تهذيب الخطاب اليومي

عين نيوز

 0
تهذيب الخطاب اليومي
بدون وصف


ياسين طه حافظ

أدرك لا دقة العنوان، لكني لم أجد أسهل منه صحفياً فاخترته، ذلك أني لا اتحدث في اللسانيات ولا في الكتابة الأدبية، وإذ أقول في أخلاقيات الخطاب اليومي، احس بتردد ما، اشك بدقة العبارة لكني أريدها لأنها تكشف ما أريد إثارته وأقول كلمة فيه.
نحن نعيش في بيئة اجتماعية ولنا ظروف عيش كما لنا إرث تاريخي لم يسهل التحرر بعد من كل سلبياته. والحاضر بمتطلباته الجديدة يلح علينا بالتحرر مما كان، فنشهد الاشتباك بينهما واضحاً في السلوك اليومي. المشكلة المضافة الأخرى ان زماننا وثقافتنا يفرضان قيمهما الجديدة ونحن نتخذ منهما ما يمنحنا تحضراً وظاهراً للفخر والمباهاة.
هذا واقع وكل حراكنا ضمن هذه الشبكة من المتباينات. الحاجة إذاً إلى أخلاقيات حاكمة حاجة لازمة قبل الدخول في الفوضى. كيف بعد نواجه سلبيات الدولة والاحزاب الحاكمة والشخوص اللاعبين في الميدان العملي؟
لسنا في أزمنة الثورات الكواسح ولا اظن زمناً كذلك آتياً. هو زمن التعاون على التغيير والاصلاح، واضحة العوارض الصلبة الكبيرة من موروثات ثقافية وتملك او استحواذات على خزائن وسلاح وهذا يعني اتباعاً وانصاراً ومدافعين ومتكسبين آنيين وفورة حماسات. رصد المثالب والعيوب في السياسة والإدارة وعموم سلوك المتنفذين من قادة وبطانات، يثير غيضاً واستياءً بالتأكيد، وأن ترفض وتغضب وتحتج وتستاء، ذلك كله حق. وحق أن تقول ضد الخطأ، ضد الخروج على القوانين ومواد الدستور، ضد استغلال المواقع الإدارية أو المكانة السياسية والاجتماعية أقول، ضد تلك الأهداف لا ضد بيئاتهم وانتماءاتهم والسلالات التي انحدروا منها ولا من مذاهبهم ومعتقداتهم. فلا يجوز تحويل مؤشر الهجوم من الفعل إلى معتقد صاحبه أو إلى عائلته وسلالته وحتى إلى من يحترمه وينتمي إليه، بل يصل أحياناً إلى لغته وأمته! في هذا انتقال فاجع في المستوى. هو حضيض الشارع واللاتهذيب وافتقاد كامل الحكمة والأدب في الخطاب. اختلف معه، استنكر فعله، رأيه، سلوكه. هذا حقك وهذا ما يجب إن كان رأيه ضاراً وسلوكه مشيناً أو كان لفعله سوء اثر في الناس أو في الوطن أو في الحياة اليومية للناس من حوله. ولكن ما بالك وعائلته؟ ثمة عوائل وجبهة محترمة، واسماء تحمل قدسية موروثة من سلف صالح آهل بالصواب والحكمة ونهوا عن الخطأ والجريمة ودافعوا عن حقوق الناس ضد طغاتهم أو سراقهم أو الضالين. هي أسر كريمة لها دور فاعل وحضور كريم في حياة الناس الاجتماعية من قبل وقد يكون لهم مقام أخلاقي موضع احترام اليوم. أسر كريمة ووجيهة نفعت المجتمع في تحوله المدني وكانوا امثلة كريمة صالحه في السلوك واللباس والرحمة وعمل الخير. ثم من قال برضا اولئك عمن يسيء من ابنائهم أو أقاربهم اليوم؟
قد لا يرضينا أحد منهم، في موقفه السياسي، في عيب سلوكي أو ممارسة لا نرتضيها. ليكن خطابك بغضب لكن بأدب ولشخصه هو لا تتجاوز ذلك إلى ارومته أو إلى مذهبه أو سلالته أو دينه أو ملته. نطلب الحسن بكلام حسن ولنعدل سوء السلوك بانموذج سلوكي ناضج وخير. لا بالزعيق والكلام البذيء والتعابير الفاحشة وتجاوزه إلى سلفه ومعتقده أو بلده.
كنا قبل أشهر كتبنا مقالة بعنوان الثلاثية المقدسة وهي اللغة والدين والأمة، وأدنّا من يشتمها ونهينا عن ذلك. هي ركائز أمة وميراثها وما تعيش به وبظلاله وإلاّ ، فماذا سيبقى لمجتمع نسقط مضمونه القِيَمي وعوائله الوجيهة المقتدى بها ومعتقداته وشعائره؟ معنى هذا إننا نفرغ المجتمع من مقوماته ومن محتواه الاجتماعي وميراثه، وسيبقى بعد افتقادها فراغ مخيف...
الغرض من المجابهة هو التحول إلى الأحسن. إذن نحن بصدد قصدية التطور وكل يرى السبيل الأقوم أو الأسلم لذلك. وإحدى نظريات التطور تقوم على الثنائية dualism، ثنائية الخير والشر إذن نحن بإزاء إشكال فكري اساساً. والاشكالات الفكرية قد تتحول إلى اشكالات أخلاقية، حسناً إذن نحن –عند سلامة القصد- لسنا عدوين، نحن راغبان بالتطور. قد نفيد من حالات التوازي والتشابه، ما دامت تجمعنا، عند سلامة القصد غائية، لا إقتحامية إزاحة. إن تفاقم فوضى الألفاظ والتعابير (وثمة من يريد هذا ويحرض عليه)، يلغي الاتجاه الفكري الفلسفي ويمسخ الأسلوب الأخلاقي للوصول. وهذا للأسف يؤدي بالمستائين الانفعاليين إلى السقوط في التخلف الاجتماعي، فيترك العقل والأخلاقيات إلى التهور ونشر البذاءات مما يقلل اصلاً من خطورة الفعل المدان. هؤلاء إذن تركوا الثقافة والفكر وقيم الاحترام المجتمعية. وفي حال كهذه لا نرى فناً ولا علماً ولا فلسفة ولا عقيدة صادقة، بل خصومات هابطة وتلفاً أخلاقاً وعامية يقرف منها الفكر والثقافة والمدنية. افتقاد القدرة على احترام افكار الغير يعني بالضرورة افتقاد القدرة على الاحتفاظ بأي أخلاقية ترتضيها مدنية العصر والتواجد المنوّع للأفكار... أما رفض الخطأ والوقوف ضده، فبالصواب وبالمنطق وبأخلاق المحاججة وروح العلم.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0