حيرة الرئيس وتردّده في السير نحو الهدف

عين نيوز

 0
حيرة الرئيس وتردّده في السير نحو الهدف
بدون وصف


د. حيدر نزار السيد سلمان

لا يبدو السيد عادل عبد المهدي على وفاق مع القوى السياسية التي دعمته بتشكيل الحكومة، فالرجل لم يُظهر لحد الآن ما يدل على أن له منهج يهتدي به لقيادة البلاد حسب الإرادة الشعبية المتمثلة بمحاربة الفساد، وإيقاف مراكز القوى المتنفذة بجميع المفاصل، وإيجاد نمط اقتصادي يساهم بتوفير فرص عمل، وتلبية الحاجة العامة لخدمات أفضل، وفرض حكم القانون، وتحقيق الأمن للخروج من المخاوف من عودة الارهاب، وأن تكون قوة الدولة الإجرائية هي القوة الفاعلة وبالوقت نفسه هي القوة الضاربة. لكن ليس هنالك من مؤشر يدلّ على أن السيد عبد المهدي قد حزم أمره مع نفسه أولاً ومع مشاركيه السياسيين ثانياً للبدء بالخطوات الأولى لقيادة حازمة ودولة مؤسسات قوية كحُلم شعبي منتظر.
خلال أكثر من مئة يوم والعراقيون ينتظرون بلهفة انطلاق الخطوة الأولى لضرب بؤر الفساد وإيقاف عجلته المستمرة بالجريان، وفي كل يوم يكتب العراقيون ملايين المنشورات والتعليقات والتغريدات والمقالات الصحفية مطالبة السيد عادل عبد المهدي بإطلاق صفارة الهجوم الذي وعد به تلبية للإرادة الشعبية، ومع كلّ هذا الدعم والاستعداد الشعبي لقبول الفعل ورد الفعل بقي عبد المهدي ساكناً تضفي خطاباته وأحاديثه وحركاته مزيجاً من الغموض. ولأن الكُثر من السراق والمستفيدين من مراكزهم الوظيفية في الإثراء غير المشروع والفاسدين مازالوا بمواقع لا تبعد كثيراً عن مقر الحكومة ورئيس وزرائها ويتجولون داخل أسوار المنطقة الخضراء وفي المدن العراقية ويظهرون كمتحدثين لبقين من خلال شاشات التلفزة؛ فإن الموقف منهم يبدو غامضاً وغريباً، ومثل ذلك تبدو حركاته وأحاديثه قلقة مضطربة لافتة للنظر كونها تظهر السيد رئيس الوزراء أمام المراقب الذكي وكأنه يعيش حالة الحيرة والتشتت الذهني باتخاذ قرارات صعبة من عدمها. ولعل الرجل محقٌ في جانب، فهو يعرف جيداً أن قراراته ومواقفه الصارمة ستواجه بردود فعل قوية، غير أن الاتفاق الأساس لمنحه لقب رئاسة الوزارة وتكليفه بشؤونها كان ينص على دخول عُش الدبابير ومكافحة الجراد ورش كل أنواع المبيدات لتطهير الدولة ومؤسساتها من الفساد والفاسدين. كما أنه يدرك جيداً عندما قبل التكليف سواء سعى إليه بنفسه أم العكس، أن المهمة صعبة وعسيرة تستدعي صلابة وجَلداً وقسوة أحياناً، وليس إلى ذهن مشوش وغموض بالمواقف وحيرة بالاختيار بين السير بمحاذاة النهر أو ركوبه، ولأن السيد عادل عبد المهدي قارئ جيد للتاريخ ومطّلع على سيَر القادة والرؤساء، فإن الصورة قد تبدو واضحة أمامه، والطريق معروف المعالم، فالمرحلة تتطلب رجلاً لا يخشى المخاطر والمغامرة أحياناً، والمجازفة بجزء من العقلانية أحياناً أخرى، وهنا نشير باستذكار إلى نموذجين تاريخيين في الصفات المذكورة أعلاه لرجل المرحلة. أولهما حين واجه الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات عند خلافته للرئيس جمال عبد الناصر بالسلطة عام ١٩٧٠ مراكز قوى متنفذة وبارعة بالمناورة لكن الرجل تمكن منهم بعد ان أبدى صلابة وجرأة، والنموذج الثاني هو في عام ١٩٧٩ بينما كان الجيش الموالي لشاه إيران محمد رضا بهلوي يمسك بالسلطة ويفرض حالة الطوارئ ويتربع على رئاسة الوزارة شاهبور بختيار، طار السيد الخميني من باريس على طائرة الخطوط الجوية الفرنسية ليغط بنوم عميق في وسط السماء حتى بلغ طهران متحدياً كل المخاطر.
الإشارة للحادثتين التاريخيتين حصراً جاءت بوصفهما من التاريخ القريب، وربما تبدو الحالة العراقية صعبة في المعالجة والحلول، لكنها ليست مستحيلة أو عصية على الحل وميؤوس منها، فالمخاطرة والحزم والتصدي بصلابة هي الفاعل وليس القلق والحيرة والغموض، وفي الحالة العراقية أصبحت مهمة رئيس الوزراء أقل خطورة لعوامل عدة أهمها أن الروح الجماهيرية متلهفة لبروز قائد ورئيس وزراء يفعل شيئاً ما ويغير بقوة على مراكز الفساد واستعادة الدولة من سارقيها، وستضخ الروح الجماهيرية العطشى للعدالة والأمن والحياة الكريمة قوة عظيمة إن تحرك الرئيس وتجاوز التردد واتخاذ القرار الصعب لتقف معه مساندة داعمة، لكن حيرة الرئيس البادية بوضوح بحركة عضلات وجهه ويديه وجسده وقلقه الظاهر من أحاديثه الخافتة تصيب روح الجماهير بالحيرة والقلق والتساؤل عن معنى الغموض وعن ساعة الصفر التي يُنتظر أن تُزف.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0