سؤال التنوير..لماذا يجب علينا أن نعرف أكثر مما ينبغي؟
عين نيوز

| الحلقة السابعة |
علــي حســـين
بعدما يتم التخلص من كل التعصبات والخرافات، يبرز السؤال.. وماذا بعد..ما هو اليقين الذي ينشره التنوير في مكان هذه التعصبات والخرافات
هيغل
ظلت المرأة تنظر باستغراب الى الرجل الذي يسير ببطء في طريقه لايلتفت الى أحد، لم يكن يسير كما يفعل معظم الناس، فقد كان رافعاً رأسه الى السماء ومشغولاً بتأمل شيء ما. وما هي لحظات إلا وشاهدته وهو يقع في في حفرة لم ينتبه إليها، كان الرجل الحالم اسمه طاليس المالطي الذي اشتهر في بلاد الإغريق قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام بتنبوئه بحدوث كسوف للشمس، وقد صحّت توقعاته ففي عام 585 ق.م حدث كسوف للشمس مما أعطى لطاليس مكانة وشهرة في مجتمعه. ولهذا عندما رأت المرأة الشيخ المهيب يقع في الحفرة أطلقت ضحكة عالية وهي تقول له :"أنَّى لك أنْ تعلم كل شيء عن السماء يا طاليس وأنت لا تستطيع أنْ ترى ما تحت قدميك؟".
يتساءل الفيلسوف الفرنسي دنیس دیدرو وهو يكتب مادة عن طاليس في موسوعته الشهيرة : ماذا تعني ضحكة المرأة وهل كان بمحض الصدفة أن يجد طاليس نفسه موضع سخرية؟ هل نفهم إن العلوم تخالف المألوف في الحياة، وإنها في بعض الأحيان تصبح موضع استنكار ومقاومة، ويصر ديدرو على منح طاليس لقب أول فلاسفة التنوير، لأنه انتقل بالإنسان من مشاكله اليومية الى البحث في مشاكل الكون الذي يحيط به..ويضيف ديدرو إن مغامرة الأفكار الكبيرة بدأت مع ثلاثي الفلسفة المالطية طاليس..وانكسيماندر و انكسيمان، حيث ولد عقل شبه علمي، اكتشف صورة للكون تلغي ما سبقها من صور بنيت على الأساطير، حيث فسر هؤلاء الفلاسفة الكون بلعبة مبدأ وحيد، هو الماء بحسب طاليس، وهو اللامتناهي بحسب انكسيماندر، أو الهواء بحسب انكسيمان.. إننا هنا أمام أول تصور لتفسير إيجابي صادر عن العقل.هذه الكرة الجديدة التي تتمثل في تفسير الواقع بطريقة منطقية.
يخبرنا هيرودوت في كتابه"التاريخ"إن طاليس كان على معرفة بعلوم الفلك وإن هذه المعرفة نقلها من المعلومات الفلكية والرياضياتية في بلاد بابل ومصر القديمة، وكانت هذه المعلومات تفتقر الى التنظيم، إذ لم تكن مبوّبة بطريفة علمية وكان طاليس أول من نظمها.فكان على رأي هيرودوت أول فيلسوف يمكن أن نطلق عليه اسم العالم.يقول أرسطو إن طاليس أول من حاول أن يفسر الأشياء على أسس غير أسطورية :"إن طاليس أول من تساءل عن الحقيقة القائمة وراء الأشياء الطبيعية"، وقد حاول طاليس أن يتوصل الى هذه الحقيقة لا على غرار المؤمنين بالخرافات بل غرار العلماء المتنوّرين.وقد حاول طاليس دعم ارائه بالأدلة والمبررات المستمدة من ملاحظة الظواهر الطبيعية، وقد يبدو للبعض أن رجل قال إن كل شيء ماء، يمكن أن يكون تنويرياً، حيث يبدو الأمر منافياً للعقل، لكن يمكننا أن نتخيل رجلاً حاول قبل أكثر من 2500 عام أن يطرح سؤالاً عن الأشياء التي تبقى ثابتة خلال التغير، وما هو مصدر الوحدة في التنوع، وحاول أن يفترض أن التغيرات تحدث، وأن هناك عنصراً ثابتاً هو حجر البناء في العالم، هو اعتقاد معقول. ويُدعي هذا العنصر الثابت، بشكل عام، أي المادة البدائية التي صنع منها العالم.. كان طاليس مثل كل إنسان آخر، قد رأى أشياء كثيرة تولد وتفنى في الماء : الماء يتبخر في الهواء، الماء يتحول الى ثلج، والسمك يوجد ويزول في الماء، تماماً مثل أجسام أخرى، علاوة على أن الماء ضروري للحياة. ولهذا أطلق على طاليس العلم الأول، فبفضله انتقل الفكر من الأسطورة الى المنطق، أي التفكير الأسطوري الى التفكير المنطقي.
***
آلة غوتنبرغ العجيبة
استفاد تطور الحركة الإنسانية كثيراً من اختراع الطباعة بالحروف المتحركة. ويعود الفضل في هذا الاختراع المدهش إلى يوهان غوتنبرغ – ولد عام 1398 وتوفي عام 1468 - الذي كان يعمل ضائغاً في قرية جنوب المانيا. وكانت فكرة الطباعة بالحروف المتحركة تقتضي إنتاج حروف معدنية كل منها يحمل حرفاً أبجدياً، ويمكن ترتيب هذه الحروف لتشكل صفحة كاملة من أي كتاب.كانت أسرة غوتنبرغ ميسورة الحال، فتلقى الصبي في طفولته تعليماً جيداً، ولكن حدث أن أبعِدت أسرته عام 1415 من مدينة ماينز لأسباب سياسية فلجأت الى ستراسبورغ، هناك كان على الصبي أن يجد له عملاً، فبدأ حياته العملية في مصنع للصياغة، لكنه بعد فترة أخذ يعمل سراً في مشروع آخر، فقد أخذ يفكر دون أن يطلع أحد على فكرته عن طريقة عملية لصنع حروف طباعية متفرقة تُسبك من المعدن.
كان يدرك أن حلمه لو تحقق سوف يمثل قفزة في تاريخ الفكر الإنساني، فقبل اختراع الحروف المعدنية كانت الكتب تطبع من قوالب خشبية بحجم الصفحات، حيث تحتاج الى جهد كبير في حفر الكلمات عليها، وبعد الطبع تصبح هذه القوالب عديمة الفائدة، وكان غوتنبرغ يدرك أن الخشب مادة ضعيفة لاتتحمل ضغط الطبعات الكثيرة، ولهذا أخذ يبحث عن طريقة سهلة وسريعة لسبك حروف طباعة من المعدن.ولم يكن الأمر مجرد تصميم حروف فقط، وانما العمل على أن تكون سبيكة الحروف متكونة من خليط ملائم من المعادن لايتأثر بالبرودة أو الحرارة، وأن يكون جسم الحرف قائم الزوايا، وأن يكون الضلعان الجانبيان متساويين في كل الحروف، بحيث تتلاصق الحروف عند جمعها، وان تكون أجسام الحروف ذات ارتفاع موحد،كذلك كانت هناك حاجة لصناعة حبر من نوع جديد، فالحبر الذي كان يستخدم في القوالب الخشبية لايصلح، لأنه لايثبت على سطح المعدن، ثم كان على غوتنبرغ بعد ذلك أن يهيء طابعة يمكن أن تكون مثل المعصرة التي يستخدمها صناع النبيذ.. واستمر غوتنبرغ يعمل في مشروعه سراً، ويستدين لتكملة المستلزمات، فحاصرته الديون، وكان يطلب من العمال الذين يساعدونه أن يقسمون له على أن لايبوحوا بسر الصناعة، كما كان هو يحرص على أن يبقى باب غرفته ونوافذها مغلقاً دائماً. وبعد سنوات اخذ يغرق في الديون، مما اضطره أن يرهن المطبعة لأحد صاغة الذهب، في وسط هذه المصاعب كان غوتنبرغ مشغولاً بانجاز طباعة الكتاب المقدس، الذي بلغت صفحاته 1280 صفحة، الذي انتهى منه عام 1455، حيث طبع خمسون نسخة فقط،، قبل أن يتم الحجز على مطبعته، ويموت محاصراً بالديون، وقد كلفت طباعة نسخة واحدة 30 فلورينا، وهو مبلغ يفوق أجر عامل لمدة عامل كامل، إلا ان النسخ التي أخرجتها مطبعته الخشبية تعد اليوم الأغلى في العالم، ففي عام 1901 اشترى مواطن ألماني من هواة جمع الكتب نسخة من الكتاب المقدس الذي طبعه غوتنبرغ بمبلغ نصف مليون دولار، وعام 1930 وافق الكونغرس الأميركي على دفع مبلغ مليون ونصف المليون دولار لشراء نسخة من الكتاب المقدس الذي خرج من يد غوتنبرغ، وتعرض هذه النسخة اليوم في مكتبة الكونغرس حيث لاتقدر بثمن، وقد ساهم اختراع غوتنبرغ بانتشار الكتب بسرعة في أوروبا، وبحلول عام 1500 كان هناك ألف مطبعة مشابهة لمطبعة غوتنبرغ، حيث طبع ما يقارب الثلاثين ألف كتاب، وأصبحت الكتب أقل تكلفة وأكثر جودة، وأصبح اقتناؤها متاحاً لمحدودي الدخل، وأتاحت آلة غوتنبرغ العجيبة اتصالاً أسرع عن طريق الصحف والمجلات، وأوجدت عالماً جديداً من الكلمة المطبوعة، وساعدت على انتشار القراءة والكتابة بدرجة لم يكن لها مثيل من قبل.
********
هيا يا مفيستوفيليس، لنتناقش مرة أخرى
ولنتجادل عن التنجيم الإلهي.
تحدث، هل هناك نجوم وكواكب كثيرة فوق القمر؟
هل كل الأجرام السماوية مجرد كرة أرضية واحدة
مثل جوهر هذه الأرض المركزية
من مسرحية دكتور فاوستيس لكريستوفر مارلو عام 1592
في مسرحية"الدكتور فاوستيس"عبر الكاتب الانكليزي كريستوفر مارلو المولود عام 1564 عن لحظة الاثارة المرتبطة ببزوغ عصر العلم، إن فاوست والذي يعمل منجما وصل الى اقى حدود دراسة الفلك والفلسفة، ونجده في لحظة ما يسعى وراء قوى سحرية تساعده على التغلب على الموت، ونجده يعقد صفقة يبيع فيها نفسه للشيطان"مفيستوفيليس"، إنه يريد الحصول على عشبة العلم، ليطرح آنذاك السؤال المهم : هل يمكننا أن نعرف أكثر مما ينبغي؟ ليصبح هذ السؤال الشرارة التي انطلقت لتغير علاقة الإنسان بالكون المحيط به، وسعيه وراء حل الألغاز التي تحيط بعالمه، في مسرحية مارلو يطلب فاوست من مفيستوفيليس كتاباً"يمكن أن أرى فيه كل شخصيات وكواكب السماوات. قبل مسرحية مارلو بخمسين عاماً كان كتاب"حول دوران الأجرام السماوية"للفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس هو الكتاب الأكثر إثارة للجدل.طبع الكتاب للمرة الأولى في أيار عام 1843، ليعلن كوبرنيكوس من خلاله الإطاحة بكل معتقدات العصور الوسطى والتي كانت تقول إن الأرض هي مركز الكون، وقد جاء كتاب كوبرنيكوس ليقول للجميع إن الأرض مثلها مثل سائر الكواكب تدور حول الشمس.. وقد دعا كوبرنيكوس قرّاء كتابه أن يتخيلوا أنفسهم خارج مركز الأرض، وأن يلاحظوا العالم من منظور مختلف.
ولِد نيقولا كوبرنيكوس في التاسع عشر من شهر شباط عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة فرومبورك. وكانت ولادته في عائلة من التجار والموظفين الكبار، كان والده قاضياً، لكنه توفي مبكراً عندما كان عمره ابنه عشرة أعوام، فتبناه خاله القس وأخذه ليعيش معه في مدينة كراكوفيا وحرص على إدخاله إلى أفضل المدارس. في عام 1491م دخل إلى جامعة كراكوفيا، ليدرس الصناعات والحِرف، سافر بعد ذالك إلى إيطاليا، حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في احدى الجامعات. كما درس بعد ذلك علم الفلك. بعدها اقنع خاله أن دراسة الطب أمر له أهميته لخدمة الكنيسة،، أتمّ كوبرنيكوس دراسته بعدها عاد الى بلدته لرعاية خاله المسن وأثناء عمله مستشاراً قانونياً للكنيسة أخذ يقرأ كل ما يتعلق بعلم الكواكب، فمن خلال استخدام أجهزة بسيطة صنعها بنفسه ليصدر عام 1543 كتابه الشهير عن الأجرام السماوية، لم ينجز كوبرنيكوس كتابه إلا عام 1530 ولم يُنشر إلا يوم 24 أيار عام 1543، كان قد بلغ السبعين من عمره ويقال إن نسخة من الكتاب قدمت له لكنه لم يراها، فقد كان في غيبوبة يعاني من نزيف في المخ، ليتوفى بعدها بساعات،. ينقسم كتاب كوبرنيكوس"دورات الاجرام السماوية"الى ستة أقسام، حيث يضم القسم الأول النظرية القائلة بأن الشمس مركز الكون، وفكرة دوران الأرض حول الشمس، ويتناول القسم الثاني حركات الأجرام السماوية محسوبة رياضياتياً، حيث يقدم كوبرنيكوس قائمة يبين فيها موقع كل واحدة من هذه النجوم في السماء، وتضم الأقسام الأربعة الأخرى شرحاً مفصلاً لحركة الأرض والقمر والكواكب.
كان القبول بكتاب كوبرنيكوس بطيئاً جداً حيث لم تُبع منه سوى نسخ قليلة، ولأن الكنيسة عارضته بشدة، وأصدرت بياناً جاء فيه إن : هذا الفلكي الذي يريد البرهنة على إن الأرض هي التي تدور وليست السماء والشمس والقمر، كما لو أن شخصاً ما يجلس في عربة متحركة أو في سفينة سائرة، ويظن نفسه ثابتاً والأرض والأشجار هي التي تتحرك، يريد ذلك الأحمق أن يقلب علوم الفلك كلها رأساً على عقب. ولكن يقرر الكتاب المقدس إن الشمس وليست الأرض هي التي أمرها يسوع بان تقف لأنها كانت تتحرك"..
**
متى بدأ التنوير؟
الدين والفلسفة لايتصادمان في نظر ابن رشد، وانما يمثلان مرحلتين من الفكر، فالدين حجابا دون الحقائق التي يكتشفهاالفلاسفة، لكي يجعلها في متناول افهام العوام، ولكن معرفة هذه الحقائق هي العبادة التي يؤديها الفيلسوف لله.
إميل برهييه
في معظم الكتب التي تناولت تاريخ الفلسفة يؤكد مؤلفوها إن التنوير كحركة ظهرت في القرن الثامن عشر، وهو عصر سمي عصر فلاسفة التنوير، الذين رفعوا شعار لاسلطان على العقل إلا العقل ذاته"والسؤال أليست مغامرة العقل البشري التي ابتدأت باللحظة التي اخترع فيها السومريون الكتابة وأسسوا أولى المدن، هذه المدن التي نجدها عند اليونانيين قد انفتحت على الحوار والديمقراطية، واخترعت عقلاً مكرساً للفكر النظري المتحرر من نظام الأسطورة وقد أبرز اليونان بعض صفات الفكر العلمي، حيث قالوا إن الظاهرة الطبيعية تأتي من ظاهرة طبيعية أخرى.عندما كانوا يريدون تفسير حدث ما كانوا يتركون الآلهة جانباً. فلم تعد الهزة الارضية أو البرق أو العاصفة تشير الى غضب أحد الآلهة.إنها ظواهر طبيعية، تتطلب نوعاً من التفسير العلمي، وهكذا ولد موقف تجاه الحقيقة ونشأ علم عقلاني، قال عنه ابن رشد المولود 1126 للميلاد إن"من الواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي".. ويذهب ابن رشد أبعد من ذلك حين يدعونا أن نبحث عن الحقيقة وبصرف النظر عن مصدرها، ويوضح ابن رشد النهج الصحيح في تفسير الظواهر بقوله :"إن النهج الحقيقي في العلم هو أن نبحث عن علل الأشياء ومبادئها".
أتى ابن رشد للفلسفة بعد أن قضى"الغزالي"عليها في كتابه تهافت الفلاسفة الذي أراد من خلاله تفنيد آراء الفلاسفة في موضوعات الخلق والعقل والنفس والموت والبعث، وقد عاب الغزالي على فلاسفة الإسلام تأثرهم بالفلسفة اليونانية :"انما مصدر كفرهم سماعهم اسماء هائلة كسقراط وبقراط وافلاطون وارسطوطاليس وامثالهم.. وهم مع رزانة وغزارة فضلهم منكرون للشرائع والنحل وجاحدون لتفاصيل الأديان، ومعتقدون إنها نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة. فلما قرع ذلك سمعهم ووافق ما حكي مع عقائدهم طبعهم، تجملوا باعتقاد الكفر تحيزاً على غمار الفضلاء بزعمهم، وانخراطاً في سلكهم، وترفعاً عن مسايرة الجماهير والدهماء، واستنكافا من القناعة بأديان الآباء".
وقد ألّف ابن رشد كتاباً في الرد على الغزالي سماه"تهافت التهافت"، انتصر فيه للتجديد الفلسفي، وحاول أن يُبطل ما ذهب إليه الغزالي من تكفير للفلاسفة، وأكد إنهم مجتهدون يثابون إن أصابوا، ويعذرون إن أخطأوا، ورفض اعتبار القياس العقلي بدعة كما ادعى الغزالي :"وليس لقائل أن يقول إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذ لم يكن في الصدر الأول.فإن النظر أيضاً في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول، وليس يرى بدعة. فكذلك يجب أن نعتقد في النظر في القياس العقلي"، وذهب ابن رشد في تبنيه آراء الفلاسفة اليونان باعتبارها واجباً شرعياً"وإن مَنْ نهى عن النظر في علوم الأولين، فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس الى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي الى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل". وابن رشد يرى في الفلسفة إنها تجربة بشرية يسهم الجميع في تشييد صرحها وإعلاء كلمتها، وإكمال بنائها فـ"الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة"،يكتب في تهافت التهافت :"إن الشرائع، تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان، وبلوغه سعادته الخاصة به، وذلك إنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان، والفضائل النظرية والصنائع العملية..إن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية وبالفضائل النظرية، وإن ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إلا بالفضائل النظرية"
فالفضائل العملية والفضائل الخلقية في نظر ابن رشد هي التي تؤدي الى الفضائل النظرية أو العلمية وهو طريق ينتقل به الإنسان من الحسي الى العقلي، وهذا الصعود يتم بتنمية مواهب الإنسان واستكمال طريق العلم والمعرفة.
وينتهي ابن رشد في كتابه"تهافت التهافت"إلى الإعلان ببطلان آراء الغزالي ويقرر:
1- إن النظر في كتب القدماء واجب شرعي، وإن ما قيل في مخالفة الفلسفة للشرع دعوى باطلة
2- إن التكفير بدعوى"خرق الإجماع في التأويل"، لأن التأويل قضية مُسلم بها ولا يرتاب بها مؤمن، بل يزداد يقينه.
لم يكن كتاب"تهافت التهافت"الكتاب الوحيد الذي رد فيه ابن رشد على هجمات اعداء الفلسفة والعلم، فكان قد أصدر قبل تهافت التهافت بسنوات قليلة كتاب كتاب"تلخيص السياسة"وفيه يستعرض آراء أفلاطون في السياسة ويعرج على آراء أرسطو وبعض معاصريه، وفيه يخبرنا إن الحاكم يجب أن يكون محباً للعلم، كارهاً للخرافات والكذب، ميالاً لكل ما هو جميل وخير، إضافة الى صفة الثقافة وفصاحة اللسان :"من الذي اجتمعت فيه هذه الشروط من صغره، واتفق له مع ذلك أن نشأ على نحو تلك النشأة، فهو الذي ينبغي أن يحكم هذه المدينة. ولهذا كله يندر وجود مثل هؤلاء القوم، ولهذا يصعب وجود هذه المدينة".
حظي ابن رشد المولود في قرطبة بالأندلس بتعليم ممتاز، فقد كان أبوه وجدّه من قضاة قرطبة، فأتيح له هو أيضاً أن يصبح قاضياً سنة 1171 للمدينة التي ولِد فيها، وبعد أن درس الفقه والطب والفلسفة وعلم الكلام والرياضيات، قدمه الفيلسوف ابن طفيل صاحب"حي بني يقظان"الى الخليفة الموحد ابي يعقوب يوسف، فطلب إليه هذا أن يقوم بتحليل وشرح مؤلفات أرسطو، وتلك كانت بداية صداقة بين الأمير المحب للفلسفة وبين ابن رشد الذي صار طبيب الخليفة الخاص، لكن هذه الصداقة لم تدم طويلاً بسبب معاداة رجال الدين لابن رشد الذين وصموا فلسفته بالزندقة والكفر، وحرضوا الخليفة ضدة حيث أمر بسجنه، بعد مدة أطلق سراحه لكنه ظل قيد المراقبة، غير أن حياته لم تدم طويلاً بعد المحنة فمرض ومات وهو في السبعين من عمره.
كتب ابن رشد العديد من المؤلفات إلا أنه اشتهر باعتباره الشارح الأكبر لأرسطو، ومن المثير للاهتمام أن ابن رشد وهو يشرح كتاب ارسطو"في السماء"أكد إن الارض كروية.. وكان هذا قبل كوبرنيكوس بأكثر من أربعة قرون.
ظل العلم يبحث دائماً عن الأسباب. يريد العلماء معرفة ما يحدث ولماذا. ما الذي يجعل الخلية تبدأ بالانقسام إلى ما لا نهاية، لماذا يتحول لون أوراق الشجر إلى اللون البني والأصفر والأحمر في الخريف، بينما كانت خضراء طوال الصيف؟ لماذا ينتفخ الخبز عندما تضيف إليه الخميرة؟ يمكن الإجابة على هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة المشابهة من خلال وجود"أسباب"مختلفة. في بعض الأحيان تكون الإجابات بسيطة جداً.و في بعض الأحيان تكون معقدة للغاية. في الغالب، يتعامل العلماء مع ما يسميه أرسطو الأسباب الكامنة، ولكن الأسباب المادية والشكلية هي أيضاً مهمة. الأسباب النهائية تثير مجموعة مختلفة من القضايا. في التجارب العلمية اليوم، يكتفي العلماء بشرح العمليات بدلاً من البحث عن تفسير شامل أو أوسع،هذا الأمر يتعلق أكثر بالفلسفة.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





