تارةً أُخرى .. ما الفرق بين دولة صدام ودولة الإسلام السياسي؟
عين نيوز

ناصر الحجاج
غالبا ما يدور بين العراقيين حديث عن أوضاع البلاد ما قبل 2003 وما بعدها، يقارنون فيه الأوضاع الإدارية والاقتصادية والأمنية والسياسية في عهد الدكتاتور، وعهد أحزاب الإسلام السياسي الذين وصلوا بلا عناء إلى التحكم بمقدرات الأمور في العراق! وترى الناس فريقين يختصمون، أولهما "يترحّم" على "صدّام" قائلاً إنه قائد أعطى للعراق هيبة بين الدول، فلم يكن أحد من جيران العراق يجرؤ على التعدي على أراضيه، ولا على سيادته، وكان العراق في عهده "يمشي مثل الساعة"، "حتى جاء الحرامية" الذين كانوا في فصائل المعارضة وتسلموا الحكم فباعوا العراق "تفصيخ". بينما يردّ الفريق الثاني إن المقابر الجماعية التي ملأ بها النظام البعثي أرض العراق، والإعدامات التي كانت تطال العراقيين الأبرياء لمجرد شبهة، لا يمكن أن نقارن بها الحريات التي يتمتع بها العراقيون اليوم، في ظل نظام سياسي اختاروه بالانتخابات، ودستور دائم كتبه العراقيون بأنفسهم.
هذا الحديث وإن كان يشغل مساحات واسعة من الحوارات التي يجريها العراقيون يومياً، لا يعدو كونه حديث متفرجين بذاكرة قصيرة، فالشعوب التي تريد إصلاح بلدانها بعد خراب، لا تقارن سيئاً بأسوأ منه، ولا الأسوأ بالأقل سوءاً، فتلك المقارنات لا تغني شيئاً، ولا تغيّر من واقع الحال، لسبب واحد على الأقل، هو أن التحليل السياسي للأحداث لن يغيرها مطلقاً.
لم يكن "صدام" قبل تسلمه السلطة ضابطاً عسكرياً مسلكيّا، ولا عُرف عنه أنه كان مفكراً سياسياً عبقريّاً، ولا هو من الأكاديميين النابهين الذين وصلوا إلى إدارة الدولة عبر خبراتهم العملية والتعليمية، ومع ذلك كانت الدولة العراقية ومؤسساتها تسير بشكل طبيعي، رغم عشق العراقيين للوشاية بأنفسهم وكتابة التقارير التي تودي بأهليهم إلى الإعدام أو التعذيب والاعتقال. كان العراق في عهد صدام عراقا محترماً مهاباً من جيرانه والعالم، وهذا ما انعكس على استقبال الدول والشعوب الأخرى للعراقيين على أراضيهم، وهذا بحدّ ذاته ما يشكل الفارق الأعظم بين ما قبل 2003 وما بعدها، هو فارق السمعة والصورة، كما يسمى في اصطلاح العلاقات العامّة Image and reputation.
سمعتك وصورتك هما ما يحددان تعامل المجتمع معك، فإذا كانت الدولة، فإن هيبتها وسمعتها هما العاملان الأساسيان الذي تنبني عليه سائر الطبقات، وبغياب السمعة التي تشكل هيبة الدولة، تسقط الدولة وتنهار. الأمر مرتبط سيكولوجياً بنظرة المجتمع لهذا الكيان أو ذاك، حتى يمكن القول إن الدولة التي تريد أن تبني نفسها بعد خراب، عليها أولاً ترميم صورتها المعنوية الخربة، ومن ثم السعي لإصلاح بقية الجوانب.
فما الفرق الآن، بين "الهدّام" وبين "الإسلام السياسي"؟ إنه السمعة! سمعة الدولة وكياناتها، وصورة العراق وهيبته، فقد كان صدام يبذل ملايين الدولارات على الإعلام، لا لتلميع صورته الإجرامية، وطرح نفسه "بطلاً للتحرير القومي" ورفع شعار "تحرير القدس"، وحسب، بل لأجل بناء "صورته، وسمعته" كقائد قوي، لعراق قوي، وهذا ما انعكس نفسياً على احترام العراقيين لأنفسهم، "إيه! احترم نفسك!".
لم يعرف الإسلام السياسي معنى السمعة، فأهدر سمعة رجل الدين، حتى صار الكثير من العراقيين ينظرون بهوان إلى العمامة أو يرتابون منها، وأهدر الإسلام السياسي سمعة الدستور والمشرعين، حين فرض "بالإكراه" وجود الدين والطائفة في كتابة الدستور، وفي البرلمان. أساء الإسلام السياسي للتحضر والمدنيّة وجعلهما رديفاً للفسق والفجور، وأساء لرجل الأمن حين جعل له رديفاً دينيّا من غير العسكريين، وأساء الإسلام السياسي لسمعة رجل القضاء، بل وسمعة شيخ العشيرة، حين وضع الأشياء في غير موضوعها: "ووضع الندى في موضع السيف في العلا ـ مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى"ـ المتنبي.
إنها سمعة هذه الكيانات الطبيعية للدولة، للدولة العميقة، التي لا تسقط بسهولة، حتى لو سقطت الدولة أو تم اختطافها. إنها سمعة نحتاج في إعادتها إلى أن نبعد رجل الدين قليلاً لنبني الدولة، ونعيد السمعة لنا جميعاً.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





