الفلسفة الظاهراتية بين الفينومين والنومين
عين نيوز
د. جميل حمداوي
لقد انصب اهتمام الظاهراتية (phénoménologie) على دراسة الظواهر (الفينومين)، ولاسيما المدركة منها عن طريق الوعي أو الشعور في الزمان والمكان، أو دراسة تجارب الذات الإنسانية المعاشة في هذا العالم المشترك و المدرك في علاقة وثيقة بالغير أو الآخر، أو البحث في محتويات الشعور ومضامين الوعي, ويعني هذا أن الظاهراتية لاتدرس النومين الذي تحدث عنه إيمانويل كانط، والذي يتمثل في معرفة الله، وبداية العالم، ودراسة النفس أو الروح الإنسانية, لأن هذا سيخرجها عن نطاقها العلمي الموضوعي الصارم والدقيق, ومن هنا، ترفض الظاهراتية الاشتغال الميتافيزيقي, وبالتالي، لا يهمها سوى إدراك الوجود الظاهري، أو ما يبقى في الذاكرة الإدراكية من مدركات راسخة, لذلك، تنكر هذه الفلسفة كل الأشياء التي لايمكن إدراكها وجوديا.
نشأة الفلسفة الظاهراتية
ارتبطت فلسفة الظواهر بالفيلسوف الألماني إدموند هوسرل(Edmund Husserl)(1859-1938م)، وقد كان رياضيا في بداية الأمر, إذ نشر كتابا بعنوان (فلسفة الحساب) سنة 1891م، وقد قادته الرياضيات إلى الفلسفة كما كان شأن كثيرين من المحدثين، فقد استوقف نظره دقة الرياضيات ومتانتها واتفاق العقول عليها، بينما العقول مختلفة على النظريات الفلسفية وعلى منهج معالجتها، فأراد أن يجد للفلسفة أساسا لايتطرق إليه الشك، ويسمح بإقامتها علما بمعنى الكلمة أي برهانيا، وتوسل إلى غرضه باصطناع فكرة القصد كما بينها فانتز برانتانو(1838-1917م)، وشرع يبني مذهبه، فنشر كتابا (في المنطق) في مجلدين (1900-1901) وكتابا (في الفينومنولوجيا) (1913)، وآخر في الموضوع نفسه (1928)، و(تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومنولوجيا)(1931) وهو مجموعة محاضرات ألقاها في السوربون.
ومن هنا، فقد ظهرت الفلسفة الفينومنولوجية في بداية القرن العشرين بألمانيا، بعد أن أرسى دعائمها النظرية الفيلسوف الظاهراتي إدموند هوسرل, وقد انتعشت جامعات ميونيخ وكوتينجان بتأسيس مختبرات علمية تعنى بالفسلفة الظاهراتية في منحاها العلمي والرياضي والموضوعي.
مفهوم الفلسفة الظاهراتية
تعنى الفلسفة الظاهراتية بدراسة الوجود في ظاهره، دون النفاذ إلى باطنه وعمقه، أو البحث عن علله ومبادئه الأولى، أو رصد الأمور المجردة التي توجد ماوراء الطبيعة، بل تحاول الظاهراتية أن تنساق وراء البحث العلمي الطبيعي والرياضي, حيث تدرس الفلسفة وفق هذا المقترب الموضوعي الدقيق والصارم، وإن كانت الفلسفة بصفة عامة، والميتافيزيقا بصفة خاصة، تتنافى، بشكل ما، مع المقاربات العلمية والتجريبية بشكل كبير.
مبادىء فلسفة هوسرل
ترتكز فلسفة هوسرل الظاهراتية على مجموعة من المبادىء الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي:
1- القصدية: وتعني أنه لايمكن الحديث عن إدراك للذات بدون موضوع، فوعي الذات مقترن بالشيء أو التفكير في الموضوع الخارجي, ومن ثم، لا يمكن الحديث عن الأنا دون الغير، أو دون الواقع الخارجي الموضوعي, فالمقصدية هي المسؤولة عن ملء البياضات والفراغات بفهمها وتأويلها, وهنا، رد واضح على ديكارت الذي يقول: أنا أفكر، إذاً، أنا موجود. والصحيح: أنا أفكر في شيء مقصود، إذاً، أنا موجود.
كما رفض هوسرل تصور ديكارت القائم على الأنا المفكرة في انفصال تام عن موضوعها المعرفي, بمعنى أن الذات تفكر في موضوع ما, أي: ثمة قصدية تربط الذات بالموضوع المفكر فيه, وتعني القصدية أن كل وعي هو وعي بشيء، وكل فكرة هي فكرة عن شيء، وهكذا، لقد أخذ هوسرل على ديكارت قولته: أنا أفكر..." دون أن يذكر لنا في أي شيء يفكر، لأن الفكر بغير شيء يتعلق به ضرب من المحال.
2-الإدراك الظاهري: تهدف المقاربة الفينومينولوجية إلى إدراك الشيء أو الموضوع في ظاهره بطريقة علمية موضوعية، دون مساءلة الجواهر المجردة التي لايمكن إدراكها ظاهريا وعلميا, أي: تهتم فلسفة الظواهر بكيفية إدراك العالم أو الوجود بطريقة ظاهراتية علمية تجريبية, ومن ثم، فالفينومنولوجيا هي العلم الذي يدرس الظواهر التي تدركها الذات، أو يدركها الوعي أو الشعور، بفهمها وإدراكها ووصفها كما تظهر للذات الباحثة أو المتفلسفة.
3- تجاوز الميتافيزيقا وتخطيها: ترفض الفينومنولوجيا الميتافيزيقا التي تتعامل مع الظواهر المجردة والبعيدة عن إدراك الوعي أو الشعور, وبالتالي، فالمعرفة العلمية الحقيقية هي معرفة الجواهر الثابتة التي لاتتغير، كما يدركها - فعلا- الوعي أو الشعور، برصد بنياتها وتوصيفها، ولو باستخدام الحدس الذي يتعامل معها وفق منطق القرب، والتعاطف، والتعايش الظاهري.
4- ارتباط الذات بالموضوع: إذا كانت المدرسة الشعورية الذاتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو لتدفق المشاعر والأحاسيس والعواطف، وإذا كانت العقلانية الديكارتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو للأنا، أو للوعي، كما يبدو لنا ذلك جليا في الكوجيطو (أنا أفكر، إذاً، أنا موجود)، فإن الظاهراتية تقول بالشعور المستقل بمحتوى خارجي,أي: يرتبط الشعور بموضوع مدرك ما, فكل شعور هو أن يكون شعورا بشيء، أوشعورا بموضوع ما.
5- فلسفة الحضور: ويعني هذا حضور الذات في العالم عبر الجسد في الزمان والمكان، وعبر مجموعة من التجارب الإنسانية الذاتية والموضوعية المدركة, ومن هنا، فالحضور هو حضور الذات في العالم، وتأكيد الوجود الإنساني.
وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سلف ذكره، أن الظاهراتية قد اكتفت بدراسة الظاهر أو الفينومين بدل الاهتمام بالنومين الكانطي، وقد سعت جادة إلى مقاربة الفلسفة وفق مقترب علمي موضوعي، بتجاوز الميتافيزيقا وإنكارها وتخطيها، والاكتفاء بدراسة الظواهر المدركة عن طريق الحس والشعور دراسة علمية موضوعية, ومن ثم، لم تكتف الظاهراتية بالتصورات الفلسفية فقط، بل اهتمت كذلك بالسيكولوجيا, لذا، يصعب الفصل بين الفلسفة وعلم النفس الفينومنولوجيين, وبالتالي، تنتقد الظاهراتية كل التيارات والمدارس التي تتعامل مع الإنسان والعالم باعتبارهما أشياء موضوعية, ويعني هذا أن الظاهراتية ذاتية بشكل كبير، على الرغم من انفتاحها على العالم الخارجي الموضوعي.
وعلى الرغم من نجاعة هذه المقاربة في ربط الذات بالموضوع، وربط الوعي بالقصدية، فإن هذه المقاربة قد جنت كثيرا على الفلسفة عندما حاولت علمنتها وفق مقترب فيزيائي موضوعي دقيق وصارم، بإنكار الميتافيزيقا برمتها، والدعوة إلى تخطيها وتجاوزها وتعويضها بالعلم الظاهري الحسي, في حين، يعتبر الإنسان حيوانا ميتافيزيقيا بامتياز، لا يمكن أن يعيش بالظاهر دون الاهتمام بالغيبيات والروحيات، أو الانشغال بالقضايا الكونية والأنطولوجية والميتافيزيقية، بل أصبح العلم-اليوم-خاضعا للتصورات الميتافيزيقية، يدافع عنها بإخلاص، وصدق، واستماتة لا نظير لها.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





