«حديثٌ عن الأشجار» للمخرج السوداني صُهيب قسم الباري أفضل وثائقي في مهرجان برلين الـ 69

عين نيوز

 0
«حديثٌ عن الأشجار» للمخرج السوداني صُهيب قسم الباري أفضل وثائقي في مهرجان برلين الـ 69
بدون وصف


برلين - خاص من عرفان رشيد

رُغم الحجر والتضييق المُمارس من قبل الحكومة السودانية وأجهزة الرقابة على السينمائيين، ورُغم إهمال الصالات وإغلاق غالبيّتها، والتعامل مع الفن السينمائي باعتباره «عدواً ينبغي قهره»، فإنّ بالإمكان اعتبار الموسم السينمائي 2018 - 2019 موسماً خصباً للسينما في السودان، وليس ذلك على صعيد وفرة الإنتاج، بل على صعيد النوعيّة والحضور في المحافل السينمائية الأوروبية والعالمية؛ فبعد أقلّ من ستة شهور من تحقيق فيلم «آكاشا» للمخرج السوداني الشاب حُجيج كوكا نجاحاً هامّاً في الدورة السابقة من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، هاهو المخرج الشاب صُهيب قسم الباري، لا يكتفي بإشراك فيلمه الوثائقي «حديثٌ عن الأشجار» في الدورة الـ 69 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، بل يحظى، هو و «شبابه» الأربعة باستقبال باهرٍ لدى الجمهور والنقد معاً، بل ويحمل عالياً في ليلة الختام جائزة أفضل شريط وثائقي في دورة المهرجان التي اختُتمت ليلة السادس عشر من فبراير.
ومنحت لجنة التحكيم الدولية التي ترأستها النجمة الفرنسية جولييت بينوش جائزة «الدبّ الذهبي» للدورة الـ 69 للبيرلينالة التي اختُتمت السبت الماضي. إلى فيلم «مُرادفات» لناداف لوپيد كأفضل فيلم. جائزة أفصل مخرج إلى آنجيليكا شاناليك عن فيلمها «كنت في البيت، ولكن» فيما مُنحت جائزة أفضل ممثل إلى وونغ جيتشون عن دوره في فيلم «وداعاً يا ولدي» للمخرج وونغ شاوشواي، ونالت بطلة نفس الفيلم يونغ مِييْ جائزة أفضل ممثلة. في حين فاز فيلم «بفضل الربّ» من إخراج الفرنسي فرانسوا أوزون بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة. وفاز نصّ فيلم «خلطة الأطفال» للإيطالي كلاوديو جوفانّيزي بجائزة أفضل سيناريو، وهو نصٌ مقتبسٌ من مؤلَّفٍ للكاتب المناهض للمافيا روبيرتو سافيانو، والذي أهدى جائزته إلى منظمات المجتمع المدني العاملة في إطار إنقاذ المهاجرين من الغرق في مياة المتوسّط. وفاز مدير التصوير الدانماركي راسموس ڤيدبيك بجائزة أفضل تصوير عن فيلم «سرقة الخيول» للمخرج هانس بيتير مولاند.
وما ميّز هذه الدورة من المهرجان البرليني هو الحضور النسوي الواسع، سواءٌ في عدد المخرجات، حيث قدّمن سبعة من الأفلام الـ 17 ضمن المسابقة الرسمية (وصارت 16 فيلماً بعد سحب فيلم « ثانية واحدة » للمخرج الصيني جانغ ييمو لـ «أسباب تِقنيّة» حسب ما ورد قي بيان للبرلينالة). وبدا المدير الفني للمهرجان دييتير كوسليك، وكأنّه أراد تلوين الدورة الأخيرة تحت إدارته باللون الزهري، إذْ ضمّت لجنة التحكيم الدولية، بالإضافة إلى رئيستها، جولييت بينوش، مخرجتين أخريين من ضمن ستة أعضاء. وضمّت لجنتا تحكيم مسابقتي الأفلام الوثائقيّة والعمل الأول عضوتين من بين ثلاثة أعضاء لكلٍ منهما.
وبرغم الأهمية المطلقة التي بات هذا المهرجان يمتلكها على خارطة المهرجانات العالمية، فلم تكن غالبية الأفلام المختارة ضمن المسابقة الرسمية بالمستوى التي يؤهّلها في أن تتنافس على الدب الذهبي، والجوائز الأخرى، وكما هي العادة منذ بضع سنين في المهرجانات العالمية، فقد كان العديد من الاختيارات ضمن برنامجي بانوراما وفوروم، أفضل بكثير من عدد من أفلام المسابقة الرسمية، وأكثر من استحقاقاً بالاهتمام والتنافس.
وقد ثبّت فوز صُهيب قسم الباري حضوراً نوعيّاً للسينما العربية في هذا المهرجان، وهو ما شهده المهرجان خلال السنوات الأخيرة، بالذات إدارة دييتير كوسليك بالذات في البرامج الجانبية، وبرغم غياب الاسماء العربية الأشهر من هذه الدورة، فقد تميّز ما أُختير لهذه الدورة من المهرجان، سواءٌ للأفلام المعجزة حديثاً أو الأشرطة المُرمّمة من قبل المؤسسات السينمائية الألمانية والأوروبية، بالجودة، وقد أثار الاهتمام لدى الجمهور ما جاء من السودان، فعلى الرُغم من الظروف الصعبة التي يواجهها السينمائيون السودانيون، إنتاجياً وسياسيّاً، ورُغم غياب الدعم الحكومي وارتفاع وتائر العوائق الموضوعة أمام المبدعين في جميع مناحي الثقافة، وفي مقدّمها، السينما، فإنّ ما حقّقه المخرج صُهيب قسم الباري والمخرجة مروى زين أثار اهتماماً كبيراً لدى الجمهور والنقّاد، ونال فيلم قسم الباري، ما لم يحظَ به أيُّ من أفلام المهرجان، وهو بقاء قاعة العرض دون مغادرة أحد المقاعد المُكتظة بعد انتهاء العرض وإغراق المخرج و «نجومه» الأربعة بتصفيق متواصل دام وقتاً طويلاً، واضطرت مديرة الحلقة النقاشية للفيلم إلى اختتام الجلسة، وإلاّ كانت لتستمر أطول ممّا كانت ظروف ومواعيد العروض التالية تسمح به.
وبدلاً من «اغتيال الأب» والتحرّر من الحبل السري الرابط لجيل الشاب بجيل الآباء، فقد اختار صُهيب قسم الباري مبدأ «إحياء الأب» مناكفاً ومحرّضآً أربعة من آساتذة السينما في السودان، متقارباً وإيّاهم عبر ما شكّل ويُشكّل حتى الآن، الهم الأكبر في حياتهم، أي صناعة الفيلم وخلق وتطوير ثقافة مشاهدة الفيلم لدى جمهور بلدٍ ما عادت لديه صالات سينمائية، وأفضت القوانين الرقابية والحجر على الحرّيات من قبل النظام الديكتاتوري العسكري، إلى إفراغ البلد منت طاقاته الإبداعية، وإقصاء من أصرّ على البقاء فيه، رُغم القمع والملاحقة، عن المشهد السينمائي والثقافي.
إختار صُهيب المخرجين الأربعة إبراهيم شدّاد وسليمان النور والطّيّب مهدي وإيهاب الحلو، وعاش معهم أسابيع محاولاتهم لإعادة إحياء «سينما الثورة» في الهوآء الطلق، بعد سنين من الإهمال والإغلاق وتعرّض الشاشة وجهاز العرض إلى التلف، ناهيك عن تناقص أعداد المعنيّين بمشاهدة فيلم سينمائي على الشاشة الكبيرة. وعبر هذه الرحلة الرامية إلى هدف العرض، يعود صُهيب بأبطاله الأربعة، وبالجمهور عبرهم، إلى مطالع السبعينيات من القرن الماضي، عندما بدأت ألى بشائر الانفتاح السياسي، توحي إلى أحتمال ميلاد سينما سودانية، يقدّم فيه إبراهيم شدّاد، ورفاقه في «جماعة الفيلم السوداني» المتأسسة في نيسان 1989، ما تعلّموه ودرسوه في معاهد السينما الغربية.
يروي فيلم «حديثٌ عن الأشجار» عن شجرة وارفة رُغم الجفاف ورُغم غياب المطر، وهي «شجرة الشغف السينمائي» ذات الجذور العميقة، التي لم تتعرّض إلى يباس، ويواصل جذرها من الإنغماس عميقاً في تراب الوطن لينهل ممّا اختزنته تلك الأرض في أعماقها من نسغٍ لا بُدّ أن يصعد يوماً ما.
وكما رافق صُهيب قسم الباري أبطاله الأربعة والممثلين الثانويّين الآخرين، وتمكّن عبر المعايشة اليومية، والسجالات الفنّية، بالذات مع إبراهيم شدّاد، الذي كان دائم الانشداد إلى مهنته الأساسيّة كمخرج، وتعامل مع ما كان يُنجزه صُهيب بعين المخرج الدقيق، فقد سلكت مروى زين أيضاً مسار المعايشة مع أبطالها في «خرطوم إوفسايد»، إذْ طريقاً لمجموعة من النساء الشابات اللاتي قرّرن مقارعة الحجر على حريّاتهن عبر ممارسة حقّ لهب كرة القدم، فها هي سارة، التي تحول التقاليد دون أن تتمكّن من إدارة الملهى المكتظ بالناس الذي أسّسه جدّها في الخرطوم، تعمل جاهدة من أجل تكوين الفريق السوداني النسوي للمشاركة في بطولة العالم للكرة النسويّة. « خرطوم أوفسايد» ليس تسلّلاً من قبل هذه المجموعة من الشابات اللاتي يُجِدْنَ ملاعبة الكرة، بل هو تأكيدٌ على حقّهن في ممارسة اللعبة وتثبيت حضورهن على خارطة الرياضة والمجتمع السودانيّين. إنّه تحدٍّ كبير، لكنّ هاته النسوة الشابات يعشنه يبروحٍ ملأي بالحبور ودون الضغط النفسي الذي بات واحداً من مواصفات ممارسي الرياضات التنافسيّة.
ولدت مروى زين في المملكة العربية السعودية في عام 1985ودرست الإخراج السينمائي في المعهد العالي للسينما في مصر وفي كليّة الإعلام في معهد كولن بألمانيا، و «خرطوم أوفسايد» هو شريطها الوثائقي الأول.
وبلغ احتفاء مهرجان برلين السينمائي الدولي بالسينما والسينمائيين السودانيّين ذروته بعرض عدد من الأفلام المرمّمة ورقمنتها، وتضمنّت المجموعة خمسة أعمال هي «الضريح» و «المحطّة» للطيّب مهدي و «ولكنّ الإرض تدور» لسليمان النور وثلاثة أفلام لإبراهيم شدّاد وهي «الحبل» و« الجمل» و «حفلة الصيد».

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0