تارةً أخرى ..المشايخ وثقافة ما قبل الدولة
عين نيوز

ناصر الحجاج
يمكن القول إن الوضع الاجتماعي العراقي بعد 2003 يُعدّ من أغرب الحزورات الثقافية، إذ لم يستطع العراقيون بناء دولتهم حتى بعد مرور أكثر من 15 عاماً على التخلص من نظام صدام الديكتاتوري، في عصر يشهد فيه العالم ثورة معرفية وتكنولوجية سهّلت على الشعوب بناء الدولة، وإنشاء المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وصار باستطاعة أي وزارة أن تختصر نصف عملها في تطبيق App ينجز من خلاله المواطنون معاملاتهم الرسمية والتجارية.
ويبدو أن ثقافة ما قبل الدولة المتمثلة باللجوء إلى العشيرة بدلاً من اللجوء إلى المحاكم لفض الخصومات، وثقافة اللجوء إلى مقام شريفة بنت الحسن طلباً للشفاء وتحقيق الأحلام بدلاً من الذهاب إلى المدارس والمستشفيات، بل وثقافة اللجوء إلى تسليح المدنيين لصد العدوان الداعشي المسلح بدلاً من تقوية الوزارات الأمنية الرسمية، وتحميلها المسؤولية للقيام بدورها الرسمي الذي وجدت لأجله في الدفاع عن المدنيين، يبدو أن كل تلك الثقافات كان وراءها دفع ديني (عقائدي) يتمثل في ما يضخّه الروزخونية (الروضخونية: قرّاء كتاب "روضة الشهداء" لحسين الكاشفي ـ مرتضى مطهري) من ثقافة البداوة التي ترفض الرقي الحضاري علناً، وتمنع من قيام الدولة المدنية، لأن سوء الحال، في الفقر والمرض والجهل، والعبودية (ضد الحرية) بل والانتصار للحق لا يمكن مقاومتها بأدوات الدنيا، إلا من خلال شيخ العشيرة، وشيخ الدين (اللفظ يعني وحدة المصدر والهدف) ولهذا فإن سبب خسارة الإمام الحسين في معركة كربلاء في مقياس هذين الشيخين هو كونه بلا عشيرة (الكل منهم عليه شالته الغيرة، بس ظلّوا الما عدهم عشيرة ـ المقتل الحسيني).
ومن حسن حظ (وتخطيط) شيخ العشيرة وشيخ الدين أن هدم قوات التحالف الدولي لنظام صدام، لم يطلهما ولا نال من الثقافة التي تُشيّخهما، مع أنها ثقافة مضادة للتحدّي الديمقراطي المتمثل في إنشاء نظام قائم على الليبرالية (فلسفة الحرية)، فركب هذان الشيخان ظهر الديمقراطية واستعملا أدواتها للسيطرة الرسمية على مقدرات العراق وشؤون العراقيين، فكتبا ديباجة الدستور على أساس ديني، وشجعا الشارع للانتخاب على أساس ديني ـ عشائري، وتعهد شيوخ "العشاير" للطبقة السياسية المدعومة دينياً بأن أصوات أبناء العشيرة وبناتها ستكون "بخدمة" المذهب والطائفة وخدمة ممثليها السياسيين.
تشكلت المرجعية العشائرية والدينية في العراق في ظروف طغيان الثقافة البدوية، أي في عصور ما قبل الدولة، وبقيت ملاذاً للناس يُلجأ إليه في الخصومات بديلاً عن القضاء في غياب المؤسسة الرسمية للدولة. ومن اللافت أن هاتين المؤسستين كانتا اللبنة الأساس التي أعطت الشرعية لبناء الدولة العراقية بيد الإنكليز عام 1921 عن طريق المس غرترود بيل (يسميها العراقيون العلوية) التي أخذ التفويض من شيوخ العشائر (طبقة الشيوخ الملاكين فيما بعد) ومن رجال الدين وبخاصة في النجف.
ينبغي الآن، لأجل التأسيس لكيان الدولة العراقية، إيقاف شيوخ الدين وشيوخ العشاير من التثقيف ضد قيام الدولة، ويجب منعهم من إعاقة عمل القضاء والمحاكم وعرقلة العدالة من أخذ مجراها، بل ويجب تجريم من يستخدم قواه العشائرية للأخذ بالثأر، أو للتهديد والابتزاز بقوة العشيرة، أو بقوة المرجعية الدينية لأجل مكاسب مالية وسياسية، وأن يقدَّم إلى القضاء على أنه يعرقل قيام الدولة بواجباتها في بسط الأمن وإشاعة الحرية والرفاهية في البيئة العراقية.
على المعنيين بثقافة الحرية، وثقافة قيام الدولة الليبرالية أن يقوموا بدورهم الإعلامي والتثقيفي لتوعية العراقيين بما أسس له (الشيخان) من بيئة ظالمة فاسدة يضيع فيها حق الضعيف، ويتمادى فيها المجرم المحتمي بعشيرته، فلقد دفع الشعب ثمناً باهظاً من الدماء والثروات.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





