الشاعر والوزير الروسي درجافين
عين نيوز

د. ضياء نافع
ولد غافريل درجافين عام 1743 وتوفي عام 1816 , أي إنه ابن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, وترتبط باسمه في تاريخ الادب الروسي – قبل كل شيء - قصائد ذات سمات ليريكية (عاطفية غنائية إنْ صحّت الترجمة ) تسمى باللغة الاغريقية القديمة - ( اودا ) , أي أن بلاد الاغريق ( اليونان) هي موطنها الاول , وأخذت لغات أخرى عديدة هذه التسمية من تلك اللغة كما هي , ومن بينها اللغة الروسية , وقد كانت المرحومة أ.د. حياة شرارة ترى ضرورة إدخال كلمة ( اودا) في مسيرة الترجمة العربية , إذ كانت تعتقد, أن ترجمتها بالعربية الى ( قصيدة عاطفية او عاطفية - غنائية) كما جاءت في بعض المصادر العربية - ترجمة غير ملائمة وغير موفقة بتاتاً وغيردقيقة لهذا النتاج الابداعي المتميّز, وهي وجهة نظر تستحق التأمّل بلا شك ( إذ إننا نقول الآن بالعربية وبشكل طبيعي جداً – تراجيدياً او كوميدياً مثلا رغم وجود كلمتي مأساة أو ملهاة), وقد كنّا نؤيد بشكل عام في قسم اللغة الروسية آنذاك رأي د. حياة هذا, وكنّا نقول , إن ترجمة - ( قصيدة عاطفية) لتلك القصيدة لا يعكس فعلا المعنى المحدد لكلمة - ( الاودا ) كما هي بالروسية , ولكننا لم نصل – مع ذلك – الى قرار واضح وحاسم و نهائي حول ذلك , إذ تشير معاجم المصطلحات الأدبية الروسية , الى أن الاودا هي قصيدة مديح أو تمجيد لبطل أو شخصية بارزة متميّزة أو حدث تاريخي محدد , وإنها تمتلك عدة معانٍ في آن , منها معنى ( أغنية أو إنشودة ) , وكانت تصاحبها بعض الأحيان حتى موسيقى عند تقديمها لدى الاغريق والرومان , ولهذا تطلق بعض المصادر الروسية صفة ( الشعر الغنائي) على قصائد الاودا .
ظهرت قصائد الاودا في مسيرة الأدب الروسي بالقرن الثامن عشر , وبالذات عند لامانوسوف ( حسب قواعد التلفظ الروسي, ولومونوسوف حسب الكتابة) , الذي ساهم بشكل إبداعي وطليعي في الكثير من مجالات الحياة الفكرية المتشعبة , بما فيها اللغة الروسية وآدابها ( انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها ) , ولكن هذا النوع من القصائد , اي ( الاودا) ارتبط مع اسم درجافين بشكل دقيق وحاسم, وقد ابتدأ بكتابتها ونشرها منذ عام 1773 فصاعدا حيث ظهرت قصائده العديدة تلك تباعا , وهكذا أصبحت الاودا شائعة في الأدب الروسي على يد درجافين لدرجة , إنه كتب كلمات أول نشيد وطني للامبراطورية الروسية .
كل المصادر الروسية التي تناولت القرن الثامن عشر أشارت , إلى أن درجافين عاش حياة غير اعتيادية , إذ إنه ابتدأ عسكرياً , ثم أخذ يشغل مناصب ادارية رفيعة , منها , إنه كان محافظاً لعدة مدن روسيّة مهمة , ثم اصبح سكرتيراً لمكتب القيصر , ثم وزيراً للخزانة , وكان آخر منصب له هو وزير العدل في الامبراطورية الروسية , وطوال هذه الفترة التي شغل فيها تلك المناصب الرفيعة, استمر درجافين بكتابة قصائد الاودا , والمساهمة في الحياة الثقافية الروسية , وكان بيته مكانا يلتقي فيه الأدباء الروس , ويتحدثون عن الحياة الأدبية في روسيا ونشاطاتهم ومساهماتهم الثقافية في مسيرتها , وكان هذا اللقاء يتم شهرياً , وليس عبثاً , إن هذا اللقاء الشهري في بيت درجافين بالذات قد تحوّل بعدئذ وبالتدريج الى جمعية ثقافية تحمل تسمية طريفة وغير اعتيادية, وهي - ( حديث محبّي الكلمة الروسية ) , والتي يمكن القول , إن درجافين كان واقعياً مؤسسها ورئيسها , وهي جمعية كانت تضم نخبة من المثقفين و الادباء الروس في ذلك الزمن البعيد , ولعبت دوراً متميّزاً في نشر الأدب الروسي في المجتمع آنذاك .
من الوقائع المشهورة في تاريخ الأدب الروسي , والمرتبطة بسيرة حياة درجافين , هي إنه قد حضر عام 1815 ( أي قبل سنة واحدة من وفاته) حفل التخرّج , الذي أقامته الليتسيه ( المدرسة التي كان يدرس فيها بوشكين) , وقد ألقى بوشكين عندها ( كان عمره 16 سنة) إحدى قصائده , وقد انتبه درجافين الى موهبة هذا الصبي اليافع وتوقع له مستقبلاً لامعاً في الشعر , وهذا بالضبط ما حدث في مسيرة الأدب الروسي كما هو معروف , وكان بوشكين يفخر بتلك الحادثة , وكتب لاحقاً في روايته الشعرية الشهيرة ( يفغيني أونيغين) مقطعاً طريفاً حول هذه الحادثة , ولازالت كلمات بوشكين معروفة لدى الروس عن درجافين , إذ إنها تعبّر فعلاً عن روحية بوشكين وخصائص شعره الجميل و البسيط والواضح والمرح والمحدد والدقيق , والترجمة الحرفية لهذ المقطع في رواية ( يفغيني اونيغين ) هي كما يأتي–
العجوز درجافين لاحظنا,
و ذاهب هو الى القبر
باركنا ..
وقد كتب أحد القراء الروس , مرّة , تعليقاً طريفاً حول هذا المقطع الذي كتبه بوشكين في روايته , و قال فيه , إن درجافين توقع بشكل صحيح مستقبل بوشكين عندما رآه لاول مرة, وان بوشكين توقع أيضاً بشكل صحيح مستقبل درجافين عندما رآه لأول مرة...
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





