سؤال التنوير..حين يصبح الإنسان وحدة قياس كل الأشياء
عين نيوز

| الحلقة 16 |
علــي حســـين
آهٍ ! إن الفأس في أيديكم ، فوجهوا الضربة النهائية لشجرة الخرافة ، لاتقتنعوا ببتر الفروع ، استاصلوا العشب الذي استفحلت أضراره المعدية ، كونوا على وعي مطلق بأن نظام الحرية والمساواة يتناقض تناقضاً صريحاً مع المهيمنين على مذابح الكنيسة
الماركيز دي ساد
أنجز عصر النهضة مهمة إعادة الاهتمام بشؤون البشر ، ونبّه الى أسئلة نادراً ما كانت تناقش منذ انهيار الحضارة القديمة ، وقد استطاع مفكرو النهضة أن يجعلوا من الإنسان وبيئته مركزاً لتأملاتهم ، بدلاً من الانشغال بالاسئلة اللاهوتية ، ولم تكن هذه الحركة الإنسانية مجرد حركة شعبية ، ولكنها اتجاه فكري أثر على معظم البلدان الأوروبية ، وأسس قاعدة لمفهوم جديد للحياة ، ووجّه انتباه المجتمع الى أشكال العلاقات بين السلطة والأفراد ، وهكذا أعيد إحياء الأفكار القديمة للحقوق الطبيعية ، وبينما يسعى الحكم المطلق لتأكيد سلطته بواسطة مذهب الحق الإلهي للملوك ، التجأ أصحاب فكرة العقد الاجتماعي الى إيضاح موقف الفرد في المجتمع واكتشاف أصل ومغزى الدولة ، وتحت تأثير الأفكار الجديدة رأى معظم فلاسفة القرن السابع عشر في الإنسان " وحدة قياس كل الأشياء " ، ووضعوا تعريفاً للمجتمع كوحدة مستديمة للبشر الذين اجتمعوا بأنفسهم ، وإن الحياة الاجتماعية تأسست على علاقة تعاقدية ، مدعومة بحقوق لا تُستلب
، وتخدم كل العلاقات المجتمعية للبشر . هذه الفكرة كانت الجوهر الحقيقي لمذهب الحقوق الطبيعية ، وهي فكرة كانت ظهرت قبل أكثر من 2500 عام تحت تأثير ضغط التفاوت الاجتماعي داخل المجتمع الإغريقي ، مما جعل السفسطائيون يعلنون أن " القانون قد أصبح طاغية الإنسان ، يحظه باستمرار على أفعال غير طبيعية " ، في إدانة لمؤسسة السلطة بوصفها لم تقم على أساس من طبيعة الإنسان ولكنها نشأت من تشريعات أصدرها بشر يمارسون رذيلة الظلم .
عاش السقسطائيون في أثينا في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد ، وشغلوا مناصب معلمين خصوصيين ومستشاري علاقات عامة ومحاضرين وممثلي مسرح وكاتبي خطابات وفلاسفة وخطباء وأطباء في آن واحد وكانت طريقتهم في الفلسفة تسمى " السفسطائية " وهي طريقة تدريس يقوم بها مجموعة من المعلمين يستخدمون الفلسفة لتدريس الفضيلة للشباب ، وقد كانوا يتقاضون مبالغ مالية مقابل تعليم الحكمة ، وفي إحدى محاورات أفلاطون يتوجه سقراط الى أحد أبرز الفلاسفة السفسطائيين – بروتاجوراس – عما يقترحه من موضوعات لتعليم الطلبة فيجيب
بروتاجوراس : أعلمه كيفية الاهتمام بكل أموره الشخصية ، لكي يحسا إدارة بيته ، وأعلمه كذلك الاهتمام بأمور الدولة لكي يصبح قوة حقيقية في المدينة كمتكلم ورجل أفعال .
وقد دعا السفسطائيون الى معارضة كل تمييز بين الطبقات والطوائف والشرائح الاجتماعية ، وكان يبدو لهم الفخر القومي بأنه " حماقة بلا معنى " وأعلن بروتاجوراس إن دولة الى جانب القومية هي أشياء بلا أهمية ، فيما أصرّ الفيلسوف المتمرد ديوجينيس إن الإنسان هو مصدر لكل الطموحات .
كان ديوجينيس يعيش في عصر خالٍ من الأوهام ، بعد قرن من الزمان كانت الحروب هي المسيطرة على حياة الناس ..في هذا الزمان كانت الفلسفة أشبه ما تكون بـ " عربة إسعاف تسير إثر يقظة الصراع من أجل البقاء ، وتلتقط الضعفاء والجرحى " على حد تعبير ديورانت في قصة الحضارة .إلا أن ديوجينيس لم يسعَ الى الانضمام الى كادر عربة الإسعاف ، وإنما نراه يكتفي بالاشارة الى حجم المأساة التي تحاصر الإنسان .. ولهذا فهو لايحترم قوانين الدولة وإنما قانون الإنسان الطبيعي ، وتخبرنا كتب الفلسفة إن الاسكندر الأكبر قرر زيارة ديوجينيس الذي كان يتخذ من برميم مسكناً له ،فسأله ديوجينيس : ما هي أعظم أمنياتك في الوقت الحاضر
فأجاب الإسكندر : إخضاع بلاد اليونان
ثم ماذا ؟ يسأل ديوجينيس
فيجيب الإسكندر إخضاع آسيا
ديوجينيس : ثم ماذا ؟
الإسكندر : إخضاع العالم
ديوجينيس : ثم ماذا ؟
الاسكندر : أهدأ واستريح وامتع نفسي
ديوجينيس : ولم لا تهدأ وتستريح وتمتع نفسك الآن
ويروى أن الاسكندر قال :" لو لم أكن الاسكندر لفضلت أن أكون ديوجينيس"
فرد الفيلسوف ساخراً : ولو لم أكن ديوجينيس لفضلت أن أكون أي رجل آخر سوى الإسكندر " .
كان همّ ديوجينيس البحث عن القيم الحقيقية للحياة ، فكان يتمنى السعادة ، لكن من غير أن يكون ثمنها العدوان والاستبداد ، ويرغب في العدالة من غير إشاعة مفاهيم الانتقام والثأر ، ويرغب في العيش برفاهية من دون أن نكدس الفضة أو الذهب ، وإنما بامتلاك عقل رصين .
كان ديوجينيس يقترب من سقراط في الكثير من الآراء ، فالاثنان كان يؤمنان بأن معرفة النفس هي بداية المعرفة كلها . واعتبر الاثنان أن القوانين يجب أن لاتسن لصالح الأقوياء على حساب الضعفاء ، وكان ديوجينيس أكثر تطرفاً من سقراط في آراءه ، فلم يعارض الملكية الخاصة فقط ، وإنما رفض كل أنواع الملكية . وسمى نفسه أخاً للجنس البشري ، وكل الأشياء الحية ، وهكذا تحول الى مواطن عالمي شريد ، جرد نفسه من كل متاع ، لأنه عثر على " أعظم عطية ألا وهي التحرر من الخوف من السرقة " إذ لم يكن لديه ما يستحق أن يُسرق .وكان يعتبر نفسه كامل الحرية والاستقلال ، وقد كتب بهذا المعنى عبارته الشهيرة :" يأكل أرسطو عندما يشاء الملك ، أما ديوجينيس فإنه يأكل عندما يشاء ديوجينيس" .
لقد أصر ديوجينيس على أن يعلم أبناء مدينته أن يصغوا فقط الى صوت القانون الداخلي ، الذي ينكشف في الطبيعة ذاتها .قاده ذلك الى رفض كامل للدولة وكل المؤسسات السياسية وقد اتخذ موقفه بحرية كاملة ومساواة مع كل شيء يحمل الشكل الإنساني .. ولم تكن فلسفة ديوجينيس القائمة على الحرية والبساطة والعدالة سوى محاولة لإيجاد سلام داخلي وسط اضطراب عالم مزّقته الحروب ، وقد سلك في حياته طريقاً خاصاً جعل منه طبيبياً يعالج النفوس وفيلسوفاً محرضاً للعقول وكان يردد :" اقبلوا دوائي ..ومن الممكن أن تحصلوا أنتم أيضاً على الحرية الحقيقية " .
*********
إن عدم المساواة صفة مهينة وتزرع بذور الشقاق والكراهية وتثير الحروب الأهلية ، وتفسد الانسان وتبدّل مشاعر قلبه الطبيعية "
مابلي مورللي
في الأربعين من عمره قرر أن يسكن في بيت ريفي ، كان يعيش حالة من الترقب لأحوال المجتمع يكتب في يومياته :" إني لا أملك من نفسي سوى نصفها ، أما نصفها الآخر فهو للمجتمع " في تلك السنوات من عام 1752 كان جان جاك روسو قد فشل في أن يصبح كاتباً مسرحياً ، وجرب كتابة المقالات التي تدر عليه بعض المال ، لكنها جلبت بدلاً من ذلك المشاكل ومطارة السلطات بسبب دعوتها الى إقامة مجتمع المساواة بين جميع البشر ، في بيته الريفي الذي سيكتب مقاله حول أسس اللاعدالة بين الناس :" لن أكون سعيداً في مجتمع البشر إلا عندما أغدو حراً " ، كان يشعر إنه تقدم في السن من دون أن يترك أثراً كبيراً وراءه ، وظل يسأل نفسه هل هو إنسان يعيش غريباً بين البشر :" إنني أشم في نفسي رائحة إنسان آخر ، أشم الإنسان على الحال التي خلق فيها ، عندما لايزال إنسان الطبيعة لا إنسان الإنسان " .
في اعترافاته يقدم لنا جان جاك روسو سيرته كإنسان باحث عن الحقيقة ، حتى وإن كانت هذه السيرة ستصدم القراء بصراحتها وحدة جرأتها
ونقرأ في هذه السيرة إنه ولد في جنيف عام 1712 لعائلة أنهكها الفقر ، فقد أمّه في طفولته المبكرة ، فتعلق بأبيه الذي كان كان يتنقل من مهنة الى أخرى ، مصلح ساعات ، معلم رقص ، كاتب عرائض ..حارس مزرعة ، وفي النهاية سيترك ابنه ويهرب ، ليجد الصبي ذو الثامنة من عمره في مواجهة خاله الذي حاول أن يدخله أحد الأديرة ليصيح قسيساً ، وقد كتب فيما بعد أن اصعب مشهد رآه في حياته منظر القساوسة كل صباح وهم يلقون خطبهم وتعليماتهم متجهمي الوجوه .. منذ تلك اللحظة قرر أن يتمرد على الحياة ، ويخرج بحثاً عن الحرية ، كان التشرد والحرمان طابع حياة روسو، ما جعله يشعر بالظلم :"لقد علمتني ذكرى التبدل الذي أصابني في حياتي ، الفرق بين تبعية الابن للأسرة وبين الخضوع الذليل للآخرين ".
في مقدمة كتابه " أميل او التربية " سيكتب عن إحساسه بعد أن بلغ الأربعين من عمره عندما بدأت اقترب من سن الأربعين ، كنت أملك عوضاً عن ثروة كنت أزدريها دائماً ، وعن اسم اضطررت لأن أدفع من أجله كثيراً ، كنت أملك عوضاً عن ذلك الراحة " .
في العام 1753 وبعد أن بلغ الثانية والأربعين من عمره نشر رسالة بعنوان " خطابه في التفاوت بين الناس " قال فيها إن :" الإنسان خير بطبعه ، لكن بيئته غير الطبيعية هي التي تجعل منه شريراً " وحدّد في رسالته أنواع الشرور وكان أشدّها ضرراً هي الملكية الخاصة ، ويذهب روسو أبعد من ذلك حين يصرح بأن الناس جميعهم خيرون إذا ما تُركوا على سجيتهم الإنسانية :" أعط المتوحش شيئاً يسد به رمقه ، ولن تجد منه إلا صديقاً لجميع أقرانه المتوحشين " ، بعث روسو بنسخة من كتابه هذا إلى فولتير فأجابه فولتير برسالة طويلة كتب فيها : " ... لم يسخَّر أحد فكره بقدر ما سخرته ، أنت ، لكي تجعلنا شبيهين بالبهائم ؛ يشتهي الإنسان ، حينما يقرأ خطابك ، أن يمشي على أربع قوائم" .
عمل روسو على تنظيم حياته بعد إقامته في الريف حيث عمل صباحاً ناسخ نوتات موسيقية ، وبقية الوقت يقضيه بالنزهة والقراءة والكتابة .
وكان روسو يريد ، إني يؤلف كتاباً ضخماً عن الأخلاق ، فاستبدله بكتاب أميل أو التربية ، كانت جميع مؤلفات روسو تخطر له أثناء نزهته حتى إنه قال لصديقه ديدرو : "لا يمشي رأسي إلا مع رجلي" .
ففي العام 1757 سيترك المنزل الريفي ويستقر في منطقة " مون لوي " ، حيث قرر أن يتفرغ للكتابة حيث أكمل روايته
"هيلوييز الجديدة " ونشر " العقد الاجتماعي" و"إميل" . والكتاب الأخير أثار ضجة كبيرة في فرنسا اضطرته أن يهرب الى سويسرا التي لم يعش فيها أكثر من أسبوع حيث أصدر مجلس مدينة جنيف قراراً بمنع كتبه وترحيله :" أثير ضدي ، في كل أوروبا ، صراخ لعنة هائج لم يسبق له مثيل ". ، ثم يكتب رسالة يرد فيها على رئيس أساقفة باريس الذي هاجم كتبه :" أني أرفض سلطان البشر ولا أخضع لما يعتقدونه إلا بقدر ما أرى فيه من حقيقة".
اقترح عليه أحد أصدقائه السفر إلى انكلترا حيث يستطيع أن ينعم بحرية تامة ، سيصل لندن في الثامن من كانون الثاني عام 1766 فيجد على رأس مستقبليه الفيلسوف الانكليزي دايفيد هيوم ، الذي سيرتب له سكناً في ضواحي لندن ، إلا أن إقامته لم تدم طويلاً فسرعان ما حدث خلاف بينه وبين هيوم فقرر في نيسان عام 1767، أن يترك انكلترا ويعود إلى فرنسا ، حيث سكن في الريف حتى عام 1770 ، وهي السنة التي عاد فيها الى باريس ليقف في وجه منتقديه ، وكان البرلمان قد أصدر من قبل قراراً بالسماح له بالعودة ، في تلك السنوات سيعكف على كتابة مذكراته التي اطلق عليها اسم " اعترافات " ، وهذه المرّة سيثير هذا الكتاب حفيظة الكنيسة والقصر ، فمنع من النشر ، مما اضطره للعمل كناسخ نوتات موسيقية في تلك السنوات سيعاني من الأمراض وسنقرأ وصفاً دقيقاً لحالته يقدمه لنا صديقه برناردان دي سان بيير روسو: "كان جان جاك رجلاً نحيفاً ، معتدل القامة، وكانت إحدى كتفيه تبدو أكثر انخفاضاً من الإخرى إما لعاهة طبيعية وإما للوضع الذي كان يتخذه وهو يكتب، وإما ، أخيراً ، لأن السنين كانت قد حنت ظهره وهو ، آنذاك ، في سن الرابعة والستين. مع ذلك ، كانت بنيته متناسقة. كان أسمر اللون، وردي الوجنتين، جميل الفم، قاني الأنف، مستدير الجبين، عالي الجبهة، ناري العينين . كانت تقاطيع وجهه التي تنحدر من المنخرين نحو طرفي الفم ، والتي تتميز بها السيماء ، تعبر عن أحاسيس بالغة يخالطها شيء من الألم ... كان إلى جانبه بيانو صغير من الطراز القديم ينقر عليه ، من حين إلى آخر ، بعض الألحان ؛ وكان كل أثاث غرفته يتألف من فراشين قطنيين ، ومن بعض البسط، ، مع خزانة صغيرة ذات أدراج ، ومنضدة ، وبعض الكراسي ... كان هناك كناري يغرد في قفص معلق بالسقف ، وعصافير دوري تأتي فتأكل الخبز المنشور على النوافذ المفتوحة من ناحية الشارع ، وكانت تنمو على نوافذ المدخل في صناديق خشبية وأوانٍ خزفية مزروعات شتى نابتة كما يطيب للطبيعة أن تبذرها ".
ساءت حالته الصحية منذ عودته إلى باريس حيث توفي في عام 1778 ، وقيل إن وفاته حصلت من تسمم في الدم ناتج عن مرض مزمن في المرارة رافقه طول حياته .
*********
كما أن الإرادة الخاصة لا تنفك تعمل ضد الإرادة العامة ، كذلك الحكومة تبذل جهداً مستمراً ضد السيادة "
جان جاك روسو
في الصفحة الأولى من كتابه " العقد الاجتماعي " سيضع روسو هذه الجملة التي ستصبح أيقونة لمعظم الثورات " :"ولِد الإنسان حراً و في كل مكان هو مكبل". وقد حفظ معظم الثوريين هذه الكلمات ووجد فيها قادة الثورة الفرنسية التي اندلعت بعد وفاة روسو بإحد عشر عاماً " 1789 " مرشداً لهم .
كتب روسو العقد الاجتماعي وهو يعيش وحيداً منعزلاً ، مطارداً ، منبوذاً من الكنيسة والقصر ، ليعلن من خلاله إن من حق كل فرد أن يكون حراً مثلما من حق المجتمع أن يحافظ على تماسكه والذي تمنحه الحرية القدرة على امتلاك الإرادة العامة ، وليس العقد الاجتماعي حسب روسو إلا عقداً بين الأفراد وصاحب السلطة ، وإنما هو اتحاد عن طريق ميثاق اجتماعي ويجري العقد بأن :" يضع كل واحد منا ، مع غيره ،شخصه ، وكل قوته تحت القيادة العليا للإدارة العامة ، ونستقبل كهيئة كل عضو كجزء لايتجزأ من الكل ، فكل مشارك يتوحد مع الجميع ولايتحد بأحد على وجه خاص كما إن الإرادة الخاصة لا تنفك تعمل ضد الإرادة العامة ، كذلك الحكومة تبذل جهداً مستمراً ضد السيادة " ، ويشترط روسو في العقد الاجتماعي ان يتضمن المساواة ، لأن جميع المشتركين لهم حقوق متساوية في نطاق الجماعة ، والحرية هي تلك التي ترتبط بالمساواة ارتباطاً وثيقاً ، وعلى خلاف جون لوك في مقالته عن العقد الاجتماعي الذي أكد فيها إن الفرد حر في أن يعمل أي عقد ، اعتبر روسو إن سيادة الشعب هي أكبر ضمانة للحقوق الفردية ، ولا يكون الفرد حراً إلا في " مدينة – الدولة " وبها ، فالحرية هي الخضوع للقوانين ، ولا يهدد صاحب السيادة الحرية ، إذ لايمكن للحرية أن تتحقق إلا بفضل صاحب السيادة وبتعبير الفلسفة الوجودية التي تأثرت بفكرة روسو عن الحرية يكتب سارتر إن الفرد يحكم على نفسه ، عن طريق العقد ، بأن يكون حراً .
فالإنسان إنما يحقق حريته بالخضوع الى القوانين :" إن الشعب الحر يخضع ، ولكنه لا يستعبد ، وله رؤساء ، لا أسياد ، ويخضع للقوانين ، لكنه لا يخضع إلا للقوانين ، ذلك انه بقوة القوانين ، لا يخضع للناس " .
يؤكد روسو إن الذين يقبلون بهذا العقد الاجتماعي فإنهم لا يلبثون أن ينعموا بفوائده . إنهم ، قبل كل شيء، وبالرغم من طاعتهم وخضوعهم للشرائع ، يظلون أحراراً ، لأن الإرادة العامة هي التي تسنّ هذه الشرائع ، ولأن المواطنين ، جميعاً ، قرروا ، بملء إرادتهم ، أن ينظروا الى الشريعة نظرهم إلى ما هو صادر عن إرادتهم . فإن هم خضعوا لها، فإنهم يخضعون ، إذن، لأنفسهم.
ثم انهم لا يستطيعون أن يعتبروا أية شريعة ظالمة بحقهم، لأن القاعدة تقول: لا ظلم بحق من يرضى. والحال ، لقد رضي المواطن، بملء إرادته ، بالخضوع للإرادة العامة؛ وبما أن هذه الإرادة هي التي تسمن الشرائع ، فحينما يخضع لها فإنه لا يخضع إلا إلى إرادته ذاتها؛ فكيف يستطيع، عندئذ، أن يعتبر نفسه مظلوماً ؟
أخيراً ، إن " القرار الذي يجعل من سكان بلد ما مواطنين ينظر ، بادئ ذي بدء، إلى جميعهم نظرة مساواة: بما أن كلاً منهم يضع ذاته بكامله تحت تصرف المجموع، فإن المساواة تكون قائمة بذلك، فيما بينهم" .
لكن، يجب ألا يغيب عن ذهن أحد إن جميع المواطنين الذين قبلوا بالميثاق يرتبطون به ارتباطاً لا تنقصم عراه ، ويطيعونه، جميعاً، وبلا استثناء ، "كل من يرفض أن يطيع الإرادة العامة يُرغم على طاعتها ، وهذا يعني إنه يُرغم على أن يظل حراً" ، أي أن يظل منسجماً مع قراره الحر الأول.
إن هذه المبادئ جد بسيطة كما يبدو ، وهي تحفظ ، بالتساوي ، كرامة وحرية كل مواطن . ولكن الغموض ينتشر أمامنا حينما نذهب إلى أبعد ، إذ كيف يجب أن نفهم هذه الإرادة التي يتنازل لها جميع المواطنين عن جميع حقوقهم ؟
لا يتألف مجتمع تألفاً عقلياً ، مضبوطاً ، إلا حينما يرضى جميع أعضائه ، بالإجماع ، بشرطه ، الأول . فهل يجب أن نستنتج من ذلك إن الإرادة العامة ، يجب أن تكون هي أيضاً ، إجماعية ، لكي تكون شرعية ؟ شعر روسو بحراجة الموقف فبادر إلى رفض هذه النظرية رفضاً باتاً وقال : إن هذه الإرادة تعتبَر عامة حينما تكون هذه الإرادة إرادة الأكثرية ، وذلك بعد استشارة جذرية ، مطلقة . فالقانون الذي يقرره ، بالاقتراع الصحيح، نصف المواطنين بزيادة مواطن واحد يُعتَبر قانوناً ساري المفعول .
ولكن ، حتى ولو افترضنا وجود إرادة اجماعية في بلد ما ، فإن هذه الإرادة لا تُعتبر عامة إلا إذا كانت تتعلق بمصلحة عمومية لا بمصلحة خاصة . وقد كتب روسو يقول : "ليس عدد الأصوات. هو الذي يحدد الإرادة العامة ، بل المصلحة المشتركة التي توحد هذه الأصوات ".
لاشك إن روسو هو الفيلسوف الحقيقي الذي تطابقت حياته مع كتاباته ، فالإنسان الذي هو روسو ظل يسير جنباً الى جنب مع الفيلسوف روسو ، ولهذا هو يدفعنا أن نبحث عن مفتاح فلسفته في كتابه " الاعترافات " ، فهو اختار منذ البداية أن يكون الى جانب اولئك الذين لا ينجحون ، وهو يحتقر المال ، ويرعبه النمط البرجوازي للحياة ، وقد اختلف مع فولتير ، ومع ديدرو ، ومع هيو ، فهو متقلب ، مفرط ، ساخط ، وربما كان أكثر فلاسفة فرنسا وفاء الى روح حركة التنوير ، وهو لم يتخل عن السعادة ، ولا عن سعادة الناس ، ولهذا سيظل كتاب " العقد الاجتماعي " يذكرنا بأهمية الديمقراطية والحرية ، وتبقى قراءته خالدة أبداً كسلاح فكري ضد الاستبداد والطغاة ، ومنشط لبث الحياة في الديمقراطيات المريضة .
أمضى روسو الكثير من حياته في التنقل من دولة إلى دولة هروبا من الاضطهاد. لكن أفكاره انتشرت لتنير كل العالم.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





