موسيقى الأحد: كارنجي
عين نيوز

ثائر صالح
دخل اسم الصناعي الثري اندرو كارنجي (1835 – 1919) تاريخ الموسيقى من أوسع أبوابه بعد تأسيسه وبنائه قاعة ومركز للموسيقى في مدينة نيويورك. ولد كارنجي في إسكتلندا وهاجر مع أبويه طفلاً الى الولايات المتحدة وعمل في صناعة الحديد وأصبح بين أغنى أغنياء العالم وحتى فاق روتشيلد في ثروته لفترة. تبرع كارنجي بنحو 90 بالمئة من ثروته الطائلة للمؤسسات الخيرية والجامعات وتبرع لإنشاء المؤسسات الثقافية منها بناء 3000 مكتبة عامة. اكتفى بالعشر من ثروته، ولا أظن إنه كان قليلاً.
اختمرت فكرة بناء قاعة ضخمة للموسيقى في نيويورك أثناء سفره من نيويورك الى لندن سنة 1887 بصحبة عروسه، وقد تعرفا على قائد أوركسترا شاب ألماني الأصل اسمه فالتر دارموش (1862 - 1950) المولود في برسلاو (وهي مدينة فروسواف البولونية التابعة لألمانيا وقتها منذ اقتسام بولونيا بين ألمانيا والنمسا-المجر وروسيا القيصرية حتى ما بعد الحرب الأولى). كان دارموش في طريقه الى أوروبا للدراسة على يد هانس فون بيلوف (1830 - 1894) وهو أحد أشهر قادة الأوركسترا في أوروبا وقتها.
باشر كارنجي العمل في إنشاء المركز فور عودته للولايات المتحدة، وكلف المعماري ويليام برنت تتهل (1855 - 1929) الذي كان عازف چلو بارع في نفس الوقت لبدء التخطيط. اختير الموقع لقربه في مركز المدينة آنئذ، وقربها من السنترال بارك، لتبنى عليه بناية جميلة للناظر وممتعة للسامع. انتهى البناء في ربيع 1891 ليبدأ الاحتفال بالافتتاح يوم 5 أيار. وقتها طُلب من الموسيقار الروسي الكبير چايكوفسكي الذي كان في زيارة للولايات المتحدة وقتها تقديم عمل خاص بهذه المناسبة. احتار چايكوفسكي، لم تكن في جعبته أعمالٌ جاهزة يمكن استعمالها لمثل هذه المناسبة فقرر إعادة تدوير مارش تتويج القيصر الكسندر الثالث (1883) وتقديمه كعمل جديد باسم المارش الوقور، علّ الحضور لا يتعرفون عليه. ففي تلك الأيام لم تكن هناك وسائل اتصالات سريعة ولا يوتيوب يسجل الموسيقى وانترنت توثق كامل الأحداث مثلما هي الحال الآن. لسوء حظه كان بين الحاضرين من تعرف على مارش التتويج. لكن ذلك لم ينته الى فاجعة بالنسبة له، فالجميع كانوا سعداء بوجود چايكوفسكي العظيم بينهم وتقديمه أحد أعماله في هذا المناسبة.
بدأ دارموش الحفل وهو يقود الجمعية السيمفونية لنيويورك بافتتاحية ليونورا الثالثة لبيتهوفن، تلاه چايكوفسكي الذي قدم المارش الوقور، واختتم دارموش الحفل بعمل الفرنسي برليوز "نمجدك يا رب".
أصبحت قاعة كارنيجي مقراً للجمعية الفيلهارمونية كذلك الى جانب الجمعية السيمفونية في 1892، مما أشعل منافسة لم تنته إلا فيما بعد بتوحيد الفرقتين لتتكون فرقة نيويورك الفيلهارمونية. أخذ المبنى يستقطب الفرق والمؤلفين وقادة الأوركسترا، فهناك جرى تقديم العرض الأول لسيمفونية دفورجاك التاسعة في 1893، ووقف على منصتها قادة أوركسترا عظام، مثل غوستاف مالر وليوبولد ستوكوفسكي وأدى على مسرها نجوم مثل فلاديمير هوروفيتس وماريا كالاس وليزا مينلي وبول روبسون وبوب ديلان.
قاعة كارنيجي تتألف من قاعات في الحقيقة، فهناك أكثر من قاعة في هذا المبنى الفخم، تتسع أكبرها لـ 2800 كرسيا، والأخرى لـ 1200، وهناك ثالثة مخصصة لموسيقى الحجرة تتسع لـ 268 مقعد.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





