العراق ودواؤه: ظاهرة التصفير
عين نيوز

علاء حميد - باحث انثروبولوجي
يكرر العراقيون في أحاديثهم، حين تشتد الأزمات ويتفشى اللانظام في حياتهم العامة مقولة: "بلد ماتصيرله چارة/ حل"، تزرع هذه المقولة في عقول العراقيين هاجس السؤال الذي لا جواب له "لماذا لا يتقبل هذا البلد نوعاً من الحل"، كما يرافق تكرار هذه المقولة، مدى قدرتنا على تقبل حالنا كما هو، لكي نرضى بالتأرجح بين طرفي الانتقال والتحول الدائمين من أزمة الى أخرى.
ربما نحن راضون بالحال الذي بلغناه، ولكن المفارقة لا تكمن هنا في القبول والرفض، بل في تحدي من أين نبدأ لنفهم أزمة العراق، حين لا نقبل بحالنا هذا، أظن علينا الاعتراف إننا واقعون في حيرة من أمرنا، تعيق محاولتنا للخروج مما نحن فيه من دوام التصديق بالمسلمات التي تعودنا عليها في تفسير أزمة العراق القائمة، فمع قيام كل أزمة نكرر الأسباب نفسها "الصراع الشيعي – السني، شخصية الحاكم، العلاقة بين المركز والإقليم، دول الجوار... الخ"، لم يخطر يوماً في بالنا التفكير خارج هذه المسلمات من دون إغفال أن لها تأثيراً ليس بالهيّن، ولكنها ليست التشخيص المتكامل لتفسير أزمة العراق.
ظاهرة التصفير: الحضور الدائم
التأمل في تاريخ العراق السياسي؛ يقودنا نحو التأكد من وجود لظاهرة التصفير Zero Scratch Phenomenon، والتي أعني بها إفراغ النظام السياسي والاجتماعي من أي تراكم دائم لتقاليد ومعايير تكون إطاراً مستقراً لإدارة الصراع، وهذه الظاهرة نتاج حالة اللاستقرار المصاب به العراق منذ 1921 ولغاية اليوم.
الاستمرار والانقطاع، هما من يوضح لنا دوام ظاهرة التصفير في العراق، فحين نسأل ما الذي أستمر وأنقطع بين المرحلة الملكية والجمهورية؟ ماذا نجد لا شيء سوى القيام بتصفير مكونات المرحلة الملكية لوضع مكونات أخرى مختلفة ليس لها صلة بما سبقها، وحين أخذ النظام السياسي العام 1958 الشكل الجمهوري في طريقة الحكم، زادت حدّة هذه الظاهرة، فمنذ ذلك الوقت والنظام يعزز إنتاج هذه الظاهرة، فبعد انقلاب 1963، تم إنهاء مكونات المرحلة التي سبقتها وعدنا الى المربع الاول في عملية بناء الدولة وصلتها بالمجتمع، ثم جاء انقلاب 1968 لينهي ما قام به الذي سبقه.
دامت فاعلية هذه الظاهرة، لأسباب عدة منها موقع العراق الجغرافي الذي يسهم في تكوين عوامل حدوث ظاهرة التصفير، اذ يجاور العراق دولاً لديها الرغبة الدائمة في التدخل بشؤونه، كما هناك الصراع المستمر بين السلطة ومجتمعها؛ ولهذا يصل هذا الصراع الى حد الاحتراب الدموي بينهما، ويكفي العودة الى سجل الحروب التي دخلها الجيش العراقي، والتي تصل الى 45 حرباً منها 44 كانت داخلية لقمع تمردات حصلت في الشمال والجنوب.
كانت الحروب الثلاثة "الحرب العراقية - الايرانية، غزو الكويت، الاحتلال الاميركي" الذي وقع العراق تحت طائله، تأكيداً عملياً لترسخ هذه الظاهرة في النظام القائم، فقد جاءت حرب الثماني سنوات لتصفر كل المنجزات التي حصل عليها العراق من تغيّر أسعار النفط والتراكم المالي الذي جاء نتيجة ذلك، أما غزو الكويت فعبر بشكل واضح عن القضاء التام على ما تبقى من مكونات اجتماعية كانت لديها الرغبة في تكوين دولة ونظام في العراق، أما الاحتلال الاميركي فقد أنهى كل الميراث الذي حصل منذ 1921 ولغاية 2003، لنشعر مرة أخرى بأننا في العراء بلا تقاليد ومعايير نبدأ منها، كان الشك والثأر هما الإطاران اللذان وجها بناء الدولة بعد 2003، لتقع من جديد عملية بنائها في ظاهرة التصفير، ولتحولها الى ممارسة صفرية لا تنتج سوى الفوضى والأزمات الدائمة.
زاد تغير 2003 من رسوخ ظاهرة التصفير، بسبب أن شكل الصراع تحول من ما بين السلطة والمجتمع، الى ما بين المكونات التي لها فاعلية في بناء الدولة وهناك أمثلة كثيرة على ذلك الصراع بين "حزب الدعوة والمجلس الاعلى ما قبل وبعد تغير النظام" ثم الصراع الواضح بين الدعوة والتيار الصدري، وفي كردستان بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، وهذا يثبت أن الصراع السياسي غير منتج سوى تصفير دائم لما سبق، لتصبح الأزمة هي الثابت في حالة السلطة بعد التغير والاستقرار هو الحالة الطارئة.
يعرف ايليا حريق السياسة بأنها موضوع تدبير السيطرة (Control) والاستغلال والتبعية، وهي ظواهر ترافق الاجتماع البشري على شتى أنواعه من العائلة الصغيرة الى مكان العمل والمدرسة والمعبد والقبيلة والطائفة والدولة، وحين نفتش عن معاني هذا التعريف في معنى السياسة بالعراق، لا نجد سوى الإزاحة والإقصاء والإخضاع، لكي يتحقق الاستغلال والتبعية فقط، المفزع في العراق ان الكل يظن ان لديه الحل بدءاً من المواطن العادي حين يتحدث عن أزمة العراق في وسائط النقل، الى السياسي الذي يظهر في برامج التلفزيون ويحلل تلك الأزمة، لكنهم جميعاً لا يمتلكون إرادة الحل، فالحل في العراق معلق بين الرجاء والتمني، وكأنه خيال عابر لا نستطيع الإمساك به؛ ولهذا نعوضه بالكلام والامنيات.
تنبع ظاهرة التصفير من العوامل التي ذكرناها أعلاه، لكن العامل الأكثر تأثيراً في دوام ظهورها هو التباين الملموس بين التاريخ والسياسة في النموذج العراقي، اذ ان العراق التاريخي موجود منذ مدة طويلة وضمن أشكال متعددة "حضارات، دويلات"، ولكن العراق السياسي حديث لا يتجاوز عمره 98 عاماً، فقبل العام 1921 لم يكن هناك شكل سياسي واضح ومستقر، وانما هناك حضارات تنتج الشكل السياسي الذي يناسبها ثم تندثر، وتعقبه حضارة أخرى بشكل سياسي مختلف وهكذا، هذا التباين غالباً ما يقود من يحكم العراق نحو البحث عن المركزية والسيطرة، ما يسمى بالاختراع، كما ذهب توبي دوج في كتاب "اختراع العراق" يتناسب مع نشوء الشكل السياسي للعراق الحديث في الربع الأول من القرن العشرين، وحين نقارن بين ما جرى في العراق ومصر، نجد إن التناسب واضح في مصر بين التاريخ والسياسة، فالوجود التاريخي لمصر هو ذاته الى اليوم لم يتغير الا بشكل بسيط، ولهذا استقر النظام السياسي فيه، كذلك الحال ينطبق على ايران فالتناسب واضح بين التاريخ والسياسة، على الرغم من تغيّر شكل النظام عام 1979، لكن الأسس والثوابت لم تتغير.
ولكي نتمكن من التعامل مع ظاهرة التصفير، نحن بحاجة الى صياغة مقاربة تعتمد على ثلاثة عوامل هي "القوة، الكلفة، المعرفة"، فالقوة هي العامل التي نحافظ فيه على المكان من التبديد الذي مرّ به، إذ فقد العراق قبل 2003 ما يقرب من 5300 كيلو متر من جغرافيته، أما الكلفة، فنحتاج لمواجهة ظاهرة التصفير كلفة مالية عالية، توفرها إمكانية العراق الاقتصادية، كما ان المعرفة تسهم في توفير التحليل والبحث المناسب من خلال ايجاد طاقات بشرية تمتلك إمكانية الإدارة والحكم.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





