؤال تراجع القصة القصيرة: علينا أن نبحث خارج القصة."
ولايعارض الناقد شكيب كاظم هذا الرأي حيث يقول:" أسهم النقد،ولاسيما المجامل،ولن أقول المرتزق المنافق في ذيوع الرواية،ولاسيما التي تكتبها النساء،وسيكون الأمر مدعاة لنفاق أشد لو كن جميلات أو ثريات،أو حِزْن الصفتين.جمال وغنى،وقلة من النقاد من تناول القصة القصيرة.
ويعدّد الأسباب وراء انحسار هذا الجنس الابداعي منها شغف القصاصين بحيازة صفة (روائي)وكأن صفة ( قاص) لاترضي نرجسيته وأناه المتعالية،"فإن ظل بعض أساطين القصة القصيرة،محمد خضير مثلاً،يشهر شغفه بفن القصة القصيرة،غير شاعر بالحرج لأنه لم يكتب رواية،مع إنه كتب روايتين،، قائلاً (وهذا يفسر،لماذا أكرس جهدي لكتابة عمل قصير،أعلم حدوده وإمكاناته،قانعاً بمزاياه الخاصة جداً، فقناعتي ليست قناعة الطبع الشخصي،بل الإيمان بكفاءة النوع أو الأداة التي استوعبت هذا الطبع ومرنته،وتلك- لعمري-مأثرة عظمى من مأثر الفن ماكان مؤلف يدركها- وسنواته الباقية لم تعد تكفي لإنتاج قطع فنية عظيمة تستوعب مطامحه الطويلة-..حيث لا مطامح خارج حدودها)، أما الأمر الثاني،يقول الناقد شكيب كاظم "هو أن الرواية بامتداداتها الزمنية والمكانية قد تخفي عيوب الكاتب الضعيف،أقول قد،بعكس القصة القصيرة،مكثفة اللغة والأجواء تكون تحت مجهر النقد ومبضعه،ونظر القارئ المدقق المتفحص.
الأمر الثالث،هو دخول عالم الجوائز المالية المغرية،هو الدافع الأهم في هذا الكم الهائل من الروايات،التي تقدم للتنافس على الجوائز،وما يصاحب ذلك من دعاية واضاءات صحفية وتلفازية،ونشر أسماء المرشحين للقائمة الطويلة،ومن ثم أسماء القائمة القصيرة،وهكذا.
فيما يرى القاص محمد حياوي أن فنّ القصّة القصيرة لم ينحسر بطريقة أو بأخرى، لكن الذي حصل هو انحسار الأضواء عن هذا الفن الجميل، ويقول إن السبب :"هو أن هذا الفن يعدّ من الفنون الصعبة التي تتطلب مراساً ودُربة وقدرة على التكثيف من الكاتب في عدد محدود من الكلمات، على العكس من الرواية التي تتيح مساحتها المفتوحة (بدءاً من ثلاثين ألف كلمة فما فوق) الكثير من الممكنات لتلافي ضعف الحكاية المروية وتجاوز الهنّات في مسار السرد."
وأشار هناك أسباب أخرى تتعلق بالجوائز الكبرى في الرواية، خاصة في عالمنا العربي فيرى إنها "تسببت الجوائز الباذخة والمجانية وغير المنضبطة التي خُصصت للرواية، لاسيّما جائزة "كتارا" الهجينة التي فتحت الباب حتى للروايات المخطوطة، وهذا أمر لم يحدث في أي مكان في العالم، تسببت في إقبال منفلت هو الآخر، على كتابة الرواية من شرائح مختلفة أغلبها لا علاقة له بالأدب، طمعاً في المبالغ الكبيرة.
الناقد قحطان فرج الله يطرح جملة من الأسباب في انحسار هذا النوع الأدبي حيث يقول: "هل هي مشكلة السردية العراقية بشكل عام والمزاج الاجتماعي الذي تغير بسرعة كبيرة بعد حرب 2003؟ وهل لتقليص المسافات بين بني البشر بعد ثورة الاتصال والإنترنت والسوشال ميديا أثر في اضمحلال فنون كانت هي محور الجذب العام على مستوى الكتابة الإبداعية والتلقي؟".
وهناك العامل الأساس هو المد الجارف نحو كتابة الرواية التي أعطت مساحة واسعة من سرد أحداث مر بها الكُتاب وسجلوها بضمير شخصيات وأبطال رواياتهم، فيقول: "إننا نجد الآن في كل شهر إذا لم أبالغ وأقول في كل أسبوع إصدار لرواية جديدة، والطريف هو إنها لا تحمل اسما لكاتب معروف!، بل اسماً جديداً قد برز، ودعوني لا أخوض في المستويات، فأغلب ما كُتب لو فتشنا هو تجارب شخصية غير مستمرة. إن التركيز العالي في صياغة مشاهد قصة لا يعطي المساحة الكافية اليوم لكتّاب هذا الزمان.
والعامل الآخريسميه فرج الله عامل قيمي " فالقيم التي تشحن الحياة اليوم غير قيم الأمس، إن تآكل القيم" هذا لا يتماهى مع أساسيات فن القصة القصيرة، فقيم اليوم لا تسمح بوضع نافذة في فضاء مفتوح..
وكي لا أتجاهل عوامل بروز فنون أخرى أخذت من الجرف الفني للقصة وأضعفت مستوى انسيابية جريانها، فبعد تخلي الشعر عن أوزانه وبروز قصيدة النثر بشكل ملحوظ قوض شيئاً من حضور السردية القصصية لصالح مساحة شعرية جديدة بنسق مألوف ومتداول، وكذلك بروز تقنية الكتابات السريعة في تويتر وفيسبوك جعل الباب مفتوحاً على مصراعيه للكوميديا السوداء وكذلك للتفاعل السريع واليومي والخيال الفعال في التعليقات، والذي كان يمثل الضربات الأساسية لفن القصة، ترك أثره الواضح على جمهور هذا الفن، أعتقد إن القصة في طريقها إلى الجلوس إلى جنب أخواتها في محفل تاريخ الأدب.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0