كُتب ورطت قُراءها بالأدب فأصبحوا كُتّاباً
عين نيوز

زينب المشاط
بداية الطريق تكون بخطوة، وإنجرافنا نحو أعظم الرغبات قد تبدأ بجدحة فكرية صغيرة تقودنا للاشتعال الابديّ، كذلك هي إحترافاتنا التي نكون عليها بعد سنوات، والتي من شأنها صنع اسمائنا، ما هي إلا نتيجة فعل صغير، تماماً كما إكتشف نيوتن الجاذبية، وكما اكتشف باسكال قاعدته الشهيرة، سنجد إن بعض السطور الصغيرة من شأنها أن تقودنا أو تجرفنا الى تيارات الأدب اللامنتهية، فأما أن نغرق، أو نتماهى مع الكلمة والكتاب لنكون إسماً اضافياً مع كثير من الأسماء البارزة في التاريخ الأدبي والثقافي، تقرير " " اليوم سيتخذ فقط من مجال الادب حديثاً، وسيتخذ من الكتاب والأدباء المعروفين في المشهد العراقي إنموذجاً للحديث عن الكتاب الأول الذي كان سبباً للإنقيادهم خلف حلم الشهرة، والكتابة، ليكونوا فيما بعد اسماء كبيرة كما هم عليه اليوم...
ليس بالضرورة أن يكون الكتاب الأول الذي يبدأ به القارئ كتاباً عظيماً ومميزاً، يكفي أن يكون بداية للانقياد خلف الاختبار والتجربة، التي بدورها ستكون مُتممة للتعامل مع كُتب اخرى بعضها عظيم ومهم والآخر دون المستوى، يذكر الناقد فاضل ثامر مُشيراً الى تجربته مع الكتب " ليس بالضرورة أن نبدأ مع كتاب مهم أو عظيم، فبالنهاية الخبرة تُكتسب بشكل تدريجي، وبالتواصل مع أعمال بسيطة أحياناً، فتعلم السرد يبدأ منذ الطفولة من خلال أحاديث تبدأ مع جداتنا وأمهاتنا، ولهذا ممكن أن نتعلم من أي كتاب سواء أكان صغيراً أو كبيراً."
أما عن تجربته الخاصة جداً مع الكتب والتي قادته الى الأدب والكتابة يذكر الفواز قائلاً " لقد استفدت من كوني درست اللغة الانلكليزية في الجامعة وهذا ما جعلني أدرس كل الأعمال المهمة التي كتبت باللغة الانكليزية والمختصة فأستفدت من الشكل الجمالي وحرصت على متابعة المشهد الأدبي بجدية عالية وهذا أيضاً أضاف لي الكثير." يؤكد ثامر قائلاً " إن بداياتي مثلت مجموعة من القراءات البسيطة التي أغلبها كانت تعتمد على قصص بوليسية انتقلت بشكل تدريجي الى أدب الأطفال، لأؤخذ بعدها بأدب سلامة موسى فأكتشف اني فجأة أميل له فهو مفكر وناقد كبير، خاصة في كتابه "هؤلاء علموني" الذي يقدم خلاله تجربته بالتعليم ولهذا حرصت على متابعة سير هؤلاء الكتاب الذين ذكرهم في كتابه، وبعدها قرأت عن الأدب والنتاجات الأدبية والعلمية خطوة بخطوة ووصلت الى الأعمال الأدبية العالمية."
من خلال سيرة بني هلال، ومن خلال قراءاته للأدب الشعبي، استطاع أن يتواصل مع الأدب ويكون واحداً من أهم الكتاب، الكاتب والشاعر خالد علي مصطفى يتحدث عن تجربته قائلاً " بدأت أولاً مع سيرة بني هلال، وهي سيرة ضخمة من الأدب الشعبي، وكانت المُحفّز الاول لدخولي الى مجال الأدب، وهي ذاتها قادتني فيما بعد لقراءة أول رواية حداثية للراحل نجيب محفوظ بعنوان "القاهرة 30" وكنت حينها في مرحلة الثاني المتوسط من دراستي، وبعدها توسعت توجهاتي مع المسرح والشعر والرواية والنقد الادبي والكتابة وما الى ذلك ."
أما عن قراءاته النقدية فيذكر مصطفى " إن بدايتي مع النقد كانت من خلال كتاب "قواعد النقد الادبي لكاتبه ابر كرومبي وهذا الكتاب كان محفزاً مهماً كونه كتاب مدرسي في مرحلة جعلني أنقاد فيها لقراءات أخرى وكتب مترجمة أخرى." ويؤكد مصطفى "انه ليس بالضرورة أن نبدأ بكتب كبيرة احياناً يكون الكتاب المحفز هو كتاب للاطفال، الشيء الأهم أننا نعرف ما نرغب والى ما نميل من القراءات والتي ستورطنا بالاستعاضة أدبياً."
رغم إنها قرأت الرواية الاولى في حياتها وكانت من الأدب العالمي العظيم، إلا إنها لم تتأثر بها، وكان لها نهجها الخاص في الكتابة، الروائية والكاتبة ميسلون هادي تتحدث لـ "المدى" عن تجربتها وتقول "أبدأ من المدرسة المتوسطة، وأتذكر أن أول رواية قرأتها كانت (البؤساء) لفيكتور هوغو.. ولكنها لم تكن الكتاب الذي أثر بي، أو جعلني أكتشف شغفي بالكتابة. لأن الحكاية ابتدأت من مكان آخر هو دفاتر الإنشاء، إذ وجدت نفسي أعشق اللغة العربية، وأميل إلى دروس النحو والنصوص الأدبية، مع أن دراستي كانت علمية."
أما عن بداية اكتشافات الجانب الادبي، بذاتها، وإنها تميل لأن تكون كاتبة تذكر هادي " لاحقاً في المرحلة الثانوية تولّدت بدايات إحساسي بأني (كاتبة)، لأني وجدت مدرساتي يهتمون بالإنشاءات التي أكتبها ويجعلونني أقرأها أمام باقي الطالبات.. بعد ذلك لازمني شغف القراءة بشكل منظم في فترة الدراسة الجامعية، وهذه القراءات هي التي جعلت الدنيا مختلفة والأحلام مختلفة.. وفي الوقت الذي كانت فيه البنات يقرأن (نزار قباني) كنت أنا قد تجاوزته بسرعة إلى كلاسيكيات الرواية والقصة والشعر والمسرح والسياسة، كما وأصبحت أتابع تلك الأسماء التي ارتبطت أعمالها بالأفكار التقدمية، فأصبحت لدي ذائقة مختلفة، وأحببت الشعر أكثر من السرد في البداية وجربت كتابته، ثم تحولت إلى كتابة القصة فيما بعد."
حكايته الأولى انطلقت من خلال قراءاته لدستوفيسكي، الكاتب حسب الله يحيى يقول " دستوفيسكي قادني الى القصة والرواية، ذلك إنه قدم الانفعالات والصراعات الخفية في عمق الإنسان، وهذا ما قد يكون انعكس ولو بشكل غير واضح تماماً على أعمالي."
ويذكر يحيى قائلاً " الحقيقة كنت في عزلة دائمة للقراءة، وقد قرأت العديد من الأعمال الجيد منها والسيئ، ويجب أن نعترف بأن ليس بالضرورة أن تكون جميع قراءاتنا جيدة لننقاد الى تيار الأدب وننجرف به، فأنه ومن خلال قراءاتي المستمرة كتبت زاوية ثابتة في إحدى الصحف وكانت تحمل عنوان " دليل القارئ الى الكتاب الرديء." وفي هذه الزاوية كنت أقدم للقُراء اسماء الكتب الرديئة وانصحهم بعدم قراءتها، أما فيما يخص الكتاب الجيد فكنت أبذل الكثير من الجهد في سبيله، واقدم العديد من الملخصات فيه، إضافة الى الاراء النقدية التي أضعها عن الكتاب الذي اقرأه"
وقد استخدم يحيى طريقة بحثية في كتاباته وقراءاته، فهو يقرأ الأضداد حيث يذكر " إني اكتشف الأشياء من خلال نقيضها، فكنت لا اقرأ الكتب التي توافق قناعاتي فقط، بل اقرأ كتباً اخرى تلك التي لا توافق قناعاتي، لأني لأكتشف جانباً يجب أن اكتشف وأطلع على نقيضه، على الإنسان أن لا يطلع فقط على ما يدعم أفكاره بل على نقيضها ايضاً ليملك الكافي من الحجج للمناقشة والمجادلة.
تحتفظ ذاكرته حتى الآن ، بصورة ذلك الكتاب ذي الجلاد السميك والورق الأصفر،يذكر الكاتب والروائي شاكر الانباري إنه يشير من خلال وصفه هذا الى "كتاب ألف ليلة وليلة، وكنت عادة ما اقرأ فيه داخل المكتبة العامة، وعمري لم يتجاوز الخمسة عشر عاماً، وكنت أرافق أخي الكبير المولع بالأدب. وقد أبحر بي إلى أقاليم بعيدة، ومدن مسحورة، وكائنات تمتلك قدرات خارقة، وأعاجيب البشر وأنماط حياتهم وسلوكهم، واستوقفتني فيه قصص الحب وهي تدور في غرف النوم، وفي الأحلام، وداخل المرايا السحرية، عدا عن ذلك الشعر الرقيق وهو ينطلق من الشفاه العاشقة. ذلك الكتاب المدهش المنفلت من أسار الواقع، قرأته أكثر من مرة، وفي فترات متباعدة من حياتي، وظل يدهشني كما فعل عند القراءة الأولى. وحتى زمن قريب لم أكن أدرك ما له من تأثير على الكتّاب، والقراء، على حد سواء، في معظم البلدان، واللغات، والحضارات."
في البداية لا يمكن لقارئ غر، ساذج، تمييز الكاتب العظيم من غيره هذا ما أكده الانباري قائلاً " تأتي هذه الخبرة لاحقاً، بعد أن يطّلع الشخص على تجارب إبداعية كثيرة، متباينة الرؤى والأساليب، ويلم بمدارس النقد، ويكون مدركا لظروف انتاج النص. وأعتقد أن ما يقود الكاتب إلى عالم التأليف هو الفضول، المتعة، وشغف القراءة، عبر ذلك يصل الفرد إلى ذائقة خاصة تشق له الطريق إلى جنة الكتّاب العالميين. إن لم يصل إلى هذه الذائقة المتفردة سيتوقف حتما عن المواصلة، بدلا من أن يكون كاتبا يتحول إلى قارئ، وهذا ليس بالأمر السيئ، فلا يمكن للناس جميعا أن يتحولوا إلى مبدعين. مقاعد عربة الإبداع محدودة على أية حال."
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





