رواية فلسطين
عين نيوز

سليم سوزه
شكّلت فلسطين الجزء الأكبر من ثقافتي وهويتي أيام مراهقتي التي غمرتها افكار اليسار وقتها. لم ادعِّ إنني يساري الفكر يومها لأنني ببساطة شديدة كنت سطحياً لا أفهم عمق الطرح وتعقيد الافكار سوى تلك التي تبدو جذابة في أعين المبتدئين المراهقين. ثم أخذت فلسطين تتغوّل في أفكاري حين صرت متديناً. كل شيء اقرؤوه في الدين يرسلني الى فلسطين. لم تكن رواية فلسطين حاضرة عندي إلّا من خلال الدين فقط. بعد ان هجرت الدين "ايديولوجياً"، صارت فلسطين عندي مثل قدح ماء لا أتذكره إلّا عند العطش. والعطش الذي اقصده هنا هو الموقف الانساني البحت من هذه القضية بعيدا عن الدين او القومية او اية فكرة مؤدلجة أخرى. الموقف من قضية شعب سُلبت ارضه علناً وصار هو الفائض في عين المحتلين لا ينبغي له أن يظهر في أي صورة أخرى إلّا إنسانياً. الإنسانية هي القيمة العليا لوجود البشر على سطح كوكب مدوّر بلا زوايا حادة.
أتابع الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة ضد سلطة الاحتلال الاسرائيلي عبر قناتي العربية الحدث والجزيرة. ففي قناة الجزيرة، يتم التركيز تماما على مؤيدي الاحتجاجات. عشرات الصور والفيديوهات التي تنقلها الجزيرة باحتراف عن الفلسطينيين المتحمسين للمواجهة فيما تغيب هذه الصورة تماما في قناة الحدث. تنقل الأخيرة بالمقابل عشرات الفيديوهات واللقاءات لفلسطينيين منزعجين من هذا الحراك. "ياعمي هذول بهذلونا وسدوا حالنا"، وآخر يقول "شو فايدة هاي الاحتجاجات .. الحال واقف ومصالحنا انتهت ومحلاتنا معزلة".
لولا "صفقة القرن" لما سمحت "الحدث" باظهار وجهة النظر المشاكسة هذه. ولولا "الحدث" لما كان باستطاعة المتلقي العربي التعرف على الرواية الأخرى "الضعيفة" التي يعتقد بها جزء من الفلسطينيين أمام الرواية "القوية" والسائدة التي تبنتها الميديا العربية لعقود.
تتصارع الجزيرة والحدث في الاستثمار في الانسانية بطريقة تبدو وكأنها نقل للاخبار الفلسطينية فقط لا محاولة لصناعتها. الاولى تنقل "إنسانياً" رواية الفلسطينيين المقاومين الذي لا يرضون بذلة ومهانة الاحتلال، والثانية ترصد "إنسانياً أيضاً" رواية الفلسطينيين المساكين الذين لا يحبون الدم والقتل. بالحقيقة لا ينقل الاثنان سوى نفسيهما ورغبتيهما فقط كما يقول ستيوارت هول عن الاعلام بشكل عام. تلك الرغبة المعبرة عن اصطفافهما الايديولوجي من القضية الفلسطينية مؤخراً.
ما الرواية السائدة والضعيفة بين روايتي الجزيرة والحدث؟ أهما يعبر فعلاً عن رأي أغلب الفلسطينيين اليوم؟ وجهة نظر من الصعب حسمها، والأصعب ربما دراستها بموضوعية لأنها تابو خطير يُتَّهم الباحث بشرفه ووطنيته ان أظهر نتائجَ لا يريد سماعها جمهور الرواية الأخرى.
تحوّلت فلسطين في بعض وسائل الاعلام الى مجرد "موضوع" وليست "ذاتاً" تتحدث عن نفسها من خلال أهلها.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





