مشاهـد مـؤلمة تقـتفي آثـار العـذاب في زمـن كـورونا - د. مصطفى غلمان
عين نيوز
المــشهــد الصفر
مواطن أربعيني من مدن الهامش، يموت جوعا، أمام ملحقة إدارية تابعة لوزارة الداخلية، بعد انتظار معونة لم تأت.
المشهد الدراماتيكي الفجائعي، ليس سوى صورة مصغرة عن مئات الحتوف المخلة بأدنى الكرامة البشرية، تحدث كل لحظة، في الدقائق الأخيرة من نهاية أعمار تحمل أحزانها على أكف الإهانة والتقصير وسوء تدبير الأزمة.
الحلقة المفقودة في المشهد إياه، هو الوسادة التي يلتحفها الرجل، تحت إبط الإسمنت، ونيران أعين المتلصصين ممن يلتقطون صور المغدور، وهو يئن تحت رحمة آلام القصور الكلوي، الذي يعانيه..
وبين أقدام مخازنية الملحقة الإدارية، وثقل المصيبة التي هزت الرأي العام الوطني، والتي خلخلت جزءا من المسكوت عنه، في رحلة المصير المجهول، لعديد من أسر الهشاشة والضياع الاجتماعي، ينتفض فينا سؤال الاحتراق والتسويغ المر، وكتابة الفراغ :
من يتأسف على من؟ ومن يحاذر من؟ ومن يتوجع على من؟
وإلى أين المسير؟
المشـــهــد الأقــــنومــي
عشرات المواطنين يرابطون أمام بئر شحيحة في أقصى بلدة غرب الموغادور، ينتظرون أدوارهم لملء ما تجود به صنابير مطمورة واجمة، قليلة الفرشة.
يجرون بهائمهم التي يملؤون على ظهور جرارها، ما يتزودون به يوما أو بعض يوم.
عندما يسأل القوم، عن جائحة كورونا، أو طوارئها المعلقة بقوانين الإلزام والضرورة، لا تكاد كلمات الصمت تبلغ المدى، حتى تتصدع بهمهمات اليائسين من حول قطيع الحمير والأغنام المأسورة برثاء قيلولة حارة وسخيمة.
الناس هناك يبحثون عن الماء، ولا يفهمون رغبة الوباء في قطع رؤوسهم، إذا ما انزاحت الأنوف والأفواه عن استراق كمامات الوقاية من الفيروس الفتاك؟
العطش يرخي باستبدايته المهيبة، أكثر من سراب الأمل الجارف الذي يفلق القلوب والعقول.
عندما تتهجى، أو لا تكاد، تسمع أنين أطفال دوار أكشتام الواقع في نقطة مجهولة من خريطة الصويرة، في إحدى جماعاتها القروية النائية (امرامر)، وهم يستصرخونك، لأجل وَعْث من ماء مرجى، أو كلمة تسبق القرارات الرسمية العجفاء، تسمع من به صمم الضمير، فإنك لا محالة، تكتشف الميز الظاهر بالعين المجردة، بين ما تطلقه أبواق التفاهة، وما يقع على الأرض؟
المشــهــد الســـيزيفـي
ليس هناك أخطر من إله الموت الراهن، إله الغضب، الذي فجر الحقد الاجتماعي بين ثنايا الخداع. نفسه ثاناتوس في الميثولوجيا الإغريقية، الذي استطاع خداع إله الموت ذاك، فعاقبه بحمل الصخرة العظيمة، التي تنفعل بصوارم العقل الإنساني عديم الفائدة.
هي نفسها صخرة سيزيف الأبدية التي ظلت تتدحرج تحت خطى سياسة التجويع، الممارسة على فئات عريضة من الناس.
ستظل الفئات تلك، تحمل صخور مآسيها، في راهن كورونا وما بعدها. صخورا تتدحرج إلى أسفل الأحذية، وتعود لتنتشلها من الخرس، إلى قمة العذاب الأبدي ..
هكذا سنظل، نكتب عنها، دون أن نترفع يوما عن ملامسة حقيقة ضياعنا السيزيفي الأليم؟.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
لم يعجبني
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0





