البقيع الغرقد
عين نيوز
إعداد محمد كاظم
حظيت مقبرةُ البقيع باهتمام كبير في زمن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، فقد أراد االلهُ (عزَّ وجلَّ) بأن تكون مقبرة البقيع لأهل المدينة، وأمر نبيَّه المصطفى (صلَّى اللهُ عليه واله وسلَّم) بالدعاء والاستغفار لأهله، فقد كان (صلَّى اللهُ عليه واله وسلَّم) يخرج ليلاً ليدعو ويستغفر لأهل البقيع، ويسلِّم عليهم، وقد دُفن في هذا البقيع عدد كبير من الصحابة، وأهل البيت (عليهم السلام).
في زمن التحالف الذي حصل بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وتشكيل الدولة السعودية الأولى (المعروفة أيضًا باسم إمارة الدرعية)، أصبحت معظم نجد تحت سيطرة ابن سعود بحلول الوقت الذي توفي فيه محمد بن سعود في عام 1765.
وبحلول عام 1806، كان الحجاز، بما في ذلك مكة والمدينة، تحت سيطرة آل سعود، وكان حينها التوسع الذي حققته الحركة الوهابية على حساب الدولة العثمانية التي فقدت سيطرتها على اغلب مناطق شبه الجزيرة العربية، فأرسلت الإمبراطورية العثمانية جيوشها وهزمت أول دولة سعودية في الحرب العثمانية الوهابية (1811-1818)، وبعد سنوات في 1924-1925، استعادت عشيرة سعود السيطرة على الحجاز وتشكلت مملكة الحجاز ونجد تحت حكم عبد العزيز بن سعود.
حاول الوهابيون وال سعود تنفيذ عملية الهدم في سياق ديني قانوني لأنهم اعتبروا الأضرحة شكل من أشكال (عبادة الأصنام) ويعتقدون أن وضع علامات على القبور هو بدعة، بناءً على تفسيرهم للآيات القرآنية المتعلقة بالقبور والمزارات، لقد استخلصوا من قصة العجل الذهبي الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، حيث صنع اليهود الأصنام وصلوا لهم مما تسبب في غضب الله.
سبب التسمية ؟
بقيع الغرقد: أصل البقيع في اللغة: الموضع الذي فيه أُرم الشجر من ضروب شتى، والغرقد: كبار العوسج ، فلذا سُمّي ببقيع الغرقد لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ولكنه قطع !!
أول من دفن بالبقيع الغرقد؟
أول من دفن فيه من المسلمين هو أسعد بن زرارة الأنصاري وكان من الأنصار، ثم دفن بعده الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، وهو أول من دفن فيه من المسلمين المهاجرين، وقد شارك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه في دفنه، ثم دفن إلى جانبه إبراهيم بن الرسول (صلى الله عليه وآله) ولذلك رغب المسلمون فيها وقطعوا الأشجار ليستخدموا المكان للدفن.
جاء في كتاب البقيع الغرقد: ابتدئ الدفن في جنة البقيع منذ زمان النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وأحياناً كان الرسول (صلى الله عليه وآله) بنفسه يُعلّم على قبر المدفون بعلامة، ثم بنيت قباب وأضرحة على جملةٍ من القبور من قبل المؤمنين وبأمر من العلماء، كما كان البناء على قبور الأولياء معتاداً منذ ذلك الزمان، فكانت عشرات منها في المدينة المنورة ومكة المكرمة وحولهما.
الرسول وإهتمامه بموتى بقيع الغرقد ؟
أصبح البقيع في أرض المدينة المنورة مَدفناً لعدد من عظماء المسلمين , وأئمتهم , وأعلام الأنصار والمهاجرين , وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقصد البقيع , يؤمه كلما مات أحد من الصحابة ليصلي عليه ويحضر دفنه، ويزور البقيع في أوقات أخرى ليناجي الأموات من أصحابه، وحدّث محمد بن عيسى بن خالد عن عوسجة قال: " كنت أدعو ليله إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي الباب , فمر بي جعفر بن محمد – يعني الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام – فقال لي أعن أثر وقفت هاهنا ؟
قلت لا , قال هذا موقف نبي الله (صلى الله عليه واله) بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع، لذلك كبُر شأن البقيع وكثر رُواده بقصد الدعاء والاستغفار أو التسلية , طبقاً للحديث الوارد( إذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة القبور ).
حتى أصبح ملتقى الجماعات , وأشبه ما يكون بالمنتدى والمجلس العام والظاهر أن هذه المقبرة ظلت عامرة بأضرحتها وأبنيتها الضخمة والقُباب القائمة على مدافن المشاهير والأعلام , حتى يوم هدمها.
لماذا هدم الوهابيون قبور البقيع الغرقد؟
يعتقد الوهابيون على خلاف جمهور المسلمين أن زيارة وتعظيم قبور الأنبياء وأئمة أهل البيت عبادة لأصحاب هذه القبور وشرك بالله يستحق معظمها القتل وإهدار الدم!!
ولم يتحفظ الوهابيون في تبيان آرائهم، بل شرعوا بتطبيقها على الجمهور الأعظم من المسلمين بقوة الحديد والنار.. فكانت المجازر التي لم تسلم منها بقعة في العالم الإسلامي طالتها أيديهم، من العراق والشام وحتى البحر العربي جنوبا والأحمر والخليج غربا وشرقا.
ولقد نصب الحقد الوهابي في كل مكان أراذل المنافقين ليسيطروا على هذه العادات التي أمرنا الرسول الأعظم بإتباعها، حتى وصل بهم الحقد لهدم قبور الصحابة وخيرة التابعين وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) الذين طهرهم الله من الرجس تطهيرا..
وكانت المدينتان المقدستان (مكة والمدينة) ولكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرضا لهذه المحنة العصيبة، التي أدمت قلوب المسلمين وقطعتهم عن تراثهم وماضيهم التليد، وكان من ذلك هدم البقيع الغرقد بما فيه من قباب طاهرة لذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وخيرة أصحابه وزوجاته وكبار شخصيات المسلمين.
الوهابيون قد قاموا بتهديم قبور البقيع مرتين في التاريخ المشؤوم:
الوهابيون وكما هو معروف قد ورثوا الحقد الدفين ضد الحضارة الإسلامية من أسلافهم الطغاة والخوارج فكانوا المثال الصادق للجهل والظلم والفساد فقاموا بتهديم قبور بقيع الغرقد مرتين:
الأولى عام 1220هـ كانت الجريمة التي لا تنسى، عند قيام الدولة السعودية الأولى حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع وذلك عام 1220 هـ وعندما سقطت الدولة بيد العثمانيين أعاد المسلمون بناءها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القباب والمساجد بشكل فني رائع حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين بعد أن ولى خط الوهابيين لحين من الوقت.
الهدم الثاني الثاني: عام 1344هـ
عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344هـ وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار عليهم السلام وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوى من وعّاظهم. فأصبح البقيع وذلك المزار المهيب قاعاً صفصفا لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه.
كيف تمكن الوهابيون من تحقيق مآربهم في هدم البقيع الغرقد؟
بعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام 1344 هـ ، بدؤوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع، ومحو آثار أهل البيت ( عليهم السلام ) والصحابة، وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز، وفي عامّة البلاد الإسلامية، وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة، استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حُرمة البناء على القبور، فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم، وتحت التهديد والترهيب وقع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور، تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء.
واستناداً لهذا الجواب اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين ـ وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ـ فتسارعت قوى الشرك والوهابيّة إلى هدم قبور آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام 1344 هـ ـ فهدّموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع، وسوّوها بالأرض، وشوّهوا محاسنها، وتركوها معرضاً لوطئ الأقدام، ودوس الكلاب والدواب ونهبت كل ما كان في ذلك الحرم المقدّس من فرش وهدايا، وآثار قيّمة وغيرها، وحَوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.
هل أقر القرآن الكريم أمر البناء على القبور أم لا؟!
لو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدثنا القرآن الكريم عن أصحاب الكهف حينما اكتشف أمرهم ـ بعد ثلاثمائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلبه على الكفر.
نرى انقسام الناس إلى قسمين : قسم يقول : ( ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء المسجد على الكهف، كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى، بجوار قبور أولئك الذين رفضوا عبادة غير الله واقصد أصحاب الكهف، فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين ؟!
ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ ؟!
أليس ذلك دليلاً على الجواز، ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) الكهف : 21.
فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح ـ بناء المسجد ـ ومن الثابت أنّ في تقرير القرآن حجّة شرعية.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





