البحث عن المُفْتَقَد قصد الاكتمال
عين نيوز

ياسين طه حافظ
ربما صار ذلك لي طبعاً، وطبعاً تأتّى مما مر بي شخصياً من تجارب ومما مر على الناس حولي. ذلك اني لم أعد حدّياً اسِمُ ما يخالفني قليلاً بالخطأ أو بالخطيئة. وقد انتهيت إلى أن يفيد المرء مما بين الأثنين المختلفين من فسحة للرضا. هو شأن أخلاقي على كل حال لكني أردت الحديث اليوم عما يعنينا نحن، في الأدب والفن ورؤانا المختلفات عن التطور في هذين المجالين والقوانين أو القوى أو الاسباب المؤثرة فيهما سلباً او أيجاباً.
فقد برزت دراسة الظواهر الثقافية بمزيد من القوة والاهتمام بعد 1860 واستمرت هذه القوى الكاشفة حتى حاذت زماننا. وقد اسهم في هذا الحراك فلاسفة وعلماء لعل سبنسر ظل متفرداً واسماً شاخصاً بينهم، فقد كان متخصصاً وكان صاحب مذهب واضح. وحتى اتجهت عناية العلماء والمتخصصين إلى تفاصيل عملية التطور وتوزعت اسهاماتهم في تلافي نواقصها.
مبدأ التطور اليوم مذهب فلسفي تفسيري تجاوز الآداب والفنون وشؤون الثقافة إلى الشؤون الاجتماعية وإلى النظم والإدارة والقوانين فضلاً عن التقنية والعلوم وإن ظلت اصوات محافظة تحاول إبقاء عالمها وايماناتها بمعارضة ما يستجد، لكنها عموماً ليست معوِّقة وما ارجأت تقدماً وإن كانت سبباً –في السياسة والدين مثلاً- في خسارة فرص تقدم وكسر سرعة التحولات تسعفها قوى أخرى ومصالح غير علمية وغير فلسفية أساساً. مهما يكن، ضعف جداً النزوعُ إلى التشكيك بالنظريات الجديدة والأفكار، ويكاد يغيب إلا من بعض الزوايا، من يقول بنمط شامل رتيب وأبدي، ومحاولة تخيل أسباب له أخرى خارج الإنسان والأرض.
لكن من تجاربنا المحلية، عرفنا عن كثب أن المواد اللغوية والفوارق أو الحماسات القومية وما يثقل الناس، أو يحكمهم من تقاليد وقيم دينية واجتماعية موروثة، تأثير في المثقفين والكتاب والفنانين الساعين إلى التطور والتغيير الاجتماعي اكثر مما في الطبقات الاجتماعية الاخرى. وفي العالم، أعني هنا أوروبا على التعيين، بقيت المثالية الألمانية حية في علم الجمال وفلسفة التاريخ بينما كانت فلسفة هيجل تحدث تأثيراتها واثارتها تقابلها –نوعاً من ردود الفعل- الفينومولوجيا في اعقاب ما قدمه هسرل من افكار.
وثمة من جمع، قصد الافلات من الجديد، بين المادية ووحدة الوجود (الله والطبيعة شيء واحد وأن الكون المادي والإنسان مظاهر للذات الإلهية... الخ). لكن هذه كلها ما حالت دون ترسخ مصطلح جديد فاعل ومثير هو "الوضعية" وهو الذي كان سائداً في المناهج التجريبية الطبيعية وفي النظريات الثقافية وفي التاريخ وهذه عزلت المثالية والفوق طبيعية. إذن صار الاعتماد في الدرس والمتابعة على الحقائق الاجتماعية واعتماد الناس على بعضهم متعاونين في صنع الظواهر والتنظيمات الاجتماعية. وبدأ، الآن تأثير ماركس مؤكداً على المجموعات الاقتصادية والحركات الجماهيرية بينما ظل المؤرخون القدامى واهتمامهم بالأفراد، من غير فعل ثقافي حاسم ولا قدرة اقناع. الآن صارت العصور وظواهرها، تسميات مقابلة للتطورات الاجتماعية، حتى صارت ثقافة العصر هي ثقافة سبنسر ودارون وكونت وماركس وهبهوس... المهم اننا في الثقافة صرنا بين الاتجاه التطوري وفرضيات دارون وبين من لم يستسغ التفسيرات المادية للاسلوب في الفن، لكنهم ببعض الاعتدال وبعض القناعة، قالوا بأن الحافز الفني وحب الجمال وعموم الابداع لا يمكن تفسيرها على انها تخلو من المنفعة، وقال اصحابها بأن للإنسان إرادة خلق ولـ قدرة تمتع بالجمال واشكاله. وهكذا جمع الفن بين النافع والممتع طيلة تاريخه، من الكهف إلى العصر ...
استطردت كثيراً في ذكر ما قد يكون معروفاً، لكني أردت الوصول إلى هذه المرحلة، التي هي ليست الأخيرة في العالم ولكنها، كما يبدو الأخيرة التي تستقر على وجودها ثقافتنا المعاصرة وأننا ما نزال حملتها. فنحن واقعيون ببعض المثالية واخلاقيون بحدود، ضمن نفعية واضحة، ونحاول أن نظل في البرزخ بين الموروث والجديد وبين المحافظة والتجديد وبين الموضوعية، والوضعية، والعلمية المادية من جهة وبين المثالية والايمان الغيبي ولا نريد أو تصعب علينا مفارقة المتيافيزيقيا حتى ونحن نواجه تفاصيل البيولوجيا ... ان عقل الإنسان لم يتحرر تماماً من توجيه فوق طبيعي، وللخارق وجود ونحن نتفحص العناصر ونطور المختبرات.
إذن ثمة اختلاف وثمة تقبل وتخل ومقاومة واستسلام تام أو شبه استسلام مثلما ظل بعض من ذوي الشأن محتفظين ببعض مما تجاوزه الفكر الجديد لا للمقاومة أو الصد ولكن احتراماً لما فيه وما قد يفيدهم في تفسير مسائل خارج سلطة "النص الجديد". "وحتى دارون نفسه تحاشى الإشارة إلى التنوعات التي نراها تنشأ تلقائياً أو بوجود قوة موجهة فيها .." العلماء عادةً يتركون فرصة للتفاهم، للتأكد، لاحتمال الخطأ أو التجاوز.
هذه اخلاقية تسمح باحترام القديم وأهله وتمهد للجديد بحكمة وبموضوعية هادئة حتى إننا في أشد الحماسات التطورية بقينا نقرأ في مجال البيولوجيا والاجتماع اسماء لمجتهدين "طبيعيين" يقولون بخلاف ما يقوله الجديد المثير، وكانوا موضع احترام من مدارس أخرى، لم ينتقصوا من ايمانهم ولا أضر بهم لا ايمانهم بالشأن المادي والعوامل الخارجية....
إن هذا لا يسيء إلى أحد ولا يؤجل تطوراً أو يلغي صحيحاً جديداً ولكنه يبقى الحياة البحثية طبيعية حرة ويبقي للاجتهاد أو الرأي الخاص المخالف احترامه. نحن نعلم اليوم كم كان لنظرية التطور الدارونية من أثار لاحقة في فهم تطور العمارة والفنون والنسيج والفخار، ولم يوقف المثاليون تطور البحوث والدراسات، وظل من يؤمنون بسلامة نظرياتهم بوجود ارادات تشكيل نفسانية في الإنسان دفعته وتدفعه إلى الابداع تعبيراً وإشباعاً لرغبات روحية كامنة ...
اضننا جميعاً، إذا امتلكنا الهدوء والحكمة، سنحترم الأفكار التي لا نؤمن بها لا مجاملة وأدباً ولكن ليكتمل فكرنا ولكي نعثر فيما خلفناه عما غفلنا عنه، نحن في عملنا السمح والعلمي، نبحث عن المُفْتَقد قصد الاكتمال به ... وهو هذا مطلب الإنسان في العلم وفي العمل ...
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





