بيت المدى يستذكر الفنّان التشكيليّ والسياسيّ المعارض عبد الجبار البنّاء

عين نيوز

 0
بيت المدى يستذكر الفنّان التشكيليّ والسياسيّ المعارض عبد الجبار البنّاء
بدون وصف

 

أجمل ما ولدت من أعماله الفنية كانت من رحم الفشل السياسي، فهو الذي جمع بين جمال وشفافية وصدق الفن، والثورة والرفض، والاعتراض السياسي، انعكس صدقه، وإنسانيته، على نتاجاته التي لم تخضع يوماً لإرادة سلطة أو جهة معينة.
حرص على حريته في تقديم أعماله ونتاجاته، التي رمز فيها للطفولة والجمال والانسانية، والمرأة والحياة، وابتعد كل البعد عن التملق لجهة او سلطة ما، وقد يكون هذا من أهم الاسباب التي أدت به للعيش فترة طويلة في ظلمة السجون والمعتقلات السياسية، وفضّل الفقر الذي امتزج بسعادة الرضا والتصالح مع النفس، على الغنى الذي يمتزج بالخضوع والتملق والتخلي عن المبادئ.
  الحديث طويل عن الفنان التشكيلي، والسياسي الذي أخلص لانتمائه وتوجهه حتى اللحظات الاخيرة من حياته، والانسان الذي لم يتخلّ عن إنسانيته في شتى المجالات الخاصة به، عبد الجبار البناء، الذي غادر الحياة منذ أشهر قليلة وترك لمحبيه سيرة طيبة كفيلة بإحياءه في ذاكرتهم وقلوبهم فضلا عن أعمال مميزة لا يمكن نسيانها.
لكن رغم عمق الحديث وطوله، حاولنا تلخيص حياة ومنجزات البناء في أحاديث قدمها عدد من النقاد والتشكيليين والشخصيات الثقافية التي كانت على معرفة شخصية بالراحل، من خلال جلسة أقامها بيت المدى في شارع المتنبي صباح يوم الجمعة.

شخصية البنّاء
قد نستاء أحياناَ لفقداننا أحدهم، إلا أن الذكريات التي تجمعنا ستحتضننا وتواسينا رغم هذا الاستياء، لهذا كانت الذاكرة رفيقة للناقد حسن عبد الحميد، لتكون اليد المواسية التي تُطبطب على كتفه حين يغص عبرةً لرحيل البناء، وذكر عبد الحميد  " أن علاقتي العميقة بالراحل بدأت إبان عام 2000 من خلال المعرض الاستعادي الذي اقامه على قاعة معهد الفنون وقد تمخض عنه كتابة مقالة لي  في جريدة الجمهورية." مُشيراً " تواصلت الاخبار مع هذا القلب النابض، ومع تلك القيم الفنية المثلى لهذا الاب، والمربي والمعلم على الطريقة الافلاطونية." مؤكدا" لم اجد على طيلة مسار حياتي واقترابي من التشكيل شخصية مثل عبد الجبار البناء." وأشار عبد الحميد "لقد مزج البناء مابين الفن والسياسة وهو ينتمي الى أُسرة عريقة يسودها الحب، وهو مضحّ بكل تفانٍ ، ولا يمكن ان يلخص الحديث عنه بدقائق او ساعات."

"أنا أختزل الكائنات البشريّة"
لا يمكن أن نختصر ما يقارب الربع قرن بحديث ساعات قلة، ولكن الأيام الجميلة يمكن أن تختزل الحديث الطويل برسم ابتسامة دافئة على وجوهنا حين نذكر احدهم، وقد اختزل الكاتب والإعلامي جمال العتابي 40 عاماً جمعته بالراحل في ابتسامة وبعض الذكريات، ويقول العتابي " يشرفني الحديث عن البناء، لأختصر 40 عاماً او اكثر من الرحلة المشتركة التي جمعتنا."
وأضاف العتابي " مسارات أبو دريد تحمل تحديات كثيرة وهذه التحديات لاتعني المغامرة بل كانت تحديات واعية ومدروسة ،الاولى منذ الطفولة حين كان طالباً في الابتدائية وقدم عملاً نال إعجاب الاساتذة، وكان يرافق والده الى العمل وكان يساعده في العمل وكان والده مصمماً بارعاً لخرائط البيوت، وبدأ يعمل الكثير من الاعمال الفنية التي ملأت ساحات البيت واضطرت والدته إلى منعه ونهره." وأشار العتابي " وحين انهى الراحل معهد الفنون  بدأت المرحلة الاولى من التحديات التي كان اولها خلال  دراسته الجدية مع جواد سليم الذي كان متأثراً به، وكان البناء يقول (رغم تأثري بسليم ولكني معجب بخالد الرحال) ، وقد رافقه تحدٍّ ثانٍ لحزب الشعب الذي كان يقوده عزيز شريف الذي قاده للسجون والمعتقلات ودفع ثمنه غالياً جدا." وفي الوقت الذي كان فيه السجناء يطلبون من ذويهم الاطعمة والملابس، كان البناء يوصي والدته ان تجلب له الطين، فيذكر العتابي " لقد  عمل الراحل في السجن عدداً من الاعمال النحتية."
وأضاف العتابي " بعد مرحلة السجن اتجه البناء نحو اليسار اكثر وانتمى للحزب الشيوعي، وظل البناء وفيّاَ له لآخر يوم في حياته، رغم أنه كان يملك فرصة ان يكون احد الاغنياء من خلال تقديم عدد من الاعمال للاصنام السابقة ولكنه امتنع عن ذلك، وكان يصنع نماذج انسانية كما يقول " انا اختزل الكائنات البشرية" ."
وأكد العتابي أن البناء "يحمل من الحس المرهف والحساسية والرقة كطفل وليد صغير، وهذا ما عكسه في اعماله."
أما عن  التحدي الثالث للبناء كان في اختياره للخشب كمادة اساسية في اغلب اعماله وهذا الاختيار كان صعبا، لذلك قدم اعمال الخشب التي تختلف كثيراً عن أعمال بقية النحاتين.

منحاز لمادّة الخشب
الحب الذي تميزت به روحية البناء انعكس جداً على أعماله، فذكر الناقد جواد الزيدي قائلاً " أسس البنّاء على مدى ستة عقود او اكثر شغلها بالفن ، الخطاب الفني المتعدد الاجناس والاتجاهات، حيث أجبرنا جميعا على نهج سلوك المحبة وقد وزع محبته للخامات بشكل متعادل كما وزع محبته على الأشخاص، إلا انه انحاز لمادة الخشب."
ويضيف الزيدي" أن البنّاء أقام علاقة سرية مع مادة الخشب التي تدعمها ذاكرة الطفولة، التي تشبه الاب " أبوه "، كما سعى البناء لتوظيف خصائص هذه المادة المتأثرة بالمعارف الانسانية، وقد استطاع تفحص ذاته والاطلاع على المواقع الراكدة فيها واكتشف وجود الانسان."
إن غنى محاولات البناء وتنويعاته لم تكن وليدة الواقع وقد منحت التقاطاته الشاعرية   الكثير من اعماله التميز، ومنحها التدفق الحركي وجوداً حياً، فيذكر الزيدي " أن البناء فك شفرات المنحى الرمزي للعمل التشكيلي، ومن خلال هذا دعمت افكاره ذاكرة نابضة بالتفاصيل ، حيث ادرك منذ زمن معنى هذه التفاصيل وقد شيد خطابه البصري بالتقاء الموروث والمنحى الحداثي ورصد كوامن النفس البشرية الذي يتصير فيه الخطاب البصري."

البنّاء في شريط سينمائيّ
رغم طول الحياة، وواقعيتها، إلا أن من السهل عكسها في صورة افتراضية، وخصوصاً إذا كان من يعكسها يعرف أدق تفاصيلها، فالاعلامي سامي الربيعي استطاع عكس حياة صديقه المقرب عبد الجبار البناء في شريط سينمائي، ويقول الربيعي " كانت صداقة عميقة تلك التي ربطتني بالمرحوم ولا يمكن نسيان اللحظات التي كنت أزوره بها وكانت تستقبلني تلك الفتاة الجميلة  " سهيل " ، وهو ابن محلتي في باب الشيخ، وقد عملت فيلماً وثائقياً عن عبد الجبار البناء وتطرقنا للكثير من الاحداث فيه تلك التي  لم يتطرق لها احد."
 صرخة الوليد حين يشرئب من الظلام إلى النور هي إعلان لثورته ورفضه للواقع الجديد، إلا أن البناء  ولد دون ان يصرخ  كما ذكر الربيعي مُضيفاً " أن البناء لم يصرخ حين ولادته لدرجة ان والدته ظنت أنه توفي، حتى ضربته القابلة  وأعلن صرخته." ومن هذه الذاكرة يحاول الربيعي أن يشير إلى أن الانسان مابين لحظة الولادة والممات يشكل حياته بالفرح والالم، وكان هنالك اصرار للبنّاء على العمل وكان مركّزاً تفكيره على النحت فقط، وقال "أتمنى أن يجيئني الموت اثناء عملي بالنحت".

ينتمي لحضارات عراقيّة
ولأن البنّاء نقل الموروث الفني بحداثة فقد عده مدير مركز كولبنكيان علي الدليمي أنه ينتمي لحضارات عراقية، وقال الدليمي " إن البناء ينتمي لحضارات عراقية عريقة وقد قدم موضوعات فكرية وفنية على حد سواء، وكان حضوره دائماً في قاعة كولبنكيان، كما كان يعمل بقلب طفل عفوي وفنان شفاف مؤمن بالفن ومفاهيمه الحقيقية ويحمل الأُبوة للآخرين وهو متعاطف مع الجميع، ليكون فناناً مُقتدى به، وكان للبناء الكثير من الاعمال الفنية  نُهب بعض منها أثناء اقتحام متحف الفن الحديث في 2003."
ويشير الدليمي إلى أن " أعمال البناء تميزت بكبر حجمها، حيث كان يقدم افكاره بين الطفولة، والمرأة والرجل، وبهذه الاعمال الكبيرة برزت القيمة الجمالية التي تنحت وتنمو وتخلد في العمل."
وقال الدليمي مطالباً " أتمنى من الجهات الفنية التعاون مع عائلة الراحل لكتابة تجربته الفنية وهذه دعوة للفنانين والنقاد ،لهذا يجب توثيق مراحل حياة البنّاء، وكذلك قدراته الفنية."

البنّاء الأب والصديق
 حين يكون الأب صديقاً وأخاً ورفيقاً للروح سيكون من الصعب شغل الفراغ الكبير الذي سيتركه رحيله وغيابه، فذكر نجل الراحل دريد عبد الجبار البناء " ليس لدي ما أضيف بما اجاد به الحاضرون ولكن كلي امل ان احافظ على اعمال أبي ومسيرته ،لأنها سيرة يفخر بها اي شخص كل شخص يتمنى ان يكون له اب مثل البنّاء فكان صديقاً وأباً ومربياً وأخاً وكان له إمكانية التعامل مع أحفاد أحفاده بنفس طريقة تعامله مع كل المثقفين الذين يعرفهم، وإضافة إلى إخلاصه بعمله فهو يتمتع بقيمة إنسانية عالية ."

 

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0