الوسط ومخاطر الفوضى في السياسة والثقافة

عين نيوز

أبريل 6, 2019 - 14:00
 0
الوسط ومخاطر الفوضى في السياسة والثقافة
بدون وصف


ياسين طه حافظ

في السياسة نحن محكومون بقلق المسافة بين الديمقراطية والرجعية أو بين الرجعية المتجذرة وأوهام الديمقراطية. وماهو مؤكد أن الطارئ معرض للمطاردة فهو غريب على مستقرات لها من ألف حالها المتقادم وضمنوا مصالحهم فيه.
ولذلك ممكن جداً أن ننكر على الجديد الطارئ أي شرعية فلسفية او فكرية. ومتطلبات العصر ليست ملزمة لمن لايرون العصر موضع رضا، أو هو بالنسبة لهم غير مؤتمن.

هذا لايقتصر على المعني بالسياسة ولا حتى الإنسان العام، ولكن يخضع له ويعمل بموجبه المثقف المبدع أيضاَ عبر عمله الإبداعي واهتمامه بالحداثة أو التجديد.
اذا" جورج صاند مثلاً تسجل في خريف 1870 ، في كتابها " مذكرات مسافر في أثناء الحرب" تقول : أرى احتقاراً كبيراً ونوعاً من الحقد الموجع واحتجاجاً يكبر ضد الاقتراع العام.." وهي هنا، وإن بلهجة أسف لذلك، تقر بحقيقة اجتماعية تشهدها وكأنْ تلفت الانتباه لاحترامها. واستكمالاً لهذا نحن نشهد ، تاريخياً، انه كلما ساءت الظروف، اثر حرب، او تحول راديكالي نشهد واضحاً الحنين الى الماضي ويبدأ التسويغ والتهوين من الأخطاء والشرور التي كانت.طبعاً هذا نتاج الخلفية المضمرة والتي اقلقها الجديد، فاعتمدت فوضى التحولات أو فجوات الأفعال لتعلن عن أفضليه وثبات وضمانات ما كان. لا ذم هنا ولا تخطئه، فالإنسان ذو هم يومي أساساً. وعادة بعد أي صدمة نحس بتصدع يماثل ما نحسه إثر فوضى، أو هزيمة أو انكسار.
أقول: أيضاً نشهد فوضى وتشتت و هزيمة الثقافة. ما يتبقى هو الاحتجاج والرفض الاعزل، المعرض للمصادرة، يمكننا بسهولة إذن أن نستنتج بأن الحفاظ على المكسب الموروث والجاري اليوم، هو بالتأكيد حفاظ على الطبقة: أو هو أساس ذلك. والتصدي للجديد، إصلاحاً أو تغييراً أو تحولاً فئوياً، هو المطلوب، بل هو ما يجب. وهنا علينا لا الغضب أو الرد بأي من أساليب العنف. هنا يتوجب فهم مخاوف المقابل المستفَز، من مغامرة الجديد ومجهولية أو وعدم ضمان ما يأتي.
هذا العرض هو ما أريده مقابلاً أو خلفية، لحركات التجديد و التحديث في الفكر الثقافي وفي الإبداع الفني المتأسس في ضوئه أو بتأثيره منه.... الحركات الجديدة غير منتهية الى قرار ، وبسبب من طبيعتها المتحركة، لن تنتهي الى سياقات ثابتة إلا بعد عقود، وانتهاؤها أو استقرار ثوابتها الجديدة يظل مشوباُ بالخروقات ذات الاهمية ايضاً.
نحن، وأي سوانا أفراداً او جماعات، لا يريد أحد منا أن يخسر امتيازات تحققت. ثم أن الاشكال الفنية المتحققة هي الأكثر وضوحاً في تحولات والفنون المضامين الجديدة لا تبعد إلا نادراً عن الأفكار الجديدة. ربما جاءت بالضد منها، وحتى حال الضد هذه، تعمل بتأثير منها! ومن يتصدون للجديد في الآداب والفنون ، هم الوجه الآخر للمتصدين للحركات الإصلاحية أو الثورية الاجتماعية. هم أيضاً لايريدون خسارة مكتسبات اطمأنوا إليها وتخدم قناعاتهم. سيميل بعض من اولاء الى الجديد إذا رأوا ضماناً أو إيحاءاً بحضور جديد أفضل وإلا فنحن نعرف قطاعات في الثقافة والفن غير مستعدين عموماً للاقرار بشرعية جديد. هو بالنسبة لهم ما يزال غير متأصل الشرعية ولا أكيدها... وهو أيضاً بالنسبة لهم غير ملزم، لا سيما وهم يعتمدون مرتكزات اطمأنوا إليها وضمنت سلامة النتائج.
والحل هنا ليس بأدوات عنيفة، كالاستهجان وتقليل الشأن والادانة بالتخلف والرجوعية – هذه هنا إهانة واضحة. الحل بالاقرار بحقهم في حماية الموروث والتقليد وحتى يسقط حاجز الخوف أو الشك بجدوى الجديد والائتلاف مع الاجواء جديدة الاضواء. هنا فقط وبهذه الطريقة الطبيعية – غير الملزمة قسراً ، يكتسب التغيير شرعية ويكتسب الجديد مشروعية الحضور والتقدم عبر حدود الاقاليم القديمة والتي فتح الزمن " التطوري" أبوابها للجديد القادم.
إن أخلاقياتنا ستصاب بكسر جوهري إذا هي فلسفتْ " عنفها وسوغت إزاحاتها للتقاليد بأي عنفية كانت. إن عبارة " مع الاصلاح ستكون غير ما نحن عليه اليوم.... هي عبارة تعمل باتجاهين. من هم؟ وماهو الحال؟ لذلك يكون الاطمئنان الى اتجاه واحد والدفاع عنها سبباً أول لإثا رة التضاد. قد لا نكون مطمئنين لما نحن عليه" الغد" الافضل قد يكون افضل ولا ضمان من عدم التهاوي الى الفوضى أو الاردأ.هذا هو دستور المرعوبين من الجديد. كما أن عبارة وهو" الأفضل منهم" لدى الطرفين ليست نزيهة جداً مما تضمره!
وفيها عدوانية بالتأكيد. لكن اليس هذا ماترفضه حداثة العقل الإنساني وما نحن نعمل لخلاص البشرية منه؟
لا أرى عقلاً مكتمل التجدد الحضاري، ومكتمل الإيمان بإنسانية الآخر، يظل مؤمناً بفعل القوة الآمرة " سواء كان مصدرها التجديد والتحديث أو كانت واسطة إصلاح مجتمعي. هذه في التفكير وفي العمل العقلي، طريقة بالية دعو للآخر فرصة للتنفس ليرى ويستجيب ! ليس من أجله وحده ولا لصالحه حسب , هو لصالحكم أيضاً. صالحكم في كسبه وكسر التضاد وكي لا تخسروا إضافة او انتباهاً او رأياً. لا أحد يزهد بضوء إضافي وهو يبحث عن حاجة أو عن حل. أيضاً في الأزمنة غير المستقرة، نحتاح الى ما يأتينا من وسط مستقر وما يزال يمتلك الحكمة ، فقد لا يكون امتلاكه الحكمة من ابتعاده أو مناوءته، بل من عدم اندفاعه غير العقلاني وإنه مايزال يمتلك فرصته الكاملة في التفكير وفي النظر إلى الأشياء .في هذا منجاة من المراجعة الصعبة من بعد والندم ومحاولات إيجاد العذر...

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0