المعذبون في أوطانهم

عين نيوز

 0
المعذبون في أوطانهم
بدون وصف

حسن تركي

لست أدري كيف تروق لنا هذه الحياة ونحن لا نذوق فيها إلا مرارة العيش؟.. لماذا نتمسك بالعيش فيها بهذا الشغف وهي تمقتنا كما يمقت زوج الأم ربيبه؟... من أين يأتينا الأمل في أن الغد سيكون أفضل ونحن على يقين من أن القادم أسوء؟

أول ما سيتبادر إلى ذهن من سيقرأ هذه التساؤلات أنني شخص متشائم، لا يعرف قيمة الحياة ولا يدرك معنى النعم، ربما قد أكون متشائما بعض الشيء، لكنني في تساؤلاتي هاته لا أقوم سوى بقراءة الواقع كما هو لا كما أحلم به، ولا كما يعكسه الرئيس في خطاباته، ولا كما ينمقه المتملقون للسلطة، ولا كما يفعل الإمام في خطبته حين يجعلنا نتأرجح بين تاريخ دنيوي عظيم وحياة أخروية سننعم فيها بجنات النعيم...

نحن شعوب أنهكتها نظم الحكم واستبدّ بها قادتها المسيرون من وراء البحار، مجتمعات أُصيبت بهزال اجتماعي ووهن وجودي حتى صارت تقاد كقطيع من الغنم ، لست أدري ألأننا مسحورون، مغلوبون على أمرنا، أم لأن الذل والهوان أصبحا صديقين حميمين لنا في حياتنا، لا نقوى على فراقهما أم أن عزائمنا لا تهوى الهمم...؟

نحمل الدين شعارات فوق ظهورنا ولافتات أمام جباهنا ونحن لا ندري أن عوارتنا قد تكشّفت، وسوءاتنا قد بدت نشازا للناظرين. فنحن من نُصفِّق بحماس للمسؤول لا لكفاءته ولعدله، أو لتميزه ونبله، بل لسفاهته وفساده، طمعا منا في أن ننال رضاه أو ينالنا نصيب من فساده ونهبه...نحن من ننتخب العيّ والجاهل، ونحن على يقين من أنه أجبن من أن يطرد الذباب على وجهه، لا لأن السلاح موجه صوب رؤوسنا بل لأن سطوة القبيلة والعشيرة لا زالت قابعة فينا...نحن من نصغي بعواطفنا لخطابات القادة السياسيين الذين يتلكئون في الكلام ويخطبون وهم نيام، وحين يكملون القراءة نصفق لهم بكل احترام، ثم نصنع من روثهم الذي يخرج من أفواههم آلهة نتقرب بها زلفى لمقاماتهم التي ينصبونها في مناطق البؤس والضياع لعلنا نحظى بنصيب من كراماتهم أو لعلنا نشعر بنعيم الشقاء...

نحن من نردّ كل هزائمنا وخيباتنا وضعفنا للقدر، نرضى بظلم الظالم، وفساد الفاسد، ثم نتضرع إلى الله في جمعاتنا طالبينا أن يعينه على فساده وظلمنا....نحن من نعطّل العقل ونطلق العنان للعواطف ونفضل أن نهيم في بحر من الخيالات، ونهدم صوامع العلم ونبنى بدلها جبالا من الأوهام الخرافات...نحن من لا زلنا نقدس الأشخاص بل ونعبد أناسا نتوهم أنهم يمتلكون سلط دينية أو مدنية أو غيبية، ونتوسل منهم النجاة والخلاص...نحن من عجز عن ضبطهم النظام وأخفقت في ترويضهم كل القوانين، لكننا ضعفاء مشلولون أمام من ينهب ثرواتنا ويسلبنا حرياتنا ويزيف واقعنا ويتلاعب بعقولنا...عشنا عقودا من الزمن ننتظر من كذب القادة السياسيين أن يتحول إلى حقيقة، ننتظر من كرامات أولياء الله الصالحين التي يتبرك بها الساسة والمجرمين، أن تشملنا ببركاتها وتحفظنا رعايتها من  الجان والشياطين، وتحفظ قادتنا وحكامنا من كيد الأعداء والحاسدين...

نستميت في الصراعات الطائفية والقبلية والعشائرية التي تؤجهها الضغينة والأحقاد، ونقبل برحابة وسعة صدر، بل ونؤازر الأنظمة الدكتاتورية المستبدة التي تقمعنا وتسلبنا حرياتنا، وتنهب ثرواتنا ونحن على يقين أنها لن ترضى عنا إلا إذا اتبعنا ملتها وأعلنا الولاء الخضوع لها.

نحن من نخشى من مس الشياطين أو أن يتلبسنا الجان، ونهرع طالبين  المعونة وراجينا الشفاء من راق أو مشعوذ أو محتال، لكننا نقف عاجزين أمام الصرع الإنسي، نضعف ونستسلم أمام تجبّر الطغاة، وظلم الحكام، وفساد المسؤولين. تعلمنا من خلال التنشئة الاجتماعية أن ظلم الحكام قدر يجب أن نستسلم له ونسلم أمرنا لله، أما المسّ الشيطاني وتلبسّ الجان لأجسامنا فاعتداء يستوجب التصدي له ومحاربته. ثم ما فائدة هذه الأجسام والعقول التي يتلبسّها  الجان ونسعى لتحريرها من أجل أن تستسلم لطغيان الحكام وجبروت أولياء الأمر...

نحن من نخوض مسارا دراسيا لأكثر من عقدين من الزمن نحتفي فيه بحصولنا على شهادات دراسية، لكننا في الختام نعود إلى الحضيرة نرعى ونأكل كما يفعل القطيع. دروس نحفظها وعلوم نتلقاها ومعارف نتشربها لكي نزيد من تكريس واقعنا المرير ونحرص على المحافظة على الوضع القائم الذي لا يزيدنا ألا هزالا وضعفا، بل ونقاوم ونحارب كل جديد يسعى إلى تغيير واقعنا، فكل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة، فالويل كل الويل للمبتدعين الضالين الذين يتجرؤون على رؤية الواقع من غير الزاوية التي ينظر من خلالها أولي الأمر والنهي، لأن تغيرنا لزاوية النظر سيجعلنا نستفيق من غفوتنا فندرك أننا لم نكن إلا كالأنعام، لا، بل أضل سبيلا...

نحن من يؤمن بالمساواة، عفوا، بالتماثل والتشابه الذي يحكم مجتمع القطيع، فإننا نحسد المتفوق ونحارب المتميز ونسدّ الطريق أمام الكفؤ والمقتدر، فقط لأننا لا نؤمن بالاختلاف..نتباهى بالمتفوقين من جلدتنا في بلاد الغرب لكن لو كانوا بيننا لسحقناهم، لأننا في دواخلنا عجزنا عن كسر القيود التي تحررنا فأبينا أن يحررنا الآخرون. عٌقد كثيرة تمنعنا من أن نتغير من الداخل فنكره أن يأتينا التغيير من الخارج.

نعيش على القصص البطولية للأجداد والأسلاف، نتشدق بمآثرهم وحكاياتهم التي تتراوح بين الكرامات والمواقف البطولية، في الوقت الذي نعيش فيه واقعا مفارقا لما يٌروى لنا وما نرويه من حكايات، وحين ندرك أن ما بين واقعنا وما عاشه أسلافنا كالذي بين السماء والأرض، نحاول أن نتدارك هذه الفجوة بتعظيم وتضخيم الأنا الراهن فنعاني من غربتين، غربة اجتماعية عن واقعنا وغربة  نفسية عن هويتنا، فلا نحن استطعنا أن نتصالح مع ذواتنا فنرضى بواقعنا ونتعايش مع مكوناته، ولا استطعنا أن نخرج من دواتنا ونسكن ذوات أسلافنا، أي أن نستعيد الزمن بتاريخه وأحداثه وأن نرجع بالحاضر إلى الوراء.

 نهرب من واقعنا ونتحاشى مواجهته، ونركن إلى الزوايا المظلمة في حياتنا لنعيش في عالم من الأحلام وهرطقات تفسيرها، فنبحث بلا كلل عن تفسيري لحلم ونترك أشغالنا وواجباتنا التي نتظاهر يوميا أننا نؤديها، ثم نعاتب الآخرين الذي يتماطلون ويقصّرون في أداء وظائفهم..

لن نستطيع أن نرى نور فجر الحرية أبدا ما دامت عقولنا أسيرة لأفكار ومعتقدات عفا عليها الزمن، ولن نلحق بركب الحضارة أبدا ما دمنا سجناء البنى التقليدية والقوالب التفكيرية الصلبة والمتحجرة، ولن يستقيم حالنا  ما دامت أنظمة الحكم لدينا تأبى أن تتخلى عن جلباب الشمولية والدكتاتورية والتسلط.

إذا كان التشبث بالحياة هو غريزة فطرية فلماذا لا نتشبث بحياة أفضل، ولماذا لا نسعى لأن تكون حياتنا أحسن مما هي عليه وواقعنا أرقى وأسعد ؟ لماذا لا نرنو لعيشة تصان فيها كرامتنا ؟ لست أريد بهذا أن أدعو الناس إلى اليأس ولا إلى العزلة الاجتماعية، إنما أريد منهم أن يروا الواقع كما هو، هذا الواقع المرير الذي تغتصب فيه الحريات، وينعدم فيه العيش الكريم، ويٌقصى فيه المتميزون ويُهمش فيه المتفوقون، ويَحكم فيه الجهلة والفاسدون، هؤلاء الذين يجتهدون في كل أساليب التغريب والتغييب وفي كل أنواع القهر والاستبداد، المستترة منها والعلنية، هذا الواقع الذي بات زيفه أعظم من حقيقته وتحول فيه الفرد الذي يمتلك نصيبا من الوعي إلى لامنتمي وغريب. فنحن الذين نتباهى بأننا طردنا الاستعمار من أوطاننا، نعيش، من حيث لا ندري، عيشة المعذبين في أوطانهم.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0