في انتظار دولة العدل - عقيل هاشم عبود

عين نيوز

 0
في انتظار دولة العدل - عقيل هاشم عبود
بدون وصف

يبرز في كل ديانة سماوية نوعين من العلاقات، الأولى تلك التي تربط الأنسان بربه، والثانية تتعلق بتلك التي تربط الانسان بالإنسان الاخر.

يبرز في العلاقة الأولى البعد الروحاني بكل تجلياته، فالعلاقة هنا علاقة مباشرة بين الرب وعبده [الأنسان]، وهي لا تحتاج الى واسطة بشرية أو [غير بشرية بالبعد الميتافيزيقي للكلمة].  وفِي هذه العلاقة يتحدد حساب المنفعة البشرية ذهنياً، بحسب  مقدار الابتعاد أو الأقتراب من الخالق، ويكون المرء أمام خيارات ثلاث حسب نظرية الابتعاد والاقتراب، فاما مخلداً في الجنة أو مخلداً في النار أو بين بين.  وهذا موضوع شائك ربما  نعود اليه في بحث أخر، لانه مبحث يرتبط بموضوعة العدالة الالهية، والتي يتفرع منها موضوعة العدالة الإنسانية التي تتجسد طبيعياً في وجود الدولة.

يبرز دور [العدالة] في العلاقة الثانية، بين الانسان والانسان، بين الحاكم والمحكوم، وبين المحكوم والحاكم بصورة جوهرية، لأننا هنا أمام مجال أخر، مجال ينتفي فيه البعد الروحاني ويكون للبعد المادي دوره في بناء هذه العلاقة والمتمثل في وجود [الدولة]، وما يتفرع عنها كمفاهيم، مثل السلطة وقيادة الامة.  ويشار هنا للدولة على انها المحفز للصراع بين الانسان والانسان، بين القوة والضعف، بين الغني والفقير، بين العادل والظالم وبين السيف والفكرة.  والدولة كفكرة هنا لا تكون لها أي قيمة أو معنى الا من خلال الأنسان فهو من يعطيها قيمتها، خيراً كانت أم شراً [١].

والدولة كفكرة تعني الحكم، وهذا الأخير يعني القدرة على نسج مقومات القيادة في الدولة، من خلال أتباع مسارات متعددة تعطي نتائج جيدة في بعض الأحيان، ونتائج كارثية في أحيان أخرى.  والعدالة كفكرة أخرى مجردة، لا تستمد وجودها الا من خلال تطبيقاتها على أرض الواقع.  فما قيمة الفكرة، إذا كان الانسان يتعرض لابشع صور الاستغلال.  اذاً فالفكرة، أي فكرة بتطبيقاتها وبما تحمله من نتائج [٢].

جاء الإسلام كديانة سماوية في أعقاب ديانتين كونيتين هما اليهودية والمسيحية، وكانت الفترة الزمنية التي فصلت بين ثاني الديانات المسحية والإسلام ما يقرب ٥٠٠ عام، وهي من دون شك فترة زمنية طويلة في مسار التطور التاريخي الذي يفصل بين هاتين الديانتين.  لا تختلف طبيعة القوانين التي جاء بها الإسلام عن تلك التي سبقته، فهي في جوهرها قوانين أخلاقية عامة تنظم الحياة الاجتماعية اليومية للمسلمين، لكن سرعان ما أختلف الامر، بعد وفاة النبي محمد، فأصبح الدين بقيمه الأخلاقية أمام حالة أستنفار سياسية [الحكم] يتصارع فيها المسلمون فيما بينهم.

كان الصراع في جوهره عند المسلمين لا يتعلق فقط بفكرة العدالة المجردة وأنما يتعلق أيضاً بمن يحمل هذه الفكرة الإلهية على التطبيق؟  كان الجواب هو الخليفة.   يجمع عامة المسلمين على أن خليفة الله في الأرض يحب أن يكون عادلاً، لكن لا بأس أذا انتفت العدالة في الرجل [الخليفة]، وأن كان فاجراً، فسوف يستقيم الأمر له، لان الامة لابد لها من أمام، براً كان أو فاجراً حتى لا تنقسم الامة وتفتت [٣].

شذ في هذا الامر، الامامية حيث يرى عامة علماء الامامية العكس تماماً.  حيث يكون التركيز على مبدأ العدالة كأولوية في الحكم، على أعتبار أن مبدأ العدالة يطرح نفسه نقيضاً للفساد والظلم، وفِي هذا الصدد يعطينا محمد جواد مغنية (١٩٠٤-١٩٧٩) أحد كتاب الشيعة فكرة واضحة عما يعنيه مبدأ العدالة عند معتنقي مذهب الامامية،  "ان مبدأ التشيع يلازم الثورة على الفساد والظلم" [٤].

هذا المبدأ بالذات كان السبب الرئيس بعدم قبول الامامية بأي دولة حكمت باسم الدين وبأسم الخلافة الإسلامية، مادام الامام المعصوم غير موجود [الامام الغائب] المهدي المنتظر عند الاثنا عشرية أو الامامية.  حتى تلك الدول التي حكمت تحت راية الامامية في فترات متأخرة من الحكم العباسي كالدولة الفاطمية في مصر لم تخرج من التصنيف العام لطبيعة الدولة التي يغيب عنها الامام، وأن أدت الغرض في لحظتها التاريخية تلك.

أحتاج الشيعة الى اكثر من الف سنة بعد الغيبة الكبرى للامام الثاني عشر في سامراء الى الشمال من مدنية بغداد عاصمة الدولة الاسلامية في العصر العباسي، ليقيموا دولتهم تحت راية ولاية الفقيه [حكم رجل الدين]، في إيران بقيادة رجل الدين أية الله العظمى روح الله الخميني (١٩٠٢-١٩٨٩).  حدثت أثناء حكم الخميني المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في أيران، الحرب بين أيران والعراق والذي كان يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين، أستمرت تلك الحرب لثمان سنوات (١٩٨٠-١٩٨٨).

لم تستقم الأمور للخميني الذي كان يرى بوجوب قيام الدولة الإسلامية الكونية العادلة والمتمثلة بولاية الفقيه [رجل الدين النائب للامام المعصوم الغائب],  داخلياً، وأقليمياً  ودوليًا لظروف موضوعية أخذت أبعادها من طبيعة الأجواء السياسية التي عاشها العالم في تلك الفترة، فالحرب مع العراق المكلفة مادياً وبشرياً، وقوف غالبية دول الإقليم العربي الى جانب صدام حسين في تلك الحرب، والرفض شبه العالمي للثورة الإيرانية، كلها عوامل أدت الى أن تعيش إيران عزلة أقليمية، أسلامية  ودولية قاسية ساعدت فيما بعد على تحديد وتحجيم المسار التاريخي لهذه الثورة ومنعها من الوصول الى عالميتها المنشودة، فأهدرت فرصة تاريخية لاقامة دولة العدل من وجهة نظر صحاب القرار الإيراني.

على الضفة الأخرى

عاش العراق فترات عصيبة في ظل حكم صدام حسين والتي أمتدت من (١٩٧٩-٢٠٠٣)، انتهت بغزو العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وسقوط بغداد وحزب البعث الحاكم في العام ٢٠٠٣.   أعدم صدام حسين في الثلاثين من كانون الأول عام ٢٠٠٦، لتطوى بذلك صفحات مظلمة قاسية أمتازت بكل التناقضات السياسية الاجتماعية والاقتصادية والتي أدت الى سقوط الدولة، لتبدا بعدها حقبة ستملئ صفحاتها هي الأخرى بكل التناقضات، كانت القيادة فيها لاحزاب الإسلام السياسي الشيعي.

ديمقراطية – حكم شيعي – غياب للعدالة؟.

قبل أن ندخل في صلب موضوعنا، أجده لزاماً علينا أن نجد تعريفاً موحداً لما نعنيه بالعدالة أو العدل كمفهوم مجرد ؟

تباينت أراء المفكرين والباحثين حول هذا المفهوم ؟ حيث ظهرت تعريفات له، أرتبطت أرتباطاً مباشراً بتفاصيل الحياة الإنسانية  الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فظهرت مصطلحات مثل [العدالة الاجتماعية والعدالة السياسية والعدالة الاقتصادية]، وهي بالمجمل ترتبط بأيجاد نوع من التوازن بين مكونات أي مجتمع من حيث علاقاتهم الاجتماعية وما يترتب عليها، وبطبيعة الفرص السياسية المتساوية أمام الجميع للمشاركة الفاعلة في صياغة القرار، وتلك التي ترتبط أرتباطاً مباشراً في توزيع الثروات على أفراد المجتمع وتوفير فرصاً عادلة متساوية للجميع في الانتفاع.

وهذه التعريفات وأن كانت منطقية ضمن المجالات الجزئية لها، الا أنها تبقى قاصرة أمام أيجاد مفهموم عام وشامل للعدالة، وهو الذي نبغيه، حتى وان صعب تطبيقة على أرض الواقع، وأن الوصول لهذا التعريف الشامل للعدالة بين البشر  يتطلب وجود "مصالح ولغة وثقافة مشتركة وجملة قيم تعاونية وعادات تفرض ألتزاما أخلاقيًا" [٥].  والتعريف الذي نبتغيه يأخذ بالحسبان كل الجوانب المؤثرة بحياة البشر، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تجعل منه قادراً وفاعلاً في مجتمعه.

كان وصول أحزاب الإسلام السياسي الشيعي للسلطة أمر حتمي اذا ما اخذ بالحسبان أمرين، أولهما هو الثقل الجماهيري لبعض هذه الأحزاب كالتيار الصدري وبقية الأحزاب الأخرى، ثانيهما هو الالية التي أتبعت في الانتخابات البرلمانية والتي تسهل من عملية وصول هذه الأحزاب للسلطة، والحديث هنا عن نظام الكتل المغلقة وكل ما يترتب عليها من أخفاقات.

تماشى بناء الدولة الجديدة، مع غياب تام لعوامل جوهرية تساعد في بناء هذه الدولة، فألى جانب الغياب التام للمنظومة المؤسساتية، كان لغياب المنظومة الأخلاقية ومنها بالتحديد غياب مبدأ العدل، والذي يستمد وجوده وشرعيته بحسب أدبيات هذه الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، من خلال  جملة السلوكيات والقواعد التي ألزم المعصوم نفسه بها، من حيث كونه معصوماً من جهة، ومن جهة أخرىً تتعلق بالرسالة التي من المفترض ان يقوم بها المعصوم أتجاه الاتباع واتجاه البشرية جمعاء، والنتيجة النهائية لفعل المعصوم تنعكس أيجاباً على مسألة ترسيخ  هذا القانون العام والشامل والثابت في جوهره والمقبول في شموليته [قانون العدل] لدى الاتباع على أقل تقدير، كان لها الأثر الكبير في سير هذه الدولة نحو انحطاط مخيف.  لقد الزمت هذه الأحزاب الاسلاموية نفسها بما لا تستطيع.

أنه الفشل التاريخي، والنكوص عن جملة المفاهيم التي تبنتها هذه الأحزاب الإسلامية في مسيرتها السياسية المتناقضة المتجسد في سعي هذه الأحزاب مبدئياً لاقامة دول العدل طبقاً للمواصفات التي أرادها أئمة الشيعة أبتداءً من الخليفة الرابع الامام علي أبن ابي طالب عليه السلام وحتى أخر أئمة أهل البيت الامام الغائب المهدي المنتظر، وواقعياً عندما أصطدمت بقوة الحكم وببريقه وما يترتب عليه، وبتأثيره على مبادئ وقيم هذه الأحزاب والتي نظرت لها في أدبياتها عبر مراحل نشوء هذه الأحزاب وتطورها في مراحل تاريخية مختلفة.

أين يقع التناقض؟.

يقع التناقض بين المبدأ أو الفكرة [دولة العدل] كفكرة دينية  بالرجوع الى المنهج الأساسي الإسلامي لأئمة الشيعة ومن بعد علمائهم الذين فرضوا على أنفسهم منهجاً متشدداً في التعامل مع قواعد الإسلام وكل بناه القيمية، وبين براغماتية زائفة لا تخضع لقواعد محددة ومعروفة، أتبعتها أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في قيادتها للدولة عندما جاءت الفرصة لها، فضاعت الفكرة المطلقة في خضم صراع هذه الأحزاب واستماتتها للوصول للحكم.

هذا التشدد في المبدأ، الدولة والحكم والعدالة المطلقة، فرض على أئمة الشيعة وعلمائهم على أثرهم ألتزام صف المعارضة والتي تكاد تكون مستمرة عبر مراحل التاريخ الإسلامي كله  لانهم وجدوا في هذه المعارضة تأكيد لأزمة الحكم وأستبداده وأبتعاده عن روح الاسلام وقيمه الكونية المبنية على العدل والمساواة والحريّة.

لقد ألزمت الأحزاب الشيعية السياسية نفسها من حيث المبدأ [نظرياً]، وأستناداً الى مرجعيتها العقائدية، بالسعي الى تكوين الدولة العادلة، دولة الأمام الغائب لتبرير وجودها في الساحة الشيعية الضيقة والتي هي الأخرى ألزمت نفسها مبدئياً بأهمية وحتمية وجود هذه الدولة.

كان من شأن هذا التناغم المبدئي بين الأحزاب الإسلامية الشيعية وبين الجماهير الشيعية حول أهمية وحتمية قيام الدولة العادلة، أن يوفر مدخلاً لتحقيق هذه الدولة، لا سيما بعد توفر الشروط الطبيعية والموضوعية لقيامها بعد أحتلال العراق في العام ٢٠٠٣، من جهة، ومن جهة أخرى هو أعطاء المشروعية للنظام الجديد، على أعتبار أن هذا النظام هو الوحيد القادر على بسط القانون ونشر العدالة بين الناس.

أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها هذه الأحزاب بعد السقوط ٢٠٠٣ والتي ترتبت على ضوء أستلامها للحكم جعلها تعيش حالة النكوص عن مبادئها العقائدية التي طرحتها خلال مسيرتها في العمل قبل الوصول الى السلطة، ولتنغمس كلياً في عملية سياسية ابعادها تتمثل في السلطة  والعنف والمال والفساد، التي هددت بدورها بل انها ساعدت في تدمير ما تبقى من مقومات الدولة التي لم تطالها يد التخريب  الامريكية، هي إذاً  "جمرة الحكم" التي تحرق، إذا ما أجيز لي أستخدام مصطلح الأستاذ الكاتب (علي طاهر الحمود).

لقد تمثل فشل هذه الأحزاب الإسلامية الشيعية في العراق من خلال قيادتها للدولة في بعدين، الأول ماضوي يستحضر على الدوام من خلال الدين والمذهب والرموز التاريخية الكبيرة، لانها لم ترتقي الى مستوى هذا الاستحضار الدائم للماضي ومفرداته،  والثاني يتمثل في فشل المنهجية البراغماتية التي حاولت هذه الأحزاب أتباعها في قيادتها للدولة، لانه منهج غريب عنها وعن ادبياتها ويتصادم في بعض جوانبه مع مبادئ عقائدية ثابتة في منهاج هذه الاحزاب.

ليس أمام هذه الأحزاب خيارات عديدة، فهي قد ألزمت نفسها كما أسلفنا بأستحضار الماضي بكل تجلياته وقساوته للوصول الى حالة مثلى طالما طال انتظارها، وفشلت فشلاً ذريعاً فيه،  أو أن تستمر في نفس المنهج البراغماتي الذي قوامه الاستغلال العاطفي لجماهيرها في وضح النهار، والانغماس في كل فساد السياسة والحكم والسلطة في الليل، وهو الاخر صاحبه فشلاً كبيراً في الآونة الأخيرة، بعد أن برز على السطح وعي جديد لدى شرائح مختلفة من الجماهير العراقية التي لا تمثل القاعدة الجماهيرية الكلاسيكية لهذه الأحزاب.

ليس من السهل على هذه الأحزاب أن تعيد النظر في جملة خياراتها في الجانبين النظري والعملي، لانها بسهولة استنفذت كل طاقاتها، بل قد لا أكون مبالغاً حينما أقول، انها فقدت مبررات وجودها في الساحتين السياسية والدينية في العراق.

......................

المصادر

1- نيتشه (هكذا تكلم زرادشت)

2- جبران، خليل جبران ( النبي)

3- أبو زهرة، محمد. (المذاهب الإسلامية)، ص ١٥٥

4- مغنية، محمد جواد. (الشيعة والحاكمون)، ص ٢٨

5- Rawls, John, “Justice as Fairness :Political not Metaphorical “, Philosophy and Public Affairs 14 (Summer 1985): 223-51

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0