إشكالية الهيئات المستقلة في الدستور العراقي
عين نيوز

زهير كاظم عبود
نص الدستور العراقي النافذ ، ضمن أحكام الفصل الرابع على الهيئات المستقلة ( 102 - 108 ) ، وعد كل من المفوضية العليا لحقوق الإنسان ، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات ، وهيئة النزاهة ، والبنك المركزي العراقي وديوان الرقابة المالية ، وهيئة الأعلام والاتصالات ، ودواوين الأوقاف ، ومؤسسة الشهداء ، والهيئة العامة لضمان حقوق الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم والهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية ، ومجلس الخدمة الاتحادية ، جميعها هيئات مستقلة .
كما عد الدستور المحكمة الجنائية العراقية العليا بوصفها هيئة قضائية مستقلة ، وهيئة دعاوى الملكية مستقلة بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية ، وعد أيضاً الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث والتي تغير اسمها الى الهيئة العليا للمساءلة والعدالة بوصفها هيئة مستقلة ، غير أنه ربط الهيئات الأخيرة ( الاجتثاث ودعاوى الملكية ) بمجلس النواب ، في حين منح الدستور حق حل المحكمة الجنائية لمجلس النواب وفقاً لقانون بعد ( إكمال أعمالها ) ، في حين منح الدستور في الفقرة ثانياً من المادة 135 لمجلس النواب حل هيئة الاجتثاث ( بعد انتهاء أعمالها ) بالأغلبية المطلقة .
ووزع الدستور مرجعية عدد من هذه الهيئات ، فربط دواوين الأوقاف ومؤسسة الشهداء بمجلس الوزراء ، وأخضع المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة لرقابة مجلس النواب ، وأشار الى ارتباط البنك المركزي باعتباره مسؤولاً أمام مجلس النواب ، وارتباط ديوان الرقابة المالية ، وهيئة الإعلام والاتصالات بمجلس النواب ، وترك الدستور أمر الهيئة العامة لضمان حقوق الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم ، وهيئة مراقبة تخصيص الواردات الاتحادية ، ومجلس الخدمة الاتحادية ، حيث أحال ذلك على تنظيم العلاقة وفق القانون الذي يصدر بتلك الهيئات ، وأجاز الدستور استحداث هيئات مستقلة أخرى حسب الحاجة والضرورة على أن ينظم ذلك بقانون .
ومن يراجع اختصاصات مجلس النواب المحددة في المادة ( 61 ) من الدستور لن يجد من بينها مهمة الإشراف والرقابة على الهيئات المستقلة ، إنما منحت الفقرة ثانياً من المادة المذكورة حق رقابة مجلس النواب على أداء السلطة التنفيذية ، وهذه الرقابة مطلقة غير مقيدة وفي سبيل ذلك منحت الحق لعضو مجلس النواب توجيه الأسئلة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء ، ومنحت أيضا الحق لخمسة وعشرين عضواً طرح موضوع عام للمناقشة ، والاستيضاح عن سياسة وأداء مجلس الوزراء ، وأيضا حق استجواب رئيس الوزراء والوزراء لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل ضمن اختصاصاتهم ، وللمجلس سحب الثقة من أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة إذا ما ثبت فشل او تقصير أو تلكؤ أو فساد في المهمة المناطة به .
والمتعارف عليه في النظم الدستورية أن مهمة مجلس النواب أو البرلمان تنحصر في المهمة التشريعية والرقابية وإعلان حالة الطوارئ وإعلان الحرب ومساءلة رئيس الجمهورية وإقرار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وإقرار الميزانية ، ولا يمكن أن تكون هناك دوائر أو هيئات أو مجالس تؤدي مهمات خدمية أو تعمل ضمن نطاق السلطة التنفيذية أن ترتبط بالمجلس ، لأن مجلس النواب هو السلطة التشريعية وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث والمنصوص عليه في المادة ( 47 ) من الدستور ، كما تتكون السلطة التشريعية وفق الدستور من مجلسين هما مجلس النواب و مجلس الاتحاد ( 48 ) إلا أن المجلس الأخير الذي أشارت له بالتفصيل المادة ( 65 ) من الدستور تم تأجيل العمل به وفقا لنص المادة ( 137 ) من الدستور الى حين صدور قرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين ( بعد الدورة الانتخابية الأولى ) ، وبالرغم من مرور دورات عدة على تبدل مجلس النواب إلا أن أحداً لم يلتفت الى هذا الشرخ الكبير الحاصل في تنفيذ نصوص الدستور .
ويشار إلى أن الاستقلالية التي تتمتع بها هذه الجهات لا يعني أنها منقطعة أو منفصلة عن جميع السلطات ، بالنظر لطبيعة عملها وعلاقته بالعمل التنفيذي أو القضائي ، كما نلاحظ أن النص الدستوري جعل رقابة مجلس النواب على بعض الهيئات ، وجعل ارتباط بعض منها بمجلس النواب ، في حين جعل ارتباط عدد آخر منها بمجلس الوزراء ، وترك أمر ارتباط بعض منها دون أن ينص على تحديد الجهة التي يرتبط بها كما فعل مع مجلس الخدمة الاتحادي والهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية .
النظام الدستوري المؤسس على مبدأ فصل السلطات الثلاث لايمكن أن يخلق أو يؤسس سلطات خارج أطار أي من السلطات الثلاث ، إذ لا يقبل أن تكون هناك سلطات سائبة بزعم الاستقلالية ، وبالنظر لكون السلطة التشريعية محددة دستورياً بالمهمات المناطة بها في التشريع والرقابة ، لذا فأن رقابة المجلس على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والمفوضية العليا لحقوق الإنسان وهيئة النزاهة لا يخل باستقلاليتها ، مثلما ترتبط دواوين الأوقاف ومؤسسة الشهداء بالسلطة التنفيذية .
إن السلطة التنفيذية مسؤولة أمام مجلس النواب عن التخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة ، ووضع الخطط العامة ، وكذلك الإشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة ، ووفقاً لهذا ينبغي أن نعود الى طبيعة عمل كل جهة أو هيئة ، فممارسة العمل التنفيذي يجعلها تقف في صف السلطة التنفيذية ، وعملها القضائي يجعلها تقف في صف السلطة القضائية ، وأن الاستقلالية التي يتحدث عنها الدستور تعني عدم تدخل الغير بأعمالهم المناطة بهم ، ولا سلطان عليهم غير القانون ، كما هو حال العمل القضائي حيث أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة ، غير أن هذا الأمر لا يجعلهم ينسلخون عن السلطة القضائية التي يتبعونها ويرتبطون بها ، مما يوجب أن نقرأ النصوص الدستورية بما يتطابق مع المبدأ العام للدستور المتمثل في أن السلطات ثلاث ، وهي منفصلة انفصالاً لا يشكل التقاطع ، وأنه لا يمكن أن تكون هناك سلطة رابعة ، كما لا يمكن أن يكون مجلس النواب مرجعاً ترتبط به دوائر الحكومة التنفيذية مهما كان فعلها وعملها أو صفتها .
ونلاحظ الارتباك الحاصل في النصوص الدستورية الخاصة بالهيئات المستقلة ، فعد قسم منها خاضعة لرقابة مجلس النواب ، وعد بعض منها مسؤولة أمام مجلس النواب ، في حين اعتبر عدد منها هيئات مستقلة مالياً وإدارياً وينظم القانون عملها ، في حين إنه في الفقرة الثانية من النص ربط ديوان الرقابة المالية وهيئة الأعلام والاتصالات بمجلس النواب .
أما بقية الهيئات الواردة في هذا الباب وهي هيئات لم تنشأ ولم ينظمها قانون فترك أمر ارتباطها ورقابتها وفقا للقانون الذي سيصدر لتكوينها ، مثلما ترك أمر تكوين واختصاصات مجلس الخدمة الاتحادي للقانون بالرغم من عدم قيام مثل هذا المجلس حتى اليوم .
ومن هنا نؤكد على ضرورة أن تكون هناك مرجعية لهذه الهيئات بحيث تنسجم مع السياسة العامة للدولة ، وتقوم بالتنسيق مع بقية السلطات ، مع احتفاظ هذه الهيئات بالاستقلال المالي والإداري تحصيناً لها ، وحتى تكون مستقلة في قراراتها وإجراءاتها المهنية ، وأن خضوع الهيئات للرقابة والأشراف لا يخل بطبيعة عملها ، ولا يخدش استقلاليتها ، لأن الاستقلالية لا تعني الانفصال ، والإشراف والرقابة لا يعني الخضوع والتدخل في أعمالها ، كما أن مجلس النواب لا يملك الأدوات التي تؤهله لإدارة شؤون هذه الهيئات ، حيث أن بقاء مثل هذه الهيئات بهذا الشكل يعرض حرية المواطن وحقوقه إلى الضياع ، كما أنها ستكون في منأى عن الطعن في قراراتها في حال بقاءها خارج إطار وحدة كيان السلطة التنفيذية وتكامله في العمل مع بقية الجهات التي لا ترتبط بوزارة ، كما أن العديد من هذه الهيئات تقوم بإصدار قرارات تتداخل مع عمل السلطة القضائية أو السلطة ألتنفيذية ما يجعل المنطق من أن هذه السلطات مرجعا لها ، وحتى لا نؤسس لكيانات خارج أطار النظام الدستوري وخلافاً لمبدأ فصل السلطات علينا أن نعود الى المرجعية التي تتبعها كل هيئة من هذه الهيئات المستقلة
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





