هل يجوز تمديد عمر مجلس النواب؟

عين نيوز

 0
هل يجوز تمديد عمر مجلس النواب؟
بدون وصف


القاضي سالم روضان الموسوي*

هذا السؤال ظهر إلى العلن بعد أن سعى مجلس النواب العراقي إلى عقد جلسة استثنائية لمناقشة إصدار قانون يتم بموجبه تمديد عمر وولاية مجلس النواب الى أجل غير محدد، وفعلا انعقد المجلس بتاريخ 22/6/2018 ويصادف يوم الجمعة التي هي عطلة رسمية ، وتمت القراءة الأولى (لمقترح قانون التعديل الرابع لقانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013) ويتكون من مادة واحدة تقضي بتمديد عمر مجلس النواب لغاية مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات وجاء في أسبابه الموجبة (من أجل تنفيذ ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 99، 104، 106/اتحادية/2018 في 21/6/2018 لأنه ألزم مجلس النواب باتخاذ إجراءات تستوجب استمرار عمله) وهذا الأمر أثار الاهتمام الواسع سواء رسمياً أو شعبياً لسبب رئيس هو أن هذا الإصرار على عقد الجلسات الاستثنائية واتخاذ القرارات السريعة في أمور عادة ما تتعلق بمصالح النواب بينما تراه يتقاعس عن عقد جلسة للتصدي في أمور خطيرة ومهمة مرّت على الشعب العراقي. وأرى إن الاستغراب لدى الشعب له مبرراته، لأن الأزمة الخطيرة التي ما زال يعاني منها العراق (أزمة المياه)، مثلاً، التي أدت إلى نزوح العوائل ومنع الزراعة في بعض القطاعات لم تكن حاضرة في اهتمام أعضاء المجلس عندما لم يحضروا إلى الجلسة الاستثنائية التي دعا إليها رئيس المجلس، بينما تزاحموا في الحضور في اليوم التالي إلى الجلسة التي تتعلق بمزاياهم في الانتخابات الأخيرة.
ولغرض الوقوف على الوجه الدستوري والقانوني لمدى صلاحية مجلس النواب في تمديد عمره وامتداد ولايته سأعرض للموضوع بوجهة نظر مستمدة من قراءة النصوص الدستورية والقانونية النافذة وأحكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق. وقد لا تتفق هذه القراءة مع وجهات نظر أخرى لأن كل شخص له آلية وأسلوب في قراءة النصوص الدستورية والقانونية وتبقى جميعاً وجهات نظر محترمة. وللوقوف على صلاحية مجلس النواب بهذا الصدد أعرض الآتي:
1. ما هو عمر ولاية مجلس النواب الدستورية؟ .. الفقرة (أولا) من المادة (56) من الدستور حددت عمر الدورة التشريعية لمجلس النواب بأربع سنوات تقويمية وعلى وفق النص الآتي (أولاً تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنواتٍ تقويمية، تبدأ بأول جلسةٍ له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة)، والمحكمة الاتحادية العليا قد أوضحت بعدة قرارات منها رقم 29/2006 و 24/2010 وأخرها القرار التفسيري رقم 8/2018 في 21/8/2018 بأن مدة الدورة التشريعية البالغة أربع سنوات تقويمية تبدأ بتاريخ انعقاد الجلسة الأولى حتى وان كانت مفتوحة ويعتبر ذلك التاريخ هو بداية الفصل التشريعي الأول وتنتهي بعد مضي أربع سنوات تقويمية أي إن السنة هي التي تبلغ 365 يوماً، وجاء ذلك تفصيلاً في قرار لتفسيري آخر للمحكمة الاتحادية العليا بالعدد 89/اتحادية/2010 في 8/12/2010 حيث قضت فيه بأن تاريخ الجلسة المفتوحة لمجلس النواب هو تاريخ 14/6/2010 ولا يُعتدّ بالتواريخ اللاحقة، واعتبر ذلك التاريخ هو بداية الفصل التشريعي الأول، وذلك القرار حدد المسار في بيان تاريخ بداية وانتهاء الدورة البرلمانية. وتحسب مدة الأربع سنوات من تاريخ أول جلسة حتى لو بقيت مفتوحة لمدة أطول مما حدد لها وطالما انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب لدورة انعقاده التشريعية الحالية كان بتاريخ 1/7/2014 فان تاريخ انتهاء دورته يكون بتاريخ 1/7/2018. وهذا هو العمر الدستوري لدورة مجلس النواب التشريعية وحدد ذلك نص الدستور ولا تجوز مخالفته.
2. إن قرارات المحكمة الاتحادية العليا سواء كانت أحكاماً أو تفسيرية هي قرارات ملزمة وباتة على وفق حكم المادة (94) من الدستور، وقد قضت في قراراها العدد (8/اتحادية2018 في 21/1/2018 ) بأن لمجلس النواب أن يمدّد الفصل التشريعي لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً على وفق نص المادة (58/ثانياً) من الدستور على أن لا تتخطى مدة الدورة الانتخابية لأن ذلك يتعارض مع المادة (56) من الدستور، وهذا ما نص عليه القرار التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا رقم 8/اتحادية/2018 في 21/1/2018، ولأن هذا التفسير ملزم وبات كما أشرت فان حكمه يبقى فاعلاً وعلى مجلس النواب الالتزام به وعدم مخالفته لأن أي مخالفة له سوف تؤدي لاحقاً إلى الحكم بعدم دستورية القانون الذي سيصدر على خلاف ما تقدم، وأصبح هذا الواقع ثابتاً ولا خلاف عليه وليس لأحد أن يجتهد فيه لأن قرار المحكمة الاتحادية العليا قضى فيه وحسم الجدل حوله.
3. ان التمديد الجائز لمجلس النواب هو تمديد الفصل التشريعي الذي يكون في إطار الدورة التشريعية لأن المادة (57) من الدستور اعتبرت الفصل التشريعي الذي تناقش فيه الموازنة العامة ممتد بحكم الدستور ودون الحاجة إلى قرار من مجلس النواب أو بناء على طلب من أحد وعلى وفق النص الآتي (لمجلس النواب دورة انعقاد سنوية بفصلين تشريعيين أمدهما ثمانية أشهر، يحدد النظام الداخلي كيفية انعقادهما، ولا ينتهي فصل الانعقاد الذي تعرض فيه الموازنة العامة إلا بعد الموافقة عليها) وفي المادة (58/ثانيا) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يتم تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب بما لا يزيد على ثلاثين يوماً، لانجاز المهمات التي تستدعي ذلك، بناءً على طلبٍ من رئيس الجمهورية، أو رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس مجلس النواب، أو خمسين عضواً من أعضاء المجس) حيث أجازت تمديد الفصل التشريعي لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً لكن بناء على طلب أما من رئيس الجمهورية أو الأشخاص الذين ذكروا في نص المادة أعلاه ويكون بقرار من المجلس وليس بقانون مستقل يتم تعديل قانون آخر بموجبه، فضلاً عن أن المحكمة الاتحادية العليا حتى في هذه الرخصة قد حددت التمديد ضمن المدة الدستورية البالغة أربع سنوات تقويمية ولا تتخطاها .
4. لاحظتُ في القوانين التي شرعها مجلس النواب الأخيرة والتي غلبت عليها صفة الاستعجال وجود خطأ في الصياغة التشريعية، ومثال ذلك مقترح القانون حول التمديد عنوانه: تعديل قانون انتخابات مجلس النواب ولم يشر إلى مادة تم تعديلها كما لم يشر إلى إضافة تلك المادة إلى القانون المعدل وبيان تسلسلها للإشارة إليها عند العمل بها وهذا خطأ مؤثر، ربما صفة الاستعجال والدخول في سباق مع الزمن المتبقي للمجلس هو ما أثر على حجب الصياغة الصحيحة والجيدة للقانون.
لهذا كله فان النص الدستوري في المادة (56) من الدستور وقرارات المحكمة الاتحادية التي حددت عمر البرلمان في ضوء النصوص الدستورية وكذلك قراراها بعدم تخطي أي تمديد لعمر مجلس النواب، قد وفّر الجهد على مَنْ يسعى للبحث في الجوانب الفقهية الدستورية تجاه ما إذا كان مجلس النواب يملك السلطة التقديرية في ذلك من عدمه لأن مفهوم السلطة التقديرية للمشرع يقصد به حرية الاختيار الممنوحة له في ممارسة اختصاصه التشريعي، والسلطة التقديريِة لا تعني السلطة المطلقة للمشرع، وإنما له أن يمارس سلطته في التشريع بالقدر الذي أتيح له في الدستور، لأن بعض الأحكام حددها الدستور وليس للمشرع العراقي، ممثلا بمجلس النواب، سلطة تجاه تعديل تلك الأحكام، لأنها غير قابلة للتنظيم التشريعي بصفة نهائية، وبذلك لا يملك مجلس النواب أي سلطة تقديرية تجاه تمديد عمر الدورة التشريعية لمجلس له لوقوف نص المادة (56) من الدستور حائلاً ومانعاً دون ذلك.
* نائب رئيس استئناف بغداد

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0