منهج الفهم الفقهي الإبستيمي عند ابن رشد
عين نيوز
د . رزاق مخور الغراوي
تثير الدراسة التي بين أيدينا تساؤلات حول منهجية الفهم الفقهي الإبستيمي لأبن رشد الحفيد في ضوء كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"
ان العلوم البشرية لا تكتمل ما لم تُستحكم وينضبط التفكير فيها وفقاً للعلم المنهجي ، لذا أدرك القدماء ما لهذا العلم من ضرورة في العديد من نواحي المعرفة،وعادة ما يُلفت اليه بعد الأثر الذي تحدثه فوضى النتاج المعرفي واضطرابه،فهو من هذه الناحية كالخفاش لا ينشط إلا بعد أن يفقد النهار بريقه ويرخي الظلام سدوله،كالذي تؤكده العلوم الرياضية والمنطقية في الفلسفة والعلوم الأخرى.
من الناحية التأريخية يبدو أن أول العلوم التي شملها العلم المنهجي هو "المنطق"كما وضعه أرسطو مستهدفاً به إحكام التفكير الفلسفي بعد أن علته فوضى التراكمات التي خلّفتها المذاهب الفلسفية آنذاك.
ويعد المنطق منهجاً للنظر والتفكير المناط بالمعرفة البشرية العامة،رغم أن تعلم المنطق لا يحتم على المتعلم ممارسة التفكير المنطقي, ومن العلوم المنهجية الأخرى ما شهدته الحضارة الإسلامية، كعلم الأصول للفقه، والنحو للغة، والعروض للشعر...وغيرها من العلوم المنهجية التي نظمت وأصلحت ظاهرة الفوضى تجنباً لتراكمات هذه الظاهرة.
أبدع ابن رشد في المجال الفقهي في كتابه الشهير"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، فهو من الكتب الرائدة في مجال الدراسات الفقهية المقارنة التي لا يستغني عنها الباحث في العلوم الشرعية، وذلك لما تميز به من عمق في التحليل ومنهجية متفردة تروم إعادة بناء الصناعة الفقهية بما يمكن من تحصيل ملكة الاجتهاد إذ يعتبر ابن رشد من الرواد في الحقبة التأريخية السالفة ممن خطى خطوة جريئة نحو علم منهج الفهم الديني، باتجاه البحث المنهجي الفقهي الإبستيمي، في كتابه بداية المجتهد، إلا أن هذا المنهج لا يخلو من الاعتبارات اللاهوتية والأيديولوجية.
يتم توزيع الإطار المنهجي وفق عنوان الدراسة، الى خمس محاور، تناول الأول منها:"منهج الفهم الإبستيمي في إعادة نُظم الخطاب الفقهي"،والمحور الثاني:أهتم ببيان "منهج الفهم الابستيمي في الشيوع والتنوع المعرفي"،وحلل المحور الثالث "منهج الفهم الإبستيمي في توافق بين المنقول والمعقول"،واختص المحور الرابع بـ"منهج الفهم الإبستيمي في بناء اللغة الفقهية"،وتضمن المحور الخامس "منهج الفهم الإبستيمي في الجمع بين الفقه والأخلاق".
المحور الأول: منهج الفهم الإبستيمي في إعادة نُظم الخطاب الفقهي
اتجه ابن رشد في منهجه الفقهي الى إعادة بناء الخطاب الفقهي وتنظيمه، إذ بحث في الأصول التي بنيت عليها الأحكام والفروع الذي يفهم منه التكليف بين فقهاء الإسلام، إذ انتهج اسلوب جديد واسس لمذهب رشيد لإعادة حركية المعرفة وتحرير الأفكار المتجمدة من التقليد المنغلق الى الاجتهاد المنفتح، ذكر ابن رشد في مقدمة كتابه بداية المجتهد:"قصدنا كما قلنا غير مرة: إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها في الشرع المتفق عليها والمختلف فيها، ونذكر من المسائل المسكوت عنها التي شهر الخلاف بين فقهاء الأمصار، فإن معرفة هذين الصنفين من المسائل هي التي تجري للمجتهد مجرى الأصول وفي المسكوت عنها النوازل التي لم يشتهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد منهم أو لم ينقل، ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل".
ان النص الوارد مع تطبيقاته في كتاب البداية لابن رشد كان المنطلق والبذرة التأسيسية لمشروعه المنهجي في إعادة فهم التلقي للفقه وتطوير أدوات الاستنباط وتوسيع مباني الاستدلال ، فهو على العموم يعتبر حسب مراحله التأريخية كتاباً تجديدياً ساهم إلى درجة كبيرة في تطوير الفكر العلمي المنهجي، ومن خلال هذا الكم الهائل في المعرفة نختزل إبراز القضايا التي يتضمنها النص وكالآتي:
أ ـ البحث في أصول العلل ومعرفة مدى ارتباطها بمسائل الخلاف بين الفقهاء، لفتح باب الاجتهاد لمحصليه وتجاوز التقليد، اذ ان هذا الكتاب ليس"كتاب فروع وإنما هو كتاب أصول" فالسبب العلمي والنفسي من تأليف البداية هو إعادة القراءة في منهج الفهم الفقهي الذي غلب عليه التفريع وغاب عنه النظر في"تحصيل الأصول" ،وهو واقع حال تناوب عليه الاجيال في البيئات المغلقة والمقلدة في ذلك الزمان.
ب ـ ركز ابن رشد على بناء العقل الفقهي والارتقاء به الى مستوى النظر الصناعي لا احصاء الفروع، إذ قال:"المسائل الضابطة للشريعة، لا إحصاء الفروع، لأن ذلك غير منحصر" وذلك حتى تكون هذه الضوابط "كالقانون في نفس الفقه" من جهة، "والقانون للمجتهد النظار" من جهة أخرى في إطار،… رد الفروع إلى الأصول" .
ج ـ الدعوة إلى هيكلة وترتيب وتنظيم منهجية الفهم الفقهي، وتجديد منهج التأليف والتصنيف والتدوين، ليُسهل على سالك المعرفة الفقهية التمرس والتدريب والتطبيق على تنظيم ومنهجة الأفكار وربط الفروع بالأصول، يرى الحفيد الرشدي في التنظيم الصناعي الاستنباطي ما نصه: "فإذا أريد أن يكون القول في هذه صناعي وجاريا على نظام فيجب أن يقال أولا فيما تشترك فيه هذه كلها ثم يقال فيما يخص واحدة منها أو يقال في واحدة منها وهو الأسهل" . ورغم شعوره بأن هذه الطريقة فيها تكرار إلا أنه يبرر إتباعها بسلوك الفقهاء لها.
المحور الثاني: منهج الفهم الابستيمي في الشيوع والتنوع المعرفي
اعتمد ابن رشد في كتابه البداية لمذاهب أخرى غير المذهب المالكي، خصوصا مذاهب الرأي كمذهب أبي حنيفة, وغرضه في ذلك فتح الباب أمام أصول المذاهب الاجتهادية الأخرى، والتخلص من ربقة التقليد الذي ساد الأندلس التي كانت منغلقة على مذهب مالك بن أنس، وكأنه حاول فك هذا السياج من التقليد والمحافظة بإقحام مذاهب أخرى، وجعل المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي في المتناول معه في الاجتهاد،وهذا يسجل له لما يتمتع به من موسوعة فقهية واطلاع واسع على آراء الفقهاء في داخل وخارج المذهب المالكي.
المحور الثالث: منهج الفهم الإبستيمي في التوافق بين المنقول والمعقول
قال ابن رشد في كتابه فصل المقال: ما من منطوق به في الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان، إلا إذا اعتُبر الشرع وتُصفحت سائر أجزائه وُجد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل أو يقارب أن يشهد، ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المؤول منها من غير المؤول فالأشعريون مثلاً يتأولون آية الاستواء وحديث النزول والحنابلة تحمل ذلك على ظاهره.
إن مراجعة أبواب ومسائل كتابة بداية المجتهد، واستقراء المناهج المطبقة في استنباط الأحكام، يطلعنا على المذاهب المتبعة في دراسة الخلاف، وهذه المذاهب يمكن تقسيمها إلى خمسة مذاهب :
1 – مذهب الجمع بين الأدلة حيث يتم إعمال الأدلة دون إهمال أحدها، ومبنى هذا المذهب على أن الجمع أولى ما أمكن، لأن الشارع بعث لرفع الاختلاف.
2 – مذهب الترجيح: وفيه يتم اختيار دليل معين وترجيحه على باقي الأدلة وفق ضوابط معينة.
3 – مذهب البناء: وهو مذهب يذهب إلى الجمع بين الأدلة ولا يرى أن هناك تعارضا، والفرق بين هذا المذهب ومذهب الجمع أن مذهب الجمع يرى أن هنالك تعارضا في الظاهر، أما مذهب البناء فلا يرى أن هناك تعارضا فيجمع بين الدليلين.
4 – مذهب الإسقاط والرجوع إلى البراءة الأصلية عند التعارض إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ.
5 – مذهب النسخ ويعتبره ابن رشد مذهبا مقابلا لمذهب الترجيح، والفرق بينه وبين مذهب الترجيح أن مذهب النسخ يتم إلغاء الحكم فيه رغم ثبوته باعتباره التعارض بين الفعل المتقدم والمتأخر، في حين مذهب الترجيح يعتمد ضوابط أخرى كالطعن في رواية الحديث المرجوح.
المحور الرابع : منهج الفهم الإبستيمي في بناء اللغة الفقهية
اعتمد ابن رشد في تركيب خطابه الفقهي على مجموعة من الثنائيات شكلت أساسا متينا في بناء لغته الفقهية، كما شكلت قطبا معرفيا لتحليل ودراسة بنية النسق الفقهي أفقيا وعموديا.
وهذه الثنائيات يمكن تقسيمها باعتبارات متعددة:
1 – باعتبار نسبتها إلى الشارع: فهي مسموع ومنقول ومنطوق به، أما باعتبار عدم نص الشارع عليها فهي مسكوت عنه.
2 – باعتبار قوة الاستدلال فيها: فهي تنقسم إلى قسمين: قسم يحمل طابع القطع واليقين، وقسم يقع في دائرة الظن والاحتمال.
3 – باعتبار الناظرين في الأدلة: فهناك المتقدمين والمتأخرين، ولكل فئة خصائص معينة في الفعل الاجتهادي.
4 – باعتبار إدراك علة التشريع: فهناك الحكم المعقول المعنى والحكم غير المعقول المعنى أو العبادي والمصلحي.
5 – باعتبار خضوعها للتجربة أو عدمه، وفي هذا الإطار تراعى الأحكام المتعلقة بهذه القضايا لاختلاف التجربة أو العادة..
المحور الخامس: منهج الفهم الإبستيمي في الجمع بين الفقه والأخلاق
لقد عمل ابن رشد على نظام ومنهاج وعلاقة معرفية تجمع بين الفقه والأخلاق بعدما كانت في معان مفردة لم يتفق نظمها في سلك واحد لأنها متغايرة المعاني،وقد أجمعت في كتاب الجامع عند مالك, ولم يكتف ابن رشد بالتنبيه على نظريته عند مستوى التأصيل لها نظريا وإظهار ميزتها، بل تجاوز ذلك إلى توظيفها في اختياراته الفقهية ففي مسألة (هل تقع الفرقة بين الزوجين بعد اللعان أم لا؟), رد ابن رشد على القائلين إنه لا يعقب اللعان فُرقة اعتمادا على افتقاد الزوجين لمكارم الأخلاق التي تُديم العلاقة الزوجية، قال: "وحجة الجمهور أنه قد وقع بينهما من التقاطع والتباغض والتهاتر وإبطال حدود الله ما أوجب ألا يجتمعا بعدها أبدا, وذلك أن الزوجية مبناها على المودة والرحمة وهؤلاء قد عدموا ذلك كل العُدم، ولا أقل من أن تكون عقوبتهما الفرقة، وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح.
لقد استثمر ابن رشد معارفه الفلسفية في فهم الشريعة ومن ثم عمل على تجديد صياغتها، وأثبت إمكان الاستفادة من شكل لا يؤثر في المضمون الإسلامي، فعلى الرغم من "استعانته بمعارفه في الفلسفة وخصوصا في جانبها الأخلاقي بقي وفيا لمقاصد الشرع باعتماده منهج الاستقراء لنصوصه فملأ تلك القوالب المستفادة بمضامين شرعية.
ونستنتج مما سبق ان التقسيمات والترتيبات التي استخدمها ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد مع سمو التنظيم ووحدة السياق وأسلوبه الأخلاقي والأدبي في جميع أبواب الفقه، إذ يحوي هذا الموضوع عن مدى موسوعيته الفكرية واعتداله الديني فضلاً عن ذلك ما يتمتع به من روح ثقافية ونتاج معرفي وخبرة علمية التي من خلالها استطاع ان يصل إلى صناعة علم منهج الفهم الفقهي الإبستيمي.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





