بغداد وقسوة الأعصر

عين نيوز

 0
بغداد وقسوة الأعصر
بدون وصف


  سعاد الجزائري

بغداد، مدينة سجلت حضورها الراقي في التاريخ والعلم والثقافة، وأقرّ بأهميتها الجغرافية والجمالية والعمرانية، أكبر أعدائها وغزاتها..
كما تغنى بها الشعراء، وكتب عنها أهم الباحثين والمستشرقين، وتباهى بزيارتها أو الدراسة فيها، أيام عزها، أجيال وأجيال من طلاب الدول العربية وحتى الأجانب..
ولوقع اسم هذه المدينة،،،. رنين يسمع صداه في أهم الكتب، وفي نفوس شخصيات عاشت فيها، أو سمعت عنها، أو وصلت اعتاب قدسيتها..
الوصول الى بغداد مفخرة تسجل في تاريخ السلاطين والملوك، سواء دخلوها حاكمين أو غازيين، أو حتى زائرين.
في مسلسل السطانة قٌسُم، يقول السلطان مراد، عند اجتماعه مع وزرائه وباشواته وقادة الجيش الانكشاري النص التالي:(حملتنا المقبلة على بغداد..اقسم بالله انتم شهود علي، إما أن أعود بمفتاحها، أو استشهد على أبوابها....)
وفي مقطع آخر تقول قسم (السلطانة الأمّ) وهي تودع ابنها السلطان مراد، لحظة احتضاره:
- سيسجل في تاريخ السلطنة العثمانية انك دخلت بغداد....
ولهذه العبارة أكثر من مدلول، أولها أهمية وعظمة هذه المدينة، حيث لم تتم الاشارة الى اسماء مدن أخرى، والمدلول الثاني يشير الى ان تلك المدينة عصية على الركوع او الاحتلال، بحيث تسجل في تاريخ غازيها، كمنجز استثنائي له، دون فتوحاته الأخرى..
هذه المقدمة تقودني الى تاريخ 9/4/2003، الذي اسماه البعض احتلال العراق، وفريق آخر اطلق عليه سقوط نظام، وفريق ثالث أسماه سقوط بغداد، لكل مبرراته في التسمية، ولست بصدد طرح رأيي، لأني بالتأكيد ضد النظام الذي سقط، لكني أيضاً، كنت ضد الحرب التي كانت ستسقط العراق بأكمله تحت مظلة إسقاط النظام، ولأن المجتمع الغربي أدرك جيدا هذه الخديعة، لذلك تظاهر الملايين ضد الحرب..وأنا كنت مع المتظاهرين، والنتائج الكارثية اثبتت صحة ما تظاهرنا ضده، رغم أن الكثير شنوا علينا حملة اتهامات باطلة، هم الآن يتنصلون منها، ويدعون كذباً انهم كانوا ضد الاميركان والحقيقة ان يدهم كانت بالجيب الاميركي، والأخرى بجيب الفساد، الذي بدأت علائمه في بعض اوساط المعارضة حتى قبل 2003 بزمن طويل..
أعود لبغداد، التي اجتمعت عليها الاعصر، بغداد التي عرف قيمتها سلاطين واباطرة وملوك التاريخ، والتي كتبت بحقها آلاف كتب المستشرقين والباحثين، العلماء والمفكرين.
بغداد، التي شغلت فكر أهم مخططي السياسة والمؤامرات، ليس لأنها المدينة الأجمل، او الأغنى طبيعياً، أو الاوسع، لكن لأهميتها على مختلف الاصعدة مجتمعة..
الكل، منذ البدء يدرك عظمة وأهمية تلك المدينة، حتى ألد اعدائها، بإستثناء فئة فريدة، لم تدرك أبداً استثنائيتها، فلطخت شرف المدينة بالعار، ودنست تربتها، وانتهكت عرضها وحرمتها، فئة جبلت من طين ملوث، لا قيمة إنسانية أو خلقية فيهم، فئة جاءتنا بعبارة (سقطت بغداد) والحقيقة هم اسقطوها، إنهم سقط المتاع، ورثة هولاكو، الذين حكموا واستحكموا ببغداد بعد 2003..فمن هم هؤلاء؟ ولماذا دمروا عظمة مدينة شغلت الأكابر على مر التاريخ؟ وما الذي يريدونه منها ومنا بعدما نهبوها بالكامل وحطموا على عتباتها أحلامنا..
ولا يليق بوجعها وعظمتها إلا أبيات مصطفى جمال الدين..التي جسدت قسوة الأعصر عليها:
بغداد ما اجتمعت عليك الأعصر
إلا ذوت ووريق عمرك أخضر
مرت بك الدنيا وصبحك مشمس
ودجت عليك ووجه ليلك مقمر
وقست عليك الحادثات فراعها
ان احتمالك من أذاها أكبر

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0