هل اقترب الروائي العراقي من الرواية التاريخية

عين نيوز

أبريل 6, 2019 - 13:49
 0
هل اقترب الروائي العراقي من الرواية التاريخية
بدون وصف


علاء المفرجي

ان المفهوم المتعارف عليه للرواية التاريخية وهوالذي يشكل العامل المشترك لاغلب التعريفات عن هذا الجنس الابداعي، أنها عمل فنيّ يتّخذ من التاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفيّ له؛ حيث تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن المرحلة التاريخيّة وتوظيفه لهذا التصوّر في التعبير عن المجتمع أو الإنسان في ذلك العصر، أو التعبير عن المجتمع في العصر الذي يعيشه الروائي ولكنه يتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلاً مغايراً للحكي.

فقد عرفت الرواية الغربية هذا النوع، ابتداء من ستيفن كرين برواية "شارة الشجاعة الحمراء" مرورا بوالتر سكوت الاسكتلندي، الذي يعد أبو الرواية التاريخية برواية ويفرلي سنة 1814. ثم الكسندر ديماس وآخرون. ويشكل أمين معلوف في الادب العربي علامة مهمة في الرواية التاريخية على مستوى الثقافة العربية والعالمية، وقد ألف روايات عديدة ترجمت إلى لغات كثيرة منها :سمرقند، لويون الأفريقي، وحدائق النور، وغيرها، ورواية موانئ المشرق التي أرخت لتاريخ القضية الفلسطينية. وما يميزه عن غيره من الروائيين العرب نظرته العالمية ورؤيته الكوزموبولتيّة ودعوته للحوار بين الشرق والغرب وإيمانه بفكرة التسامح بين شعوب العالم.
ورغم بروز الرواية العراقية خلال العقدين الأخيرين، ومحاولاتها إزاحة أجناس إبداعية أخرى من التسيد في المشهد الابداعي، خاصة بعد أن أكدت عدد من الأعمال الروائية حضورها اللافت واستحواذها على عدد من أهم الجوائز الادبية، ألا إنها لم تقترب بشكل كبير من هذا النوع الروائي.
وإذا ما فهمنا الرواية التأريخية على أنها سرد قصصي طويل يقوم على أحداث حقيقية، أي أحداث وقعت في حقبة تأريخية معينة، وتجسدها شخصيات حقيقية أو متخيلة، والغالب حقيقية ومتخيلة، فإننا نستيطيع أن نقول إن العراق شهد مثل هكذا روايات – هكذا يقول الناقد د. نجم عبدالله كاظم – ويضيف: ولعل أقدمها يدخل ضمن مرحلة أو مراحل المحاولات الروائية ولاسيما في عقود العشرينيات- الخمسينيات، وهي، وكما غالبية المحاولات، لا ترقى إلى أن تكون روايات فنية، نذكر منها: "يزداندوخت الشريفة الأربيلية"- 1934- لسليمان الصائغ، و"سبي بابل"- 1955 - لعبد المسيح بلايا، وأظن "المسلم الثائر"- 1956- لطاهر العميد، وغيرها قليل. أما بعد هذه الفترة فلا يكاد يحضر إلا عدد محدود جداً، ولعل أهمها بعض روايات عبد الخالق الركابي، مثل "من يفتح باب الطلسم"، مع ما قد يكون من خلاف حول كونها تأريخية أو لا.
ويتساءل الناقد كاظم: لماذا يقل عدد الروايات التأريخية في العراق؟ فلا أجد شخصياً من أسباب غير أن الرواية العراقية، وتحديداً الفنية، ظهرت منتصف الستينيات لتزدهر بعد ذلك، وهي الفترة التي بظني انحسرت فيها الرواية التأريخية عالمياً وعربياً. ولكن يجب أن لا يُفهم من هذا اختفاء التأريخ من الرواية، فهناك اليوم ما أراها ظاهرة لا في الرواية العراقية فحسب، بل في الرواية العربية عموماً، تتمثل في استحضار التأريخ وربطه غالباً بالحاضر، ولكن ليس من خلال الأحداث التي يقدمها التأريخ عادة، نعني أحداث السلطات والحروب والتحولات السياسية الكبرى، مع حضورها عادة في خلفيات هذه الروايات.ويرى الناقد عبدالله كاظم، أن "من خلال ما نسميه المسكوت عنه الاجتماعي، وفيه تعتمد الروايات لا على التأريخ الرسمي المسجل بل على ما قد نسميها الوثائق والمصادر الثانوية المنزوية جانباً مثل الصحف المحلية والروايات الخاصة والأخبار المتناقلة شفاهياً. نذكر من هذه الروايات، مثلاً، "ملائكة الجنوب"- 2009 - لنجم والي، و"مدينة الصور"- 2011 - للؤي حمزة عباس، و"عشاق وفونوغراف وأزمنة"- 2017 - للطفية الدليمي، و"خاتون بغداد"- 2017 - لشاكر نوري، وبعض روايات علي بدر، وغيرها."
ولا خلاف أن التاريخ الرسمي حين وثق ارشيفياً الأخبار وسجل الوقائع وجمع السير ودوّنها فإنه تجاهل أحوال الهامشيين وأحجم عن ذكر أخبار المقموعين. وهنا يبزغ التحدي الذي على الروائي ان يكون مستعدا له عارفاً كيف يعيد المركزية لهؤلاء كي تكون لهم في الحياة مكانة ورتبة.
"فليس مطلوباً -كما تقول الناقدة نادية هناوي- من الروائي أن يجعل عمله وثيقة تضاف الى وثائق التاريخ الرسمي ولا أن يتعامل مع التاريخ بالطريقة التي كان جورجي زيدان يتعامل بها جاعلا السرد في خدمة التاريخ ؛ وإنما نريد من الروائي أن يتعامل مع التاريخ من منظور ما بعد حداثي مستعملاً مواضعات جديدة تماشي النظريات التاريخية المعاصرة، التي ترى إن الإفادة من التاريخ الرسمي لا تتم إلا بالاستعانة بالمخيلة بغية صنع محكي تاريخي ينهض جنبا إلى جنب التاريخ الوقائعي ليصنع سرداً تاريخياً بمخيال يستحضر حدثا أو سيرة شخصية تاريخية، ليعالجها برؤية واقعية مستجدة."
والهدف ردم الهفوات وملء الفراغات التي تركها مؤرخو التاريخ مما يسميه المؤرخ آر جي كولينجوود (تشييد التاريخ) وهذه مسؤولية تتطلب وعياً عميقاً في كيفية استحضار التاريخ سردياً من خلال تفكيكه أولاً ثم إعادة كتابته آخر ليكون المتحصل تاريخاً بديلاً أو بالاحرى تاريخاً جديداً كما يسميه المفكر الفرنسي جاك لوغوف .
وتضيف الناقدة هناوي: في التاريخ الانساني عموماً والاسلامي تحديداً كثير من الأحداث والشخصيات القابعة في الخفاء التي يمكن استنهاضها على المستوى الإبداعي لتكون بمثابة زاد سردي يستثمره كتّابنا وروائيونا نابشين في خفايا تلك الأحداث والشخصيات نافضين الغبار عنها معيدين اياها الى الحياة بطريقة لا تكون فيها للازمنة حدود او حواجز منتجين أعمالاً روائية لا توضع في خانة( الرواية التاريخية) وانما توضع في باب (رواية التاريخ ) وبذلك يصبح التاريخ حيا في الماضي ونابضاً في الحاضر ومتجهاً صوب المستقبل .
الروائي عبد الله صخي يقول عن أسباب غياب الرواية التاريخية ” إن الأعمال التي أنتجها جرجي زيدان ونجيب كيلاني وسليم البستاني لم يكن دافعها إعادة خلق الواقعة التاريخية استجابة لمعطى حياتي راهن إنما أغلبها كتب بدوافع تعليمية أو قومية أو محاولة لاستعادة مجد غابر.” إذ يجد صخي أن هذه الروايات استعادية او تعليمية ويقول ” إن غايتها الأساسية، كما أحسب، هي التذكير بالتجارب الحربية والسياسية أثناء الحكم الإسلامي حتى الاستعمار العثماني.”
ويتساءل الروائي عبد الله صخي تساؤلاً ضمن مضمار الاهتمام بالرواية التاريخية ويقول”لمن نحتكم؟ للتاريخ أم للنص الذي كتب عنه ومنه؟ وإلى أي مدى يلتزم الكاتب بالواقعة التاريخية لجهة دقة الأحداث وحجم الخيال الذي يؤطرها؟” مُشيرا” إن النقد العربي اهتم بهذين السؤالين فتنافرت الأجوبة.
هناك من يرجح الخيال على التاريخ أو من يرجح التاريخ على الخيال. إن أحد أسباب ضعف الاهتمام بالرواية التاريخية اليوم قد يكون غياب مفهوم دقيق لمصطلح الرواية التاريخية وجوهره وتكوينه. ويرى الروائي صخي أن" السبب الآخر فهو الانتشار واسع النطاق للمسلسلات التلفزيونية العراقية والعربية التي استقت من التاريخ جل أحداثه وشخصياته البارزة للحد الذي سلبت من الروائي فرصة إعادة كتابة تلك الأحداث وإعادة بناء تلك الشخصيات في رؤية سردية جديدة. وقد أضيف سببا آخر هو أن الواقع العراقي، على سبيل المثال، يزخر بمادة يومية ثرية ربما تغني الروائي عن البحث في بطون الكتب والوثائق للحصول على مادة يضاهي بها اللحظة الراهنة أو يماثلها."

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0