مافيات البكالوريا خلل القيم وانحدار الثقافة
عين نيوز

لطفية الدليمي
يعيش الناس في بلادنا حالات طوارئ متواصلة مشتبكة مع بعضها ،سياسية وبيئية ومجتمعية وتعليمية تفضي بمجملها الى اضطراب قيمي وثقافي، فإلى جانب التوتر والاضطراب السياسي والمجتمعي الذي عشناه منذ عقود ومازلنا نعيشه ، تتجدد حالة طوارئ سنوية تلقي بظلالها على الأسر العراقية فيعيش الناس حالة إنذار تتعلق بامتحانات البكالوريا وتتطلب تقنين سلوك الأسرة وأبنائها الطلاب الخاضعين لهذا الامتحان من جهة، وتتسبب من جانب آخر في إرباك الأسرة وهي تتدبر مبالغ الدروس الخصوصية التي تتحكم مافياتها بالمجتمع وقيمه ومستقبل أبنائه.
ويرتبط امتحان البكالوريا الوزاري بموجة من الهلع والمخاوف الملازمة للامتحانات تحوّل معها هذا الرعب إلى نوع من الإرهاب التعليمي الذي يعيق النمو النفسي للطلاب ويربك أسرهم ،وبرغم وجود امتحانات مماثلة في معظم دول العالم – باستثناء فنلندا التي ألغت كل أنواع الامتحانات - غير أن البكالوريا العراقية تختلف عن مثيلاتها في الدول الاخرى إذ أنتجت مافيات تستثمر مخاوف الطالب وأسرته بأسلوب خسيس يمارسه المدرسون الخصوصيون في واقع رثّ غابت عنه وسائل الضبط المؤسساتية وانهارت قيمه التربوية والأخلاقية ، فأصبح التدريس الخصوصي سوقاً تنافسية تضع الطالب وأسرته في مأزق دائم من الخوف والقلق والضنك المادي والحصر النفسي .
لم تكن امتحانات البكالوريا الوزارية في السابق تسبب هذا القدر من الخوف والرعب لدى الطلاب الذين كانوا يواصلون تحضير دروسهم بجدية طوال سنوات دراستهم وكانت المدارس في الغالب تعمل كمؤسسة منضبطة ، ولم يكن المدرسون ( وبخاصة مدرّسو مرحلة السادس العلمي ) متبطلين يكتفون بالحضور الرمزي وتمشية الحال في صفوفهم مثلما يحصل اليوم ، مما يُرغم الطلبة على التسجيل في مجموعات الدروس الخصوصية على مدى عام ونصف العام لدى مدرسين أصبحوا نجوماً وتجاراُ وأشيع عنهم أنهم عباقرة زمانهم ويضمنون حصول الطالب على المعدلات المأمولة ؛ فتذعن الأسر لابتزاز مافيات التدريس الخصوصي المحظور في أغلب الدول من أجل نجاح أبنائها ، فتترسخ بمرور الوقت شرعية هذه المافيات ضمن واقعنا المتردي.
تسود حالة طوارئ طوال عام ونصف أجواء الأسرة إذ تبدأ الدروس الخصوصية والطالب مايزال يؤدي إمتحانات نصف السنة للخامس الثانوي، ويكون عرضة للضغوط النفسية الشديدة وحالات الأعياء الجسدي وهو يحضر متطلبات السنة الخامسة الثانوية ويتلقى في الوقت ذاته دروساً خصوصية للصف السادس الثانوي.
لقد طوّر مدرسو مجاميع التدريس الخصوصي أساليبهم لتصبح أقرب إلى سلوك مافيات جشعة تتعامل بقوانين السوق والخصخصة بجميع أبعادها المتوحشة ، وبلغ الأمر – كما حدثتني أسرة صديقة - أن يتراوح سعر تدريس المادة الواحدة بين مليون إلى مليوني دينار حسب بورصة الدروس الخصوصية التي يحددها اسم الأستاذ - التاجر المتغوّل الذي ماعاد يقيم وزناً لأية قيمة تربوية ؛ فدفعه جشع تكديس الأموال ليتصرف مثل أعضاء المافيات التي تبتز الناس المضطرين لتدريس أبنائهم لديه ، سيدافع كثير من هؤلاء المدرسين التجار عن مشروعهم التجاري بالقول الذي تردده المافيات : نحن لم نرغِم أحداً على الدراسة عندنا فالطلبة هم الذين يأتوننا طائعين للدراسة في مجاميعنا ، وهذا صحيح ، فعندما يهمل المدرسون واجباتهم التربوية إزاء طلبتهم في المدرسة ؛ يضطرالطالب المهدد بالفشل وتضطر أسرته الى القبول بالاستغلال الخسيس الذي يمارسه المدرسون الخصوصيون وتقتطع الأسرة مبالغ الدروس الخصوصية من لقمة عيش أفرادها ومتطلبات حياتهم .
المدرس الخصوصي الذي يستثمر خوف الطالب شأنه شأن الطبيب الذي يستثمر خوف المريض وشأن الميليشيات والعصابات التي تهدد الأمن المجتمعي وتشكل كلها مافيات الخراب التي دمّرت مجتمعنا العراقي .
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





