سؤال التنوير..من إنسان إلى إنسان، العالم لنا
عين نيوز

| الحلقة السادسة |
علــي حســـين
الاعتقاد بأنه مادام الرجال متساوين في بعض الأشياء،إذن فهم متساوون في كل شيء"
أرسطو
كان معروفاً بين الناس باسم"الفيلسوف الضاحك"، لأنه كان يسخر من الجهل والحماقة، لكن الفيلسوف ديموقريطيس المولود عام 461 ق.م عرف بالدعوة الى إعلاء شأن العقل، وكان يرى إن هدف السعي البشري هو الحفاظ على حسن أحوال النفس، وهذا ما يتحقق عند الإنسان عبر الاتزان والركون الى العقل في الحفاظ على الاعتدال والأخذ بالمقياس الصحيح وتجنب اللذة الحسية وتقدير السعادة العقلية :"على العقل أن يتعود كيف يحقق لذته انطلاقا من ذاته".
وبالعودة الى لقب الفيلسوف الضاحك يبدو إن ديموقراطيس كانت له الضحكة الأخيرة من بين معظم فلاسفة اليونان، فعلى مدى القرون الخمسة والعشرين التي تفصلنا عن ديموقراطيس، ظلت أفكاره تحت وطأة رفض أفلاطون وأرسطو لها ومن بعدهم الكنيسة. لكن الحظ ابتسم له مع الثورة العلمية التي قادها كوبرنيكوس عام 1507 ومن بعده غاليلو عام 1615 واللذان ضربا بنظريات أرسطو وأفلاطون عرض الحائط، وأعادا اكتشاف الفيلسوف الضاحك ديموقراطيس أكثر من أي فيلسوف آخر، وسيتضح لدارسي تطور العلوم في القرن السابع عشر الميلادي إن الكثير من الأفكار المنسوبة لغاليلو والتي أحدثت ثورة في العلوم ليست إلا إعادة صياغة لما قاله ديموقراطيس، بل إن سلسلة تأثير ديموقراطيس ومعه الفلاسفة الذريين القدامى تمتد من عصر اليونان حتى انتصار النظرية الذرية الحديثة على يد أينشتاين.
اعتقد ديموقريطس إن الكون يحوي على عدد هائل من الذرات الموجودة من قبل، ولا يمكن تفتيتها أو تحطيمها، وعلى الرغم من صِغر حجمها إلى الحد الذي لا يمكن رؤيتها فيه، إلا أنه كان يعتقد إنها لا بد أنْ تكون ذات أشكال وأحجام مختلفة، لأن ذلك قد يفسر السبب في أن الأشياء المصنوعة من الذرات لها طعم وملامح وألوان مختلفة. لكن هذه الأشياء الكبيرة موجودة فقط لأننا نحن البشر نتذوق ونشعر ونرى. في الواقع، أصرّ ديموقريطس،على أنه ليس هناك شيء سوى"الذرات والفراغ"،وهو ما نسميه المادة والفراغ.
ورغم نجاح النظرية الذرية، إلا أنها واجهت في وقتها الكثير من الاعتراضات، فقد كرس أرسطو كتابات عديدة ليثبت أن ما يقوله ديموقريطس ليس سوى هراء. أما أفلاطون فقد نفر من هذه النظرية، حتى أنه كان يكره أن يُذكر ديموقريطس أمامه، وطالب بان تحرق كتبه، وقد تحقق له ذلك فأحرقت العديد من مؤلفات ديموقريطس، فيما لفّ الاهمال والضياع المؤلفات الأخرى.كما أصرت الكنيسة المسيحية على رفض أفكار ديموقريطس والعمل على رفض تدريسها. وقد مقتت الكنيسة أفكار ديموقريطس لسببين الأول إنها حاولت تفسير كل شيء بإطار ميكانيكي دون الإشارة الى أن هناك خالق، والأخرى إنها زعمت أن لاحياة بعد الموت، ذلك لأن كل الأشياء ما هي إلا تشكيلة مؤقتة من الذرات ستذوب عائدةً الى الفوضى في النهاية. ويرى بعض مؤرخي الفلسفة أن أفكار ديموقريطس لا ترى أي هدف نهائي أو تصميم رائع في الكون، وإن الأشياء تحدث من خلال الصدفة والضرورة،وهو الأمر الذي دفع ماركس أن يكتب في كتاب الايديولوجية الألمانية ساخراً من هذه الأراء فقد كان يرى أن :"حياة ديموقراطيس كانت زاخرة بالأحداث وارتحالاته في أرجاء العالم، فديموقريطس كان أبعد ما يكون عن رفض العالم، بل كان على النقيض، عالماً طبيعياً تجريبياً، وأول مفكر موسوعي بين الإغريق"، ويذهب ماركس الى أن ديموقريطيس لم يكن مهتماً بدراسة الكون فقط، ولم يكتب في النظرية الذرية العامة، بل كتب أيضاً عن أحوال الناس وطور مذهباً أخلاقياً يهدف في جوهره الى السعادة، فالهدف من الأخلاق في نظره هو السعادة، وقوام السعادة هو التحرر المطمئن من العوز والخوف والقلق، وسعادة العقل أهم بكثير من لذائذ الحس، وترتكز الأخلاق عند ديموقريطس على العقل، بوصفه أداة لتحقيق السعادة الإنسانية، فهو جوهر النبل في الإنسان، ويشكّل لديه قوة اعتدال تحقق لصاحبه حياة الطمأنينة المتحررة من الخرافة والمخاوف، والمفعمة بالبهجة والتفاؤل القائم على ميل سلوك الإنسان نحو الخير بإرادته..وإن للحكمة قيمة كبيرة لأننا بفضلها نستطيع أن نحكم على الأشياء، وبسبب سفرياته الكثيرة في شبابه كان يطرح دوماً نظرية خاصة في الحكم تعطي أهمية للرأي واحترام خيارات جميع المواطنين.
****
فرجل واحد حكيم يمكن ان يكون مفيداً، لكن بصيرة أكثر من رجل حكيم، ستوفر مشورة أفضل.
سكيلتون
حدّد اليونانيون السياسة حيث رأى فيها ديموقريطس فن قيادة المجتمع، وحكم البشر برضاهم. وهي تجمع بمهارة بين الأشياء و تهدف الى إشاعة العدالة الاجتماعية. ونجد عند أفلاطون إن العدالة تعني تنظيماً عاماً للمدينة"كفضيلة تمثل العدالة لاتزان نفس سليمة، حيث كل قسم منها ينفذ مهمته، وعند ديمقريطس فإن الفضيلة دافعها الخير، وإن الخير يشيع العدل..قال سقراط إن الفضيلة هي المعرفة، وإن الفضيلة يمكن وبطريقة من الطرق تعلمها. وبالحديث مع الناس وجعلهم يفكرون، نحثهم ليصيروا فاضلين. وعندئذ سيسلكون طريق العمل الصحيح، ويتبع ذلك صيرورتهم سعداء، ويكمل أفلاطون هذه الأطروحة بالقول إن المعرفة الحقة هي المعرفة بمثال الخير، فيما يقدم ديموقريطس تفسيراً عن تطوّر النظم السياسية البشرية، فهو يقول إن البشر الاوائل كانوا يتصارعون وحدهم من أجل البقاء في عالم عدواني، ثم بدأوا يتعاونون في مواجهة عدوهم المشترك من الوحوش الضارية، وبمرور الوقت علمتهم التجارب تحسين معيشتهم وتأسيس نظام لإدارة شؤونهم، ووجد ديموقريطس إن المجتمع أشبه بجسم الإنسان، فإذا اهتز في الجسم العقل فقدت ذراته نظامها واستقرارها، ولهذا إذا أراد المجتمع أن يكون صحياً فهو يحتاج الى مكونات من الاستقرار والعدالة والنظام، وقد نادى بضرورة تطبيق القانون لكي يواصل المجتمع ازدهاره، ويعطي ديموقريطس للتعليم أهمية كبيرة في استقرار وتطور المجتمعات فكتب إن :"أسوأ شيء في الوجود هو التهاون في تعليم الصغار".. ولعل أبرز ما ابتكره ديموقريطس هو إنه حث أتباعه على إشاعة مفاهيم العدل والخير والمساواة لارضاء الألهة أو كهنة المعبد، وإنما لأن تلك الفضائل مهدت الطريق الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه لاستقرار المجتمع. ويعزو الكثير من الباحثين الى ديموقريطس وأتباعه من الذريين إشاعة مفاهيم جديدة تتعلق بسلطة الشعب. ويخبرنا قاموس أكسفورد إن كلمة ديموقراطية"ظهرت للمرة الأولى ما بين نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس قبل الميلاد، بعد أن أطاحت الثورات في أثينا بسلسلة من الحكام المستبدين، وإذا كانت الديمقراطية بالنسبة إلينا اليوم تمثل"شيئاً جيداً"، فإنها كانت للمجتمع اليوناني تدل على كفاح يفصل بين فلاسفة الحكومة، والطبقات الاجتماعية ومفكريها..وواجهة الديمقراطية معارضة وسخرية من فيلسوف بحجم أفلاطون الذي وصفها بأنها حكم الرأي على المعرفة، وهو الرأي الذي عارضه السياسب الإغريقي بيريكلس صاحب الخطاب السياسي الذي خلّد عبر العصور وفيه يمجد الديمقراطية ونجده يقول :"نحن الأثنيين، بأشخاصنا، نتخذ قراراتنا بشأن السياسة، أو نحيلها إلى مناقشات خاصة مناسبة، لأننا لا نعتقد بأن هناك توافقاً بين الأقوال والأفعال". وقام أرسطو بإعلان أن دمج فضيلة المعرفة الارستقراطية بالقوة الديمقراطية بالرأي، سيؤدي الى تكوين أفضل دولة ممكنة، ويذهب المسرحي اليوناني سوفوكليس والذي عاش في الفترة من (496 ق.م. الى سنة 405 ق.م. ق.م. في أثينا) الى رفض حكم الرجل الواحد وفي تراجيديته الشهيرة انتيجون يدور هذا الحوار المهم عن الديمقراطية
كريون : ألا تعصي انتيجون القانون؟
هايمون : يرفض مواطنوك هذا الرجل
كريون : وهل تجرّأ العوام ليعلموني كيف أحكم؟
هايمون : مَنْ الذي يتحدث كالصبي الآن؟
كريون : هل يستطيع أحد أن يأمر في هذه المدينة غيري؟
هايمون : إنها ليست مدينة إذ يحكمها رجل واحد
كريون : ولكن العُرف أن يكون المُلك للحاكم
هايمون : بإمكانك أن تحكم صحراء وحدك بشكل أفضل.
*****
الحكم الاستبدادي! إنه يبدو لي شيئاً مفزعاً، خاصة في عصور الديمقراطية. أعلم إنه يجب عليّ أن أحب الحرية في كل العصور، ولكني، في العصر الذي نعيش فيه، مستعد أن أعبدها.
ألكسي دي توكفيل
يخبرنا جون ستيوارت ميل في سيرته الذاتية إنه :"بقراءتي كتاب توكفيل بدأ التغير في نموذجي السياسي من الديمقراطية الخالصة كما يشيع فهمها بواسطة مناصريها،الى الشكل المعدل منها".ويؤكد ميل أن توكفيل قدم تناولاً أكثر إقناعا عن مميزات الديمقراطية، لأنه على الرغم من قبوله لحتميتها، فإنه أشار الى سمة الضعف في الحكمة الشعبية لإيضاح كيفية علاجها، وقد حاول توكفيل أن يحمي الديمقراطية من الشكل الاستبدادي للحكم، وهو الحكم المطلق لرئيس السلطة التنفيذية، فهو يرى أن ذلك يشكل خطراً حقيقياً في المجتمعات الحديثة.
ولد ألكسي دي توكفيل بعد فترة قصيرة من قيام الثورة الفرنسية لأسرة غنية،وعاش من 29 تموز عام 1805 وحتى 16 نيسان عام 1859، وقد كان مرتبطاً بالنظام القديم بسبب أسرته، وبالنظام الجديد من خلال رؤيته للحرية، وقد شهد دخول الديمقراطية الى فرنسا وتنبأ بأنها ستنتشر في جميع أنحاء العالم..نجا والده من مقصلة الثورة الفرنسية، وصودرت أموال أسرته من قبل الثوار مما أصاب والدته بالمابة، وكان مستقبل الكسي مجهولاً بسبب الثورة التي طاردته أشباحها وهو في سن الشباب وكان يتساءل : لماذا قامت الثورة؟ وما الذي جاءت به؟ وما هي بالضبط آثارها الباقية على الحياة الفرنسية؟ كانت هذه التساؤلات من أبرز الموضوعات التي اهتم بها توكفيل في كتاباته..كان الكسي محباً للقراءة. ولم يكن تلميذاً نابهاً فقط، وإنما كان أيضا عميق التفكير قال عنه الأديب الفرنسي الشهير سانت بوف إن توكفيل من ذوي العقول التي تفكر قبل أن تتعلم، ولأن توكفيل ينتمي الى أسرة ارستقراطية كانت التقاليد تقضي بان يشغل وظيفة عسكرية كما فعل أخواه الأكبران، غير أن والده كان يحلم بان يشتغل ابنه الصغير في وظيفة سياسية،وفي ذلك الوقت كان الابن يدرس القانون، وكان يطمح أن يقضي القانون على بعض الأعمال الخاطئة ومنها قضية المبارزة التي كانت تعتبر من الأعراف القومية، وطالب بان يحل الناس خلافاتهم بطرق بعيدة عن العنف فكتب :"أعد صنع الإنسان قبل أن تعيد صنع المواطن..حينها سيصبح لديك قوانين فعالة". عام 1827 أصبح توكفيل قاضياً تحت الاختبار، بعد ذلك كان عليه أن يترشح الى منصب رسمي، لكنه لم يستمر طويلاً في عمله حيث تم إيفاده الى أميركا للقيام بدراسات عن النظام الإصلاحي عند الأميركان. ففي العاشر من أيار عام 1830 نزل على شاطئ نيويورك شابان فرنسيان، هما الكسي دي توكفيل وغوستاف دو بومون.كان توكفيل في الخامسة والعشرين من عمره، وكان ما يزال قاضياً متدرباً، ويشعر في قرارة نفسه بأنه خُلِق لمهنة أخرى غير مهنة القضاء، وكان يبحث عن مخرج لارائه السياسية، حيث لم تؤد الثورة في فرنسا مهامها بشكل صحيح مما زادت في رغبته لدخول حقل جديد من العمل تتحقق فيه الأفكار، والفرضيات، والآمال. وما أن وطأت قدماه الولايات المتحدة الأميركية حتى فكر في هذا المجتمع الجديد، ووجد فيه حلاً ناجحاً لمشكلتي الحرية والمساواة التي ماتزال بلاده فرنسا منذ عام 1789 تتخبط فيهما.
وبعد عام من الإقامة قرر أن يكتب عن الديمقراطية في أميركا، وأن يقدم للفرنسيين مفهوم الديمقراطية دون زيادة أو نقصان.. ولعل العامين الذين ألف فيهما توكفيل القسم الأول من كتابه الضخم"الديمقراطية في أميركا"كانت أسعد عامين في حياته مثلما يخبرنا في يومياته. فقد كان يهب نفسه بأكملها لعمله، وكان يحبس نفسه طول النهار لينتهي من تأليف كتابه، قرر أثناء ذلك الاستقالة من القضاء، وانشغل بمراجعة الكتب السياسية المهمة وهام شغفاً بمونتسكيو وكتابه روح الشرائع، وبعد عامين سيصدر الجزء الأول ليكتب صديقه القاضي بومون :"ربما كان لايسعنا أن نقارن به أي شخص آخر في ايامنا"، ونراه فجأة يصبح مشهوراً وتكتب الصحافة إن هذا الكتاب لرجل عمره أقل من ثلاثين عاماً صار مشهوراً في لحظة مثل البرق، وانقسم المجتمع الفرنسي حوله ففي أوساط اليمين كان ينظر إليه على أنه عمل لرجل ارستقراطي فاشل، وكان يوصف بأوساط اليسار بأنه شخص ديمقراطي، فيما تُرجِم الكتاب الى جميع اللغات، واعتبره الأميركان أيقونة في السياسة الحديثة، فالشاب الذي لم يقم في بلادهم سوى عام واحد استطاع أن يدرك روح مؤسساتهم ودوافعها إدراكا بالغ الروعة، ووصفها وصفاً دقيقاً الى حد إنه تمكن من كشفها لهم، وقد تعرف الإنكليز في شخص توكفيل وعلى سلالة مونتسكيو الفكرية والاجتماعية، فغمروه بالمديح، وعندما قرر مجلس العموم الانكليزي التحقق من ضمانات التصويت في الانتخابات، لجأ الى شهادة توكفيل باعتباره أكثر المفكرين قدرة في مجال الحرية السياسية.
بعد خمسة أعوام سينشر القسم الجزء الثاني من كتابه والذي يلخص فيه الأثر الذي مارسته الأفكار والعواطف الديمقراطية في المجتمع السياسي.
وليست أميركا هي التي يقدمها لنا توفكيل في الكتاب، فهي مجرد إطار لموضوع أكبر هو الديمقراطية بشكل عام..ينهي توكفيل كتابه الضخم بهذه السطور التي يقول فيها :"يوجد اليوم على سطح الأرض شعبان عظيمان، انطلقا من نقطتين مختلفتين الأميركيون والروس، اللذين سوف تكون أمامهما مهمة شديدة الأهمية يقومون بها بالنسبة إلى تاريخ الحضارة، شرط أن يعرفا كيف يستجيبون بكل وضوح للأسباب المثالية التي ستجعل لهما هذه المكانة تجاه شعبيهما وتجاه البشرية جمعاء". وضع كتاب الديمقراطية في أميركا، عندما كانت أميركا لاتزال أمة شبه مجهولة في العالم أجمع، ولا تزال تبحث عن هويتها ومكانتها،، وقد رأى دي توكفيل بتحليله العلمي، ما لم يره المفكرون الآخرون، وقد وضع توكفيل لنفسه مهمة هي اكتشاف اميركا ونظامها الجديد القائم فيها، وعنصر المساواة الذي يشكل محور سياساتها وحياة مواطنيها. وفي طريقه كان لا بد للكاتب من أن يقيم مقارنات مع ما هو حادث في القارة الأوروبية مبشراً بوصول الديموقراطية الأميركية إلى العالم، باعتبارها تحمل أول نظام مساواة وتكافؤ للفرص حقيقي في تاريخ البشرية.
في رسالة بعث بها عام 1835، أي يوم بدأ بإصدار كتابه"عن الديموقراطية في أميركا"، كتب دي توكفيل إلى احد اصدقاءه، رسالة جاء فيها:"في أميركا، كل القوانين تنبع، في شكل ما، من الفكر نفسه. وكل المجتمع، إذا جاز لنا القول، يتأسس على واقع واحد... كل شيء يصدر عن مبدأ وحيد. وقد يكون في إمكاننا أن نقارن أميركا بغابة كبيرة تخترقها دروب كثيرة مستقيمة توصل جميعها إلى المكان نفسه. من هنا قد يكون على المرء أن يصل إلى نقطة اللقاء تلك حتى يجد أن في إمكانه أن يكتشف كل شيء بنظرة واحدة". وعلى هذا النحو حدّد دي توكفيل زاوية نظره، وقال بكل وضوح إنه إنما اكتشف نقطة اللقاء تلك، وبات قادراً على رسم صورة للعالم الجديد، يقدمها نموذجاً إلى العالم القديم جديراً من دون شك بأن يُحتذى. أما المبدأ الوحيد الذي تحدث الكاتب عنه، والذي كرس له مئات صفحات كتابه هذا، فهو مبدأ المساواة، أو تكافؤ الفرص.
قسم دي توكفيل كتابه قسمين، حلّل في أولهما العالم السياسي للاتحاد الأميركي، وفي الثاني قدم وصفا للتشريع والحياة العامة في الولايات المتحدة، راسماً هنا تلك المقارنات المهمة مع الوضع في بلاده فرنسا وقد حدّد دي توكفيل المساواة باعتبارها العنصر الرئيس للحياة في أميركا، وقاعدة الدستور فيها، وبصفتها أيضاً نمط حياة اجتماعية ودينية. وكانت كلمة المساواة هي المدخل لدراسة الديمقراطية في اميركا، وهو يشير الى ان نظام الحرية الفردية، على رغم من بعض أخطاءة فانه يلعب دورا في التطور السياسي والإقتصادي، ويساعد على التقدم والنمو، حتى وإن كان ثمة نوع من ترجيح كفة الناجح والغني، على حساب الخامل والفقير. وهنا في هذا الإطار لا يفوت دي توكفيل أن يقول إن الصورة لا تخلو من مصدر للقلق: وهذا المصدر يتأتى من خطر المركزية المتزايدة التي قد يكون من شأنها إن تفاقمت أن تستعبد البلد كله لحساب أكثرية ما. أما نقاط الضعف الأساسية هنا فتكمن في ترجيح كفة التصنيع دائماً على حساب الزراعة، وعدم وجود تماسك حقيقي في العائلة، فقد كان دي توكفيل يرى أن التماسك العائلي والتعاون الاجتماعي هما الوحيدان القادران على إعطاء اي مجتمع نوع من الصلابة. وفي غيابهما، لن يكون من المستحيل تحوّل الديموقراطية إلى طغيان.
احدث كتاب توكفيل ثورة في الفكر السياسي العالمني، وفتح الأعين على ذلك العالم الجديد الذي يصفه بدقة واعني"اميركا"، ونبه إلى مركزية قضية المساواة في حياة الشعوب. وكان من الطبيعي لهذا أن يجعل من دي توكفيل واحداً من أبرز المفكرين السياسيين في زمانه وبعد هذا الكتاب. اصدر عددا من المؤلفات اشهرها :"المذكرات"و"النظام القديم والثورة".
الحرية الانسانية قوامها المؤالفة الكاملة بين المصالح الانسانية والفعاليات الانسانية، والقوى الانسانية، وان المؤالفات الضرورية بين الافراد، وبين الافراد والمؤسسات المركبة التي يعيشون فيها، وبين تلك المؤسسات والحكومة هي اليوم اعقد بكثير من اي وقت مضى. فالحياة اصبحت معقدة، وقد دخلتها عناصر واجزاء كثيرة، تزيد عما كان بها في اي وقت سابق، لذلك يصبح اصعب علينا ان نحفظ كل شيء مؤتلفا مع غيره، واصعب ان نجد موقع الخلل حيت تختل الآلة. تعلمون احد الاقوال المفيدة التي قالها جيفرسون في تلك الايام المبكرة البسيطة التي شهدت نشوء حكومتنا هو ان افضل حكومة تلك الحكومة التي يكون الحكم فيها بأقل مقدار ممكن، وهذا القول مازال صحيحا من بعض وجوهه. فما زلنا نرفض ان تتدخل الحكومة بفعالياتنا الفردية الا حيث يجب ان تتدخل فيها من اجل تحريرها.لكنني واثق ان جفرسون لو عاش في ايامنا لرأى ما نراه : اذ ان الفرد يجد نفسه الآن في رباط كبير مبهم، تدخل فيه جميع الحواجز التي يجب ان يجابهها.فيجب اذن ان يتدخل القانون في ايامنا من اجل مساعدة الفرد. يجب ان يساعده ليحصل على عدالة في الفرص. وهذا كل شيء، لكنه شيء كثير. فمن غير هذا التدخل المراقب، وتدخل الحكومة المصمم الأكيد، لايمكن ان توجد عدالة في الفرص بين الافراد وبين مؤسسات قوية كالمؤسسات الاحتكارية. فالحرية اليوم هي اكثـر من ان يترك الفرد لوحدة. وبرنامج الحكومة في الحرية يجب ان يكون في هذه الايام إيجابيا لا سلبيا فحسب"
وودرو ولسون
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





