فلاح العاني وأليسيا لارسون وحوار الألوان
عين نيوز

علي النجار
بالوقت الذي تتقلص فيه مساحة عروض القاعات الفنية التشكيلية في السويد عموماً.
مهم أن تُفتح قاعة عرض(كلري) جديدة في مدينة مالمو السويدية. والشيء المهم أن مؤسِستها وصاحبتها الدكتورة أسيل العامري. التي عُرفت في هذه المدينة من خلال مشاريع ثقافية وفنية عديدة، من ضمنها إصدار مجلة ثقافية بعنوان ننار، تناولت تجارب الاندماج والتغطية الإعلامية لأنشطة اجتماعية وفنية وتقديم رموز ثقافية فاعلة عديدة، وبلغات عديدة. ما عدا مساهمات أخرى - ليس مجال الإشارة إليها هنا -. قاعة ننار بدأت مشروع عروضها لعرض للخزاف العراقي النرويجي(وسام حداد ) في الشهر الأول من هذا العام. وأنا اتصفح التقويم(الكتلوك) الذي أصدرته القاعة مؤخراً، اكتشفت أن هناك أربعة عروض أخرى على لائحة الانتظار. ما عدى العرض الأول لوسام.
جميل أن أشاهد العرض المهم الحالي للفنان العراقي السويدي(فلاح العاني) والفنانة السويدية(أليسيا لا رسون) في هذه القاعة. وبما أن لموقع أية قاعة عرض فني أهمية توازي أهمية عروضها. أجد أن موقع ننار حقق لها مكسباً معنوياً، كونه مجاور لجمعية فناني جنوب السويد ومؤسسات فنية أخرى، ليس كما أمكنة هامشية أخرى كالضواحي البعيدة التي عودتنا جمعيات المهاجرين العديدة على إقامتها في هذه الضواحي. إضافة الى أن فضاءات هذه القاعة(ننار) تحفز الفنان لاجتراح اقتراحات عديدة للاشتغال على فضاءاتها بما يناسبها من عمل فني سواء كان تجميعياً، أو عرضاً تقليدياً أو بمواصفات خاصة. وهذا ما يحسب لها.
حوار الألوان
أم حوار المكان
للوهلة الأولى وأنا أشاهد أعمال(الرسوم) فلاح العاني وأليسيا لارسوم جنباً الى جنب لم أجد أن ثمة اتفاق بينهما في الاشتغال على عنوان أو ثيمة ما. العنوان(هنا، ليس معناه ثيمة تقليدية، بل منطقة إبداعية بمحفزات ثقافية متشابهة، أو متقاربة). فلكل منهما رؤيته الخاصة، وطريقة تنفيذ أعماله الخاصة به أيضاً. وأجد أن هناك بعداً شاسعاً ما بين طرائقهما شكلاً ومضموناً وموشوراً لونياً. إلا أنه رغم كل هذا الاختلاف، كان العرض متوافقاً بشكل من الأشكال. ربما لكونهما اشتغلا على منطقة حداثية واحدة. ربما لكونهم يسكنون منطقة واحدة. ونحن نعرف ما للجغرافيا من أثر على العمل الفني. الاختلاف أجده في كون فلاح يشتغل على البيئة(الخارج). أليسيا تشتغل على البيئة، بيئتها الخاصة الداخلية. من هنا جاء احتدام ملوّنة اليسيا. بالوقت الذي بدت ملونة فلاح تعوم في تفاصيل دقيقة تتطلب جهداً وروية، لا انفعالاً لتنفيذها.
يبدو أن لبيئة المنشأ دوراً فاعلاً في تغذية مصادر إلهام الفنان. فلاح العاني وهو يسترجع أيام طفولته وحياته الريفية بوله لا تخطئه العين، ما تزال التفاصيل السرية لذكرياته تلك تسكن مخيلته وتبوح بها فرشاته غالباً. ولو تتبعنا العديد من عروضه الفنية السابقة، فسوف نجد أن هناك نصيباً كبيراً للبيئة. مثلما هو الخوف الذي يسكننه من فنائها. إن عرفنا أن العديد من التشكيليين العراقيين، وحتى المهاجرين منهم، يسكنهم هذا الخوف، نتيجة لحوادث الحروب التي مر بها بلدهم، وكمية السموم والتلوث الذي تعرضت له. فلاح و بعد أن هجر بيئته الأم ، يعيش منذ عدة أعوام في بيئة مختلفة، ووسط آخر يحترمه بشكل فائق. ضمن هذا التصادم الحواري الحيوي، استطاع أن ينفّذ الكثير من أعماله، في البداية دفاعاً عن البيئة الأم. ثم بشكل عام. في هذا العرض أجده تجاوز هذه المحنة للتغزل بتفاصيل التربة والنبتة والشجرة وتفاصيل دقيقة أخرى اجترحتها مخيلته. مع كل ذلك ما تزال شاخصة الحقل التي تبعد الطير عنه، تأخذ حيزاً في وسط أحد أعماله الأكبر قياساً. بمعنى ما يزال فلاح يحرس حقل عائلته القديم ذك. رغم مرور أزمنته وتبدل مزاجه.
لا تبتعد أليسيا عن فلاح في استرجاع زمنها الطفولي. ربما يتبادر الى الذهن بأن لا علاقة للنقد الفني عموماً بما يدلي به الفنان عن عمله. أنا أجد أن الأمر ملتبس هنا، ربما إن كان الفنان مدركاً لما ينتجه وعلاقة انتاجه بمزاجه الخاص، بل وحتى بحوادث حياته، أو بمصادر طفولته الأولى التي تحسس عالمه الخارجي والداخلي من خلال استرجاعها، والتي حفّرت بعيداً في ذاته الفاعلة. ليس بعيد هذا الأمر عن تجربة العديد من الفنانين التعبيريين المشهورين والتي تناولتها سير حياتهم، وحتى الأوائل منهم.
لو تناولنا تجربة أليسيا الفنية، فسوف نجد أن هناك توافقاً بين ما تدلي به عن تجربتها الفنية وحاصل نتاجها الفني وعلاقتها بإرث حياتها الشخصية. فهي وكفنانة سويدية تقطن الآن مدينة سويدية، عاشت طفولتها في بلدات إسبانية عديدة، وهي المزدوجة وراثياً من جهة الأم الإسبانية، والأب السويدي. لكني أجد أن طبيعة أعمالها تقترب من الأداء الاسباني(المتوسطي)، أكثر من السويدي الشمالي. فالتجريد عندها لعب وبوح داخلي مضطرم، هو أحياناً ما يكون تجريداً لونياً صرفاً، وأحياناً ما تدخل عليه، أو تتساقط أقنعة طفولية، أو زهور، قلوب ورموز أخرى. ليست بمعنى الرسم، بل بالحفر لوناً وجدانياً متماهياً وخشونة السطح التجريدي. هي التي تعلن عن نفسها كبعض من سلالة الفرنسي دوبوفيه أو جماعة الأوبرا التعبيرية. بمعنى ما، هي تجمع في عملها بين الوحشية الطفولية والمنحى التجريدي التعبيري الأوروبي. أليسيا التي تترك يدها على سجيتها لتجوس سطوح رسوماتها. لا ترتاد إلا تلك المنطقة التي بقيت محصنة داخل نفسها، حيث أجواء الدفء التي تفتقدها في بلدها السويد. لتزور بلدان الطفولة الأولى ورائحة البحر والطبيعة الفوارة والأحاسيس الجياشة.
كان من الممكن أن يطلق على هذا العرض عنوان آخر، ليكن مثلاً( شمال جنوب) أو أو(بيئات). أو حتى(ألوان). ففي صيغة الحوار، لا بد أن يكون هناك منطقة وسطى، أفتقدها هذا العرض كما أرى(بالنسبة للعنوان فقط). فمزاج كل فنان يختلف عن الآخر، وملوّنة كل منهما تختلف أيضاً. مع ذلك. من الممكن أيضاً ان يكون ثمة حوار بين نقيضين، وليكن كذلك. فلاح العاني في عرضه هذا ينسج سطحه تفاصيل نباتاته، أو هو ينثرها حقلاً لا نهاية لحوافه محققاً صيغة ما بعد حداثية لإخراج عمله، بعيداً عن صرامة ومحدودية إنشائه التصويري السابق. وأنت بمقدرتك أن تجتزِئ أي جزء من لوحته المرسومة وتفصّلها كعمل مستقل بذاته. هو إذاً حاول هنا أن يحرث حقل عائلته اللامتناهي. أليسيا هي الأخرى تترك نفسها لحظة تنفيذ عملها لطاقتها السرية لتفعل فعلتها، لتنفس عن مكبوتاتها، أو لتلهو كما تلك الطفلة التي لا تود أن تكبر وتغير عاداتها.
فلاح العاني في أعمال سابقة لم يكن بعيداً عن ولعه بالطبيعة، لكنه اشتغل على خطر التلوث البيئي رسماً وأعمال تجميعية عرضها في أكثر من معرض جماعي وشخصي في عدة مدن سويدية. أعمال ترصد مفردات التلوث ومسبباتها البشرية والطبيعية. في الوقت التي تعلن فيه إدانتها للماكنة العسكرية ونواياها، أو حوادثها المهلكة. منطلقاً من حوادث، أو كوارث بلده الأم للعالم الأوسع. فخطاب الفن لديه رسالة إنسانية، وعلى الفنان أن يحفر تفاصيلها شواهد عايشها، أو سمع وأطلع عليها. لكننا وبعد كل بحثه السابق ذك في منطقة الكارثة، يعود من جديد بشوق للتماهي ودقائق مخلوقاته الطبيعية بمعادل لوني يتناسب وفضائاتها حقولها المفتوحة على مد البصر. ويبدو أن رسالته واصلت بث مغزاها لحد الاحتفاء والحرص على الجمال الذي توزعت مساحته على المديات المفتوحة التي تتنفس هواء هو الأنقى.
احتدام الأسود والأحمر عند أليسيا لارسون لا ينم إلا عن احتدام عواطفها، تحسسها للموجودات التي تحيطها وتعيش تفاصيلها. احتدام العاطفة الشرقية التي تحفر بعيداً في النفس. وهي إذ تندفع في عنف ملونتها، ربما كفعل تفريغي يعيد توازنها، بل توازن ذاتها ومحيطها العقلاني الشمالي. هي أيضاً لا تفكر في تفاصيل عملها(ملونتها)، بل تدع العمل يبني أو يهدم تفاصيله أثناء لحظة الأداء، لا قبله. فهي بهذا المعنى أو بما يقاربه تمارس طقساً، ربما يكون تطهيرياً، ربما عبثياً، ربما تلبية لحاجة نفسية آنية. لذلك تبدو أعمالها كأنها تفور بتفاصيلها، معبرة خير تعبير عن حياة مضطرمة، مارست حريتها الشخصية بموازاة حوادث حياتها المتنقلة عبر البحار، وناقلة هذا الشعور المتسامي عبر عروضها الفنية المتعددة في عدة دول أوروبية.
ختاما أعتقد إن العرض المشترك هذا وضع قاعة(كلري ننار) ضمن مسؤولية اختيار نوعية عروضها القادمة لتأخذ موقعها كواحدة من قاعات الفن التشكيلي لمدينة مالمو السويدية التي تحفز المشاهد المتابع لمشاهدة عروضها. مثلما تحفز الفنانين التشكيليين الآخرين للتواصل معها.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





