آلان تورنغ.. سيرة عبقري
عين نيوز

ترجمة : لطفية الدليمي
القسم الثاني
تأليف : جِم ألدرِج
2
جامعة كامبردج
في السادس من فبراير ( شباط ) 1930 إعتلّ كريستوفر موركوم إعتلالاً خطيراً إستوجب إدخاله إلى المستشفى على نحوٍ طارئ . كان كريستوفر يعاني من إصابات متكررة بالسُّل البقري لاتفتأ تعاود الظهور بين آونة وأخرى ، وقد نتج ذلك السل بسبب الإعتياد على شرب حليب البقر الخامّ (غير المبستر ) والملوث بالبكتيريا المعدية لسنوات عدّة خلت . مات كريستوفر في اليوم الثالث عشر من الشهر ذاته .
حطّم موت كريستوفر آلان ؛ فقد خسر صديقه الأفضل - وربما الأوحد كذلك - .
بلغ آلان الثامنة عشرة في ديسمبر ( تشرين أول ) عام 1930 ، وانكبّ على أداء إمتحانات القبول ثانية بقصد الحصول على منحة دراسية في كلية ترينيتي بجامعة كامبردج ، وفشل أيضاً كما في المرّة الأولى ؛ لكنه بدلاً عن منحة ترينيتي حصل على منحة دراسية في كلية كينغز بجامعة كامبردج ذاتها .
كان فشل تورنغ في دخول كلية ترينيتي بادرة خير بالنسبة لآلان ؛ فقد كانت كلية كينغز - ربما - المؤسسة التعليمية الأفضل في بريطانيا كلها بقدر مايختصّ الأمر بتعليم الرياضيات والبحث فيها ، وضمّ الطاقم التعليمي كلاً من الرياضياتي والفيلسوف برتراند راسل Bertrand Russell ، والرياضياتي وفاتح الشفرات ماكس إم. إج. نيومان Max M. H. Newman ( الذي صار رائداً أيضاً في عالم الحواسيب في مرحلة لاحقة ) ، فضلاً عن الإقتصادي ذي الشهرة العالمية جون ماينارد كينز John Maynard Keynes .
مع أنّ آلان كان مغتبطاً إذ وجد نفسه في بيئة لم تكن ترى الرياضيات والعلوم بعامة موضوعاتٍ عظيمة الأهمية فحسب بل موضوعات حاسمة وحيوية لفهم الحياة كلها وتفسيرها بوضوح ؛ لكن ظلّت كامبردج هي المكان الحقيقي الوحيد الذي رغب آلان أن يكون محلّ عمله ؛ أما بالنسبة لوضعه الاجتماعي في كلية كينغز فقد ظلّ آلان - مثلما كان في مدرسة شيربورن من قبلُ - شخصية مستوحدة منعزلة ، ولايفتأ الكثير من خريجي كامبردج الذين زاملوا آلان في تلك الجامعة يتذكرونه كشخص خجول رعديد منكفئ على ذاته . شهد الكثيرون من معاصري آلان في كامبردج حالة التأتأة التي تفاقمت لديه في الجامعة ( وكانت تزداد في حدّتها عندما يصبح مندهشاً بشأن موضوع أو شيء ما ) ، وعلّقوا على هذا الأمر بقولهم أنّ تلك الظاهرة كانت طبيعية للغاية مع فردٍ يعمل عقله يعمل أسرع كثيراً من لسانه !! وذلك أمرٌ يمكن معاينته بيُسرٍ عند كلّ من إعتاد التفكير بسرعة فائقة غير معهودة عند الناس . كان آلان - ببساطة - عاجزاً عن إنتخاب الكلمات المناسبة بسرعة مناسبة تتناغم مع السرعة التي يعمل بها عقله .
إنضمّ آلان إلى نادي التجذيف لفترة ما من الزمن على الرغم من أنّ رغبته المفضّلة كانت لم تزل تميل إلى جانب الركض الإنفرادي الطويل ، وكان أمراً معتاداً أن يحقق الفوز في معظم سباقات الركض التي شارك فيها .
* * *
كانت كامبردج في تلك الأوقات من بواكير الثلاثينيات ( في القرن العشرين ) مرتعاً للسياسة وبخاصة السياسة الداعمة لتوجهات الأجنحة اليسارية . شهدت هذه الفترة ايضاً صعود هتلر والنازيين إلى مراتب السلطة العليا في ألمانيا ، وكذلك صعود موسوليني في إيطاليا ، وانغمس العديد من الشباب اليافعين ، وبخاصة طلبة الجامعات منهم ، في اتخاذ مواقف مناوئة للرأسمالية مدفوعين باعتقاد جازم بأنّ الرأسمالية هي جوهر الفاشية الألمانية والإيطالية الصاعدة ، وكنتيجة لهذا الموقف منهم فقد دعم هؤلاء الشباب اليافعون صعود الشيوعية وبخاصة ذلك النمط من الشيوعية التي كانوا يرونها تتحقق في الإتحاد السوفييتي تحت قيادة جوزيف ستالين . تمّ إقناع آلان بأنّ رفقاءه الطلبة المناصرين لسياسة الأجنحة اليسارية إنّما هم الوحيدون الذين يمتلكون الفكرة الصائبة ، وقد كتب في هذا الشأن إلى أمّه عام 1933 قائلاً : " أفكّر بالذهاب إلى روسيا لبعض الوقت أثناء العطلة . إنضممتُ إلى منظّمة تدعى ( المجلس المناهض للحرب ) هي أقرب إلى الشيوعية من ناحية التوجّه السياسي ، ويقوم برنامجها بصورة أساسية على تنظيم إضرابات بين صفوف العاملين في تصنيع الأعتدة والكيماويات متى ماإعتزمت الحكومة الدخول في الحرب . "
الحقّ أنّ آلان لم يذهب قطّ إلى روسيا ، فضلاً عن أنّه جعل عضويته في المجلس المناهض للحرب تذوي وتتلاشى في العدم ؛ فقد كان لديه القليل من الوقت فحسب للسياسة وأعبائها ، وكذلك لكلّ شيء وأيّ شيء آخر بجانب السياسة باستثناء رغبته الشغوفة العظيمة بالعلوم والرياضيات .
لكن برغم شغف آلان العظيم بالعلوم والرياضيات ، وربما للأسباب ذاتها التي جعلته يفشل في إمتحاناته بمدرسة شيربورن ( أي كتابة الإجابات الصحيحة من غير إظهار أية خطوات وسطية لبلوغ تلك الإجابات ) فقد جاء أداء آلان سيئاً للغاية عندما أدّى القسم الأوّل من إمتحاناته النهائية في كلية كينغز . كان آلان في أشدّ حالات الإحراج حينها عقب نشر نتائج الإمتحانات النهائية وإلى الحدّ الذي بلغ به مبلغاً دفعه لأن يكتب في رسالة إلى أمه : " لم أعُدْ أمتلك الجرأة في النظر بوجه أيّ شخص بعد الآن . يتوجّب عليّ أن أحصل على فرصة ثانية لأداء الإمتحانات بأسرع مايمكن لكي يظهر للجميع أنني لست بتلك الدرجة المخزية من السوء التي تشي بها نتائجي الحالية ."
3
الآلة المفكّرة
جوّد آلان في الجولة الثانية للإمتحانات حدّ أنه حاز على الأولوية فيها ، وقد بات عمله موضع إهتمام البعض من أعاظم الرياضياتيين في جامعة كامبردج . جون ماينارد كينز ، الإقتصادي ذائع الشهرة في كامبردج كان مفتوناً إلى أبعد الحدود بعمل آلان وأسلوبه الذي يتخالف مع كلّ النمطيات الأكاديمية الراسخة ، ويمكن أن يعزى هذا السبب إلى أنّ كينز ذاته عُدّ عبقرية إستثنائية وموهبة عصية على الفهم في بواكير شبابه بعد أن جاء برؤى نظرية إقتصادية عُدّت متطرّفة في تلك الأيام لكنها سرعان ماأصبحت جزءً أصيلاً في الفكر الإقتصادي السائد ، ومثلما كان عليه حال آلان فقد صُغّر شأن كينز في المدرسة ورأى بعض مدرّسيه في عمله " مثالاً على فقدان الاهتمام ونقص العزيمة والإرادة على التعلّم الجاد " . إذا ماوضعنا هذه الحيثيات في خلفية تفكيرنا فسيكون أمراً منطقياً للغاية أن يتعامل كينز بأقصى أشكال التعاطف والإهتمام مع آلان وموهبته الفائقة غير المعتادة ومقاربته الإستثنائية للبحث الرياضياتي .
وقف كينز بكلّ جهده لتعضيد موقف آلان في أن يُنتخَبَ زميلاً في الكلية ( كلية الملك ، المترجمة ) ، وكان هذا الإنتخاب تشريفاً لكلّ خريج متميز يضمن له دخلاً مالياً ثابتاً من غير الإضطرار إلى تكليفه بأية أعباء تدريسية أو أعمال إشرافية على المختبرات . كلّ ماكان يتوجّب على آلان فعله هو إختيار موضوع محدّد ليكون مادة بحثية وحسب .
تأسّس الموضوع البحثي الذي إختاره آلان حينذاك على محاضرة ألقاها الرياضياتي المميز ( ماكس إج. إم. نيومان ) وشكّلت في حينها تحدّياً للرياضياتي الألماني ضارب الشهرة ديفيد هلبرت David Hilbert ، وهي في جوهرها تدعى ( معضلة القرار Decision Problem ( ومفادها كالآتي : في كلّ إقرارٍ رياضياتي mathematical assertion مشكّل تشكيلاً جيداً ( متماسكاً consistent بموجب المفردات الرياضياتية المعروفة ، المترجمة ) ، هل توجد طريقة منهجية ذات خطوات متسلسلة ( خوارزمية algorithm ) تستطيع تحديد فيما إذا كان هذا الإقرار الرياضياتي قابلاً للبرهنة أم لا ؟ . وصف هلبرت هذه المعضلة بأنها " المعضلة الرئيسية في المنطق الرياضياتي " .
كانت غاية آلان الشغوفة هي تصميم آلة تستطيع فحص كلّ معضلة رياضياتية ومن ثمّ تحاول إيجاد إجابة لتلك المعضلة من خلال تجزئة تلك المعضلة إلى أجزاء صغيرة ومن ثمّ المضي في بلوغ الإجابة النهائية الصحيحة لها ( أو " البرهنة " عليها ) .
يبدو خيار آلان في إتخاذ هذا الموضوع جديراً بكلّ الإعتبار المستحق إذا ماوضع المرء في حسبانه الموقف الدافع لتصغير الشأن الذي جوبه به عمل آلان في كلّ من مدرسة شيربورن وبعدها في جامعة كامبردج بسبب تغاضيه عن تسجيل الخطوات الوسطية التفصيلية للطرق التي إعتمدها في بلوغ الإجابات النهائية للمعضلات الرياضياتية . هل كان بحث آلان وسعيه لبلوغ إجابة مقبولة لمعضلة القرار التي وضعها هلبرت طريقة مضمرة لكي يحلل بها آلان ويميط اللثام عن طرائقه الخاصة في فكره الإستنتاجي لنفسه هو ( قبل الآخرين ، المترجمة ) ؟
مثلما فعل بابيج* و آدا بايرون** من قبله فقد صمّم آلان آلته المرتجاة بصورة نظرية ( في مخياله وحسب ، المترجمة ) بدل ان يشرع في بنائها وجعلها حقيقة مجسّدة ، وفي سياق سنته البحثية التالية أنجز آلان سلسلة من الحسابات الرياضياتية التي تعرض الأطوار التفصيلية ( خطوة إثر خطوة ) المطلوبة عند التعامل مع أية معضلة رياضياتية ، وكانت كل تلك الخطوات تتبع سلسلة تتابعية صارمة من المنطق الرياضياتي .
إبتغى آلان ماهو أبعد واعظم من هذا : أراد لِـ ( آلته المفكّرة ) أن تمتلك القدرة على إيجاد إجابات صحيحة للأحجيات غير الرياضياتية باستخدام الحسابات الرياضياتية . دعونا ندقق ، على سبيل المثال وحسب ، في المتناقضة الكامنة في عبارة ( أنا اكذب ) : هل أنّ الشخص الذي يتفوّه بهذه العبارة يكذب حقاً وبالتالي يكون صادحاً بالحقيقة في كلامه ؛ أم أنه يقول الحقيقة وبالتالي يكون كاذباً ؟
إعتقد آلان إعتقاداً حاسماً أنّ كلّ تلك الأحجيات والمتناقضات ، وسائر المعضلات الرياضياتية والعلمية ، يمكن حلّها بوساطة آلة خاصة ( ستدعى آلة تورنغ الشاملة Universal Turing Machine فيما بعدُ ، المترجمة ) .
__________
* تشارلس بابيج Charles Babbage ( 1791 - 1871 ) : عالم رياضياتي وفيلسوف ومخترع ومهندس ميكانيكي بريطاني . أول من وضع مفهومَ الحاسوب القابل للبرمجة . درس في جامعة كامبردج ، و صمم أول حاسبة وأسماها ماكنة الفروق (Difference Engine ) ، وعلى الرغم من أنها لم تستخدم إلا أن فكرتها كانت أساس اختراع الحاسوب . نال منحة من الحكومة من أجل تطوير تصميمه، وقد أنفق تلك المنحة مع جزء من ثروته ونجح باختراع آلة أفضل تضارع الحاسبات الحديثة ؛ لكنه توفي دون إكمال مشروعه الثوري . يعتبر بابيج بمثابة أب الحاسوب الميكانيكي . ( المترجمة )
** آدا بايرون Ada Byron ( 1815 - 1852 ) : تدعى أيضاً الكونتسية لوفيلاس ، هي إبنة الشاعر لورد بايرون وعالمة رياضيات وتعد أول مبرمجة حاسوب في التاريخ ، حيث طورت برامج لآلة تشارلز بابيج التحليلية . وضعت القواعد الأساسية للغات البرمجة الحديثة . ( المترجمة )
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





