آثار وتبعات الإرهاب والفكر التكفيري على المجتمع

عين نيوز

 0
آثار وتبعات الإرهاب والفكر التكفيري على المجتمع
بدون وصف

م.د حنان عباس خيرالله

جامعة ذي قار- كلية التربية للعلوم الانسانية

تعد ظاهرة الإرهاب والفكر التكفيري من اخطر الظواهر التي أثرت بشكل سلبي على واقع المجتمعات في العالم كله خاصة في جانبها الإنساني، وقد تفاقمت خطورة هذه الظاهرة في عالمنا المعاصر بعد أن تحول الإرهاب إلى ظاهرة عالمية تمس وتؤثر على جميع نواحي الحياة لشعوب العالم، فالإرهاب لم يعد يخص طرفا أو شعبا أو دولة دون أخرى وإنما شمل الجميع بغض النظر عن أسبابه وأشكاله وأهدافه وحتى طبيعة الجهات التي تقف ورائه، ويبدو إن هذه الحقيقة قد أدركها المجتمع الدولي منذ بداية القرن العشرين والذي سعى إلى محاربتها والحد من أثارها المدمرة لجوانب الحياة الإنسانية والحضارية والاقتصادية وحتى السياسية، عبر وضعه جملة من الوسائل والتدابير القانونية التي أملت من خلالها القضاء على ظاهرة الإرهاب بشكل جدي، وعلى الرغم من ذلك أجد إن المجتمع الدولي لم يتمكن من تحقيق نتائج ملموسة على ارض الواقع فيما يخص مكافحته لظاهرة الإرهاب والسبب في ذلك يعود لعدم قدرته حتى يومنا هذا على توحيد الجهود العالمية تحت مظلته لوضع وإيجاد صيغة دولية موحدة كفيلة بالحد من خطورة الإرهاب .

لقد أكدّ الدين الإسلامي على التعايش السلمي والذي يعني العيش والتعاون مع الآخر المختلف، ويعني القبول بالتنوع والاختلاف والعمل على أساس القواعد المشتركة والمصالح المتبادلة، وقبل ذلك مصلحة البلد والأمة والعمل على أساسها, وقد أكدّت وثيقة الدين على أن التعايش هو التجسيد لمبدأ العدل والمساواة في الدين الإسلامي فالناس سواء في الحقوق والواجبات، لذا كانت وثيقة الدين مصدر يرجع إليه للنظر في حل الكثير من أزمات التعايش بشكل خاص والمشاكل الأخرى السياسية والاقتصادية بشكل عام.

إن ظاهرة الإرهاب واستخدام العنف، ظاهرة خطيرة تتنافى والفطرة السليمة وطبيعة التكوين البشري كما تتنافى وروح التعاليم الإلهية والشريعة الإسلامية، فهناك العشرات من النصوص القرآنية، وهناك السنة النبوية الشريفة وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، كلها تثبت بوضوح أن الأصل في الحياة وفي معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان، هو مبدأ السلم والعفو والتسامح، أما القسوة والعنف والإرهاب فهو الاستثناء والذي لا يلجأ إليه إلا العاجزون عن التعبير بالوسائل الطبيعية السلمية من جهة، وعدم ثقة الفرد أو الجماعة بقوة أو صحة أفكارهم وقناعاتهم فيعمدون إلى فرضها على الآخرين بالقهر والإكراه.

ولا شك أن الظروف المحيطة اليوم وظهور حركات العنف والإرهاب في مجتمعاتنا الإسلامية على وجه الخصوص ، والتي تستهجن العنف والغلو والإرهاب اتفاقا مع الشرع القويم يستدعي الاتحاد والتعاون في القضاء عليها والعمل الجاد على اجتثاثها من جذورها كل حسب تخصصه وميدانه ومعرفة الأسباب المختلفة وحصرها خطوة مهمة وضرورية للحد من العنف والإرهاب والتطرف والقضاء عليه .

 

        آثار وتبعات الإرهاب والفكر التكفيري على المجتمع

     

أولا :-  آثار الإرهاب على المجتمع

تعريف الإرهاب في اللغة: مصدر أرهب، أي أخاف، ومرادفاتها أفزع وروع ونحو ذلك.  الرهبة والرهب: مخافة مع تحرز واضطراب، قال تعالى: "واضمم إليك جناحك من الرهب"، وقرئ من الرهب، أي الفزع.

وفي الاصطلاح: تعددت التعريفات حوله ، ولكن التعريف الأقرب لهذه الكلمة: أن الإرهاب هو جميع الممارسات العدوانية بشتى صورها التي حرمها الإسلام وحذر منها ومنعها.

يعد الإرهاب ظاهرة معقدة ومتشابكة تشترك في بروزها في  المجتمع جملة من العوامل والأسباب ، حيث تتداخل العوامل الشخصية والنفسية مع الثقافية والسياسية والاقتصادية ، لتشكل ظاهرة الإرهاب التي تحقق أهدافها بممارسة العنف والقتل، وتحسم خلافاتهما بإلغاء الآخر وإقصائه من الوجود, وهناك بعض العوامل التي تزيد من حدة التطرف والإرهاب واستمرارهما، منها معاملة التطرف بتطرف مضاد، ومواجهة إرهاب الأفراد والجماعات بإرهاب الحكومة، والاقتصار على الوسائل القمعية دون البحث والتعامل مع جذور المشكلة.

ويعد الإرهاب من الظواهر الاجتماعية التي تنشأ وتترعرع في ظل عوامل نفسية واجتماعية خاصة، وتحت ظروف سياسية واقتصادية وثقافية معينة، وتشترك جميع هذه العوامل والظروف بشكل أو بآخر، في إنتاج ظاهرة الإرهاب في الواقع الاجتماعي ، ومن ثم فإن أية معالجة جادة لهذه الظاهرة ، تتطلب معرفة دقيقة لهذه العوامل والظروف التي تساعد على وجود هذه الظاهرة، ودراستها, وفيما يخص آثار الإرهاب فيمكن تقسيمها إلى:

1-  الآثار الأمنية:

يعد الإرهاب شكلا من أشكال العنف الذي يلجأ إليه بعض الأفراد أو المنظمات أو الدول أو الكيانات ويتخذ صورا متعددة كالقتل بأبشع صوره وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب وبوسائل وأدوات مختلفة كاستخدام القوة العسكرية في التدخل بشؤون الدول واخطر احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل . ويكون الإرهاب وسيلة لتحقيق أهداف غالبا ما تكون سياسية ، وعليه فإن الإرهاب يشكل انتهاكا صارما لحقوق الإنسان وللشرعية الدولية والقواعد القانونية من جهة، القواعد العرفية والدينية من جهة أخرى، ويؤدي إلى إثارة الرعب والخوف والفزع في النفوس بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص والمعنيين ، ويشكل هذا تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ويعرض الاستقرار الداخلي والدولي والحضارة البشرية والعلاقات الودية بين الأمم والدول للخطر.

ومن انعكاسات الإرهاب أيضا هو مظاهر الانفلات الأمني العالمي والأوضاع العسكرية والأمنية السيئة التي تهدد العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي، ودعم الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية لإسرائيل وسعيها إلى إبقائها متفوقة عسكريا مما زاد من مظاهرة الانفلات الأمني في العالم ، بالإضافة إلى ما يحدث في العراق وأفغانستان وبعض الدول العربية والبلدان الإسلامية لهو دليل على الدعوة الغربية المعولمة لإجبار العالم كله على السير وفق نظام سياسي واقتصادي وثقافي واحد يتفق مع أهداف ومصالح الغرب.

2-  الآثار الاجتماعية:

للإرهاب آثار اجتماعية كبيرة على الإنسان، وخاصة بعد الظروف الدولية الجديدة وتطور العالم وبلوغه مرحلة العولمة التي تلاشت فيها دور الدولة القومية واختفت منها القيم الأخلاقية السليمة وأصبحت المصالح المادية هي التي تتحكم العلاقات الفردية والجماعية لعبت دورا مهما في ترك آثارا اجتماعية كبيرة ووخيمة التي دفعت إلى زيادة النشاط الإجرامي ودفعت بالعنف والتطرف إلى الظهور والبروز إلى السطح وبقوة.

ومن مؤشرات الإرهاب أيضا تزايد النشاط الإجرامي على مستوى العالم، وخاصة الجرائم الواقعة على الأطفال وخصوصا في الدول الفقيرة والتي تعاني من أزمات مالية وتفشي البغاء وانتشار ما يعرف( ظاهرة أطفال الشوارع ) حيث يصبح هؤلاء فريسة سهلة لممارسة الجريمة.

 3-  الآثار الاقتصادية:

يعتبر الإرهاب من اخطر العناصر على الاقتصاد الوطني من عدة جهات لعل منها خطره المباشر على الاقتصاد, فالإرهابيون يحاولون جهدهم ضرب الاقتصاد الوطني، حيث ان الاقتصاد هو شريان الحياة للمجتمعات, وتحاول المنظمات الإرهابية ضرب هذا الشريان الحيوي ومن أمثلة ذلك ضرب المطارات أو الموانئ أو ضرب السياحة في البلدان السياحية، فالهدف من هذه العملية إشاعة الخوف والرعب بين من يريد القدوم للسياحة لهذه البلاد وإشاعة فكرة إنها ليست آمنة, ولا يشك عاقل في أهمية السياحة وإنها مصدر دخل رئيس لعدد من الدول.

هنالك العديد من الآثار الاقتصادية غير المباشرة للإرهاب لعل من أهمها صرف مبالغ كبيرة على حرب الإرهاب, وقد كان من المفترض أن تصرف هذه الأموال على التنمية البشرية مثل الطرق والمستشفيات والمدارس وغيرها وهذه الأموال الآن تأخذ طريقها لحرب الإرهاب حيث ان هذه الحرب مقدمة على التنمية ويجب أن تكون كذلك لأن هدف الإرهاب تدمير المجتمع كله وإيقاف عجلة التنمية.

كذلك من الآثار الاقتصادية للإرهاب هو تدمير جزء من البنية التحتية الأساسية للوطن أمثال المباني الحكومية والطرق وغيرها, وهذه المشاريع لم توجد أصلا إلا لخدمة المواطن، وأرباب الإرهاب يرغبون في تدميرها لإظهار قوة الفكر الإرهابي وسطوته وتدفع الدول أموالا باهظة لإعادة بناء ما دمره أرباب الإرهاب وهذه الأموال تدفع على حساب مشروعات تنموية أخرى تخدم المواطن.

4- الآثار الفكرية:

إن انتشار الإرهاب يؤدي إلى حدوث الانغلاق الفكري، الذي يؤدي بدوره إلى التعصب، والتعصب يؤدي إلى التطرف والغلو، وكلاهما يؤديان في نهاية الأمر إلى بروز الإرهاب, كما إن التعصب سيعمل على خلق ذات إنسانية منغلقة في إرسالها واستقبالها الثقافي والحركي وتشخص في كونها ذات سلبية يغلب عليها ظاهرة التعصب إلا أنها تعاني من عدة أعراض تمثل الظواهر الممتزجة في النفس والشخصية العامة والثقافة الإدراكية.

كما إن الإرهاب سيؤدي إلى غياب الحرية والديمقراطية والوعي وانتشار الظلم والاستبداد، وتنتشر هذه الظاهرة أكثر في المجتمعات التقليدية المنغلقة ذات الثقافة الأحادية، ولكنها أيضا موجودة في المجتمعات جميع أشكال الإرهاب العسكري والاقتصادي والسياسي والمجتمعي والفكري تترك بصماتها على النفس، وتفضي إلى حالة من الخوف والهلع والشعور بالقلق وانعدام الأمن والاستقرار، ولذلك لا تقل الآثار النفسية للإرهاب فداحة عن آثاره المادية.

وإن للإرهاب سلبيات ينبغي توضيحها، ومن ذلك:

1- مخالفته لروح الدين ولبه: فكل عمل يخالف ما جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة نبذ لروح الدين، ومخالفة له، ومن وقع في مثل ذلك فهو المخالف حقا.

2- مخالفة ولي الأمر وشق عصا الطاعة: فالنصوص الشرعية دلت على وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف ، والصبر على غير ذلك، وأن من شق عصا الطاعة فقد أوقع نفسه في معصية الله ورسوله لمخالفته أوامرهما.

3- أن ذلك من مصلحة أعداء الإسلام : فالقيام بالأعمال الإرهابية داخل بلاد المسلمين ، أو خارجها باسم الدين يفرح الأعداء، ويحقق مصالح كبرى لهم، بحيث تسوغ لهم هذه الأعمال التدخل في شؤون المسلمين ، وكسر شوكتهم ، والتسلط عليهم ، واستنفاد قوتهم ، عن طريق جني الأموال الطائلة ، والتعويضات الهائلة، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر العالم كله.

4- عرقلة مسيرة الدعوة: فقد كانت الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية تملأ أركان الأرض، لتنشر الخير، وتوصل يد العون للمسلمين، ثم وقفت هذه الأعمال في مسيرتها، فكم من جمعية أغلقت؟ وكم من هيئة إغاثية اتهمت؟ وكم من باب خير أوصد ؟ فما أكبر الفرق بين من يبني ومن يهدم، ومن ينفع ومن يضر، ومن يشيد ومن يدمر، وبمن يعمر ومن يفجر، ومن يبشر ومن ينفر، ومن يصلح ومن يفسد، ومن يجمع ومن يفرق، ومن يرحم ومن يظلم، فشتان بين هذا وذاك.

5- قتل المسلمين: فمن وقع في ذلك فقد خالف قول الله تعالى:" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما".

6- الخيانة والغدر والجناية على الأبرياء وتخويف الآمنين: فالذي يقوم بهذه الأعمال يكون خائنا لأمته، غادرا لإخوانه ، يجني على الأنفس المعصومة بغير وجه حق، ويدخل الرعب على المسلمين، وكل ذلك مناف لما أمر به الشرع الحنيف.

7- تشويه صورة العلماء والصالحين: فالذي يقوم بهذه الأعمال ربما يكون متلبسا بزي أهل العلم والصلاح، وعندما يظهر للناس يكون تأثيره على إخوانه كبيرا وخطيرا، فالسمت الظاهر يورد الشكوك والشبه حول كل من تلبس به، فيعود أثر ذلك على العلماء والصالحين، فلا تقبل منهم نصيحة، ولا يؤخذ منهم علم، ولا يرفع لهم شأن.

8- صرف الناس عن طاعة ربهم وتخويفهم بسلوك سبيل المؤمنين: فالناظر حوله الآن يجد أن بعض الناس ترك الالتزام بسمة الصالحين لما يسمع ويرى ما يقوم به بعض المنتسبين إليهم، فدب الخوف في النفوس، وتسبب ذلك في إضعاف وازع الإيمان في القلوب، ففرط الكثير في التزامهم بالحديث النبوي الكريم.

9- فتح الباب للمتربصين ليلجئوا إلى بلاد الإسلام: ومعلوم أن الخطط التي تحاك ضد كل ما هو إسلامي أصبحت تظهر علنا بعد أن كانت تعمل في الخفاء، وذلك أن بعضا من أبناء المسلمين قد أظهروا العداء بصورة خاطئة، بالتعامل بالقتل والتخريب والتفجير، ففتحوا الباب الموصد بأيديهم ليلج أعداء الملة إلى بلاد المسلمين.

10- حصول الفرقة والتنازع: وذلك ببث الأعمال المخالفة لشريعة الإسلام، فيكون ذلك عاملا هاما في بث الفرقة بين أفراد المجتمع المسلم.

11- ضياع الأمن والأمان: إن التفريط في جانب الأمن جريمة كبرى، ومن ضاع منه الأمن عاش في خوف وقلق واضطراب، فبدون الأمن لا يمكن أن يعيش الناس حياتهم، والمعلوم أن انفلات زمام الأمن هو فتح لبوابة الفتن، والرعب، والهلاك، والأهواء، والعصبيات، والتناحر والتشاجر، وهي من أعظم أسباب الشر والفساد وكل ذلك من مسببات هلاك الأمة وضياعها.

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0