بيت المدى يستذكر المُصمِّم الساحر والتشكيلي كاظم حيدر

عين نيوز

 0
بيت المدى يستذكر المُصمِّم الساحر والتشكيلي كاظم حيدر
بدون وصف

أحياناً لا تغنِنا النصوص المكتوبة بالحروف، فنكون متعطشين لنصٍ تكتبه الرموز، والألوان، ليفُكّ كل منّا شفراته حسب رؤيته الخاصة، كذلك هي نصوص المسرح، فقد لاتصل بعض تلك النصوص إلى المتلقي بجملها، وكلماتها المتعارفة  على وفق أبجدية الحروف واللغات، فنحتاج هنا إلى أبجديةٍ أخرى، وهي أبجدية اللمسة، ولغة اللون، بعمقها، بصوتها الذي يولد من صمتها، وحروفها التي تخلقها فرشاة الرسام، وتصاميم الفنان الذي يُعنى بديكور المسرح بجميع تفاصيله...
وحيث ما توجد أنامل الساحر، القادر على غواية الجمهور وجذبه نحو النص، سيكون هنالك مسرح متميز، وحين نتحدث عن التمكُّن في تفاصيل الديكور والسينوغرافيا في المسرح العراقي، وعن كبار الفنانين التشكيليين الذين تركوا أثراً محليا وعربياً ودولياً في مجال الفن التشكيلي، وعن أؤلئك القادرين على ترجمة الفن ونقده ودراسته سيتوارد إلى خاطرنا الفنان التشكيلي والناقد الفني ومصمم الديكور المسرحي أو ما يعرف بالسينوغرافيا، كاظم حيدر، الذي خلّدته أعماله في ذاكرة المهتمّين بمجال المسرح والتشكيل..
ليُستذكر طيف كاظم حيدر، الحاضر بسلامه، وجمال تركته، والغائب عنّا جسداً، خلال صباح يوم الجمعة البغداديّ المغطى  بندى الشمس وغيمتها الشتوية، في بيت المدى في شارع المتنبي.

علامة فارقة
عُدّ الراحل كاظم حيدر إحدى العلامات الفارقة في تأريخ الثقافة العراقية، فقد تخصّص بالمسرح، والنقد الفني، والفن التشكيلي، ويمكن عدّهُ رائداً في مجال التجريد تشكيلياً وسينوغرافياً، وهذا ما أكده الناقد التشكيلي جواد الزيدي الذي أدار الجلسة الخاصة بالراحل، وأضاف الزيدي " أن المجموعة التي انحدرت من جيل كاظم حيدر سواء أكانوا متخصصين في مجال الرواية أو الادب او الفن او التشكيل، جميعهم كانوا أفراداً فاهمين وعارفين بما يقدمونه، ولهم إسهامات فنية كبيرة ومؤثرة سواء محلياً أو خارجياً."
وأشار الزيدي إلى " أن أعمال كاظم حيدر عرفت بأنها أعمال غير مألوفة، حيت اتّبع الرمزية في أعماله، وكذلك التجريد."
وقد قدّم الراحل خطاباً جمالياً وبصرياً منسجماً مع الطروحات السياسية والاجتماعية آنذاك، وكان حيدر كما أكد الزيدي، يتبع نظام الإشارة الى الواقع خلال فنونه، إضافة إلى معالجة الواقع.

المبتكر.. المتفرّد
المخرج والكاتب المسرحي سامي عبد الحميد، يؤكد أنه ليس من حقه أن يقيّم الراحل كفنان تشكيلي، لأنه " مجدد وموهوب " كما أكد عبد الحميد خلال كلمته التي أشار فيها  قائلاً" إن كاظم حيدر واحد من قامات التشكيل في العراق، وأعتقد أن التشكيل هو الفن الوحيد الذي بحاجة إلى الموهبة بالدرجة الاولى، فبلا موهبة لا وجود لفنان تشكيلي، وكاظم حيدر كان فناناً مميزاً ومتفرداً في ما قدمه."
وفي ما يخص جانب المسرح، يتحدث عبد الحميد عن تجربة الراحل، كمصمم ديكور مسرحي، وكسينوغرافيا، ويقول "من حقي أن أقيّم كاظم حيدر، في جانب التصميم المسرحي، من حيث المناظر والازياء المسرحية، ولأنني رافقته فترة طويلة خلال عمله في هذا المجال وحتى رحيله،فيجب أن نعترف بأن كاظم حيدر كان مبتكراً ومتفرداً في مجاله."
هنالك أسباب متعددة جعلت كاظم حيدر محترفاً ومبدعاً في مجاله، منها، أنه يمتلك حساً معمارياً، وهذا الشرط مهم جداً في مجال السينوغرافيا، كما أنه يمتلك حساً درامياً، وبهذا يستطيع عكس النص المسرحي في ديكوراته وتصاميمه وأزياء الممثلين.كما يمتلك حيدر حساّ تشكيلياً، ومن ميزات الراحل التي يذكرها المخرج سامي عبد الحميد " أن كاظم حيدر لا يسمح للمخرج بالتدخل في عمله، إلا في ما يتعلق بالجانب الإخراجي، وهذا ما تفوق به حيدر على أغلب مصممي الديكور في المسرح، الذين يخضعون لرؤية المخرج ويعتمدون عليها."
كاظم حيدر تميز بتنوع أساليب تصاميمه، ولم يحتفظ بذات الرتم، في تصاميمه، فقدم  الانطباعية أحياناً وأخرى، الواقعية المختزلة، وبعض الاحيان نجده يجسد الواقعية التامة، وهذا التنوع قرّبه بنسبة أكبر الى جمهوره ومتابعيه.

 حلَّلَ اللوحة التشكيليّة
ثلاثون عاماً مرّت على الرحيل، " ولكنه هنا " كعادته المخرج المسرحي صلاح القصب، يستذكر بطريقته المتماهية حباً ووجعاً الراحل كاظم حيدر، ويذكر " أن الراحل يجسد رسوخ، وعمق التجارب، وهو بحدّ ذاته موجة متفاعلة مع تاريخ أممي."
ويشير القصب إلى أن " كاظم حيدر استطاع أن يحلل اللوحة التشكيلية من خلال مشاركاته البصرية لتكوين استرجاعاته إلى قارة ذات تضاريس ورؤى عميقة المنجز."
ويجب أن نشير إلى أن حيدر أنجز وأسس بانوراما في تاريخ ومنجز الفن التشكيلي، ولم يكُن لحظة عابرة لهذا يرتئي القصب أن " نوثق هذه الاستذكارات ،لأن من الصعوبة استذكار هكذا قامات دون أن نمتلك ثقافة التوثيق."
وأكد القصب " أن ما أنجزه كاظم حيدر نهر، يعطي من مياهه كل ما يمرّ به، بهذا فإن منجزه لم يعُد عليه وحده بالجمال والتألق والسمو بل عاد على الجميع بذلك."

انقلابات كاظم حيدر
بالرغم من عمق تجربة الراحل، ورصانتها، وجمالها، وخلودها، إلا أننا عربياً ومحلياً على وجه الخصوص نفتقر لقدرتنا على تثمين وتمييز التجارب، أما العالم الغربي فكان فاهماً لقيمة العمل التشكيلي، وهذا ما أشار إليه الناقد والفنان التشكيلي بلاسم محمد مُتأسفاً على الواقع الذي آلت إليه الثقافة العراقية بشكل عام، والفن التشكيلي بصورة خاصة، فيذكر بلاسم محمد " أن الثقافة العربية عامة والعراقية خاصة تهتم بما يسمى بثقافة الـ " تغريب " ونجد أن الفن التشكيلي منذ زمن بعيد في عزلة عن الثقافات الاخرى العراقية وهذا ما يؤلم للأسف."
أما عن نتاجات كاظم حيدر فأشار بلاسم محمد " أن كاظم حيدر قدم كل ما هو واقعي، وطبيعي، لكنه قدمه بتجرد." مشيراً إلى أن " ميزة أعمال كاظم حيدر أنه جسد الاسطورة ،لأنه كان قارئا جيداً بامتياز للأساطير، وهذا ما نجده في بعض لوحاته، وخصوصاً حين جسد المرأة الاسطورة في احدى لوحاته والتي سمّاها " الجنيّة"."
ورسم الاساطير لكاظم حيدر عُدّ أحد انقلاباته في المجال التشكيلي، أما الانقلاب الثاني وبعد مرور فترة زمنية هو التفتيش في المثيولوجيا الفنية، ويمكن دراسة كل أعمال الراحل بثلاثة انقلابات قدمها هو بفترات متفاوتة.
ختم بلاسم محمد حديثه ،مشيراً إلى العزلة التي يعاني منها الفن التشكيلي، محلياً " عن الثقافات الاخرى" وعربياً وعالمياً عن الفنون التشكيلية في الخارج، وأشار إلى العديد من المحاولات التي قامت بها بعض مؤسسات الفن التشكيلي لبيع لوحات عدد من الفنانين التشكيليين لسفارات أجنبية وعربية لغرض إفادة الفنان ذاته، ونقل الثقافة التشكيلية العراقية إلى الخارج، مؤكداً " أن هذه الطريقة ستعمل على نقل هوية الثقافة العراقية إلى دول اخرى".

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0